آراء وافكار
2012/10/22 (16:35 مساء)   -   عدد القراءات: 1612   -   العدد(2630)
الإعــــــلام العربـــــــي   و الثـــــورات الجديـــدة
الإعــــــلام العربـــــــي و الثـــــورات الجديـــدة


عبد المجيد حسن شياع

مع مجريات الأزمات والأحداث التي تعصف بالشارع العربي هذه الأيام ، كان الإعلام عبر وسائله المختلفة، المسموعة منها والمرئية ، وكذلك المكتوبة ، يتصدى لتطورات هذه الأزمات ، يعاين الأحداث ويحلل المشاهد المختلفة على الساحة ويتابع التفاصيل ، وكل ذلك من أجل أن يقدم مادة تتسم بالشمولية واقتناص المعلومة ذات الأهمية ، لمواكبة الأحداث وتطوراتها على الساحة وجهاً لوجه .

لقد حصلت في الثورات العربية متابعة إعلامية وأساليب تغطية مباشرة لأبرز المواقف التي صنعتها إرادة المواطن العربي ، كما جرى في تونس وليبيا ومصر ، وكذلك في سوريا ، وغيرهما ، وقد مُنح الإعلامُ قدرا كبيرا جدا لتحمل مسؤولياته ومساهمته الفاعلة في تأثيره على الرأي العام ، لا سيما أن المشهد الإعلامي يشهد تطورا متواصلا إثر معطيات ما جاءت به الثورة المعلوماتية الهائلة وتقنيات الاتصال ، وما نجم عنهما من آثار انعكست بشكل مباشر على المشهد التكنولوجي  بمجالاته كافة، وهذا ما نراه عبر التدفق المرئي على شاشات التلفزيون وانتشار الأقمار الفضائية ، التي اتسعت لها الفضاءات المفتوحة ، والاستخدام الواسع لشبكة الإنترنيت ، حيث أصبح بإمكان أي شخص في العالم أن يكون قريبا جدا من أي معلومة يريدها وفي أي وقت يشاء وعبر أسهل الطرق، وهذا ما أتاحه مجتمع المعلوماتية من انتشار وشيوع الثقافة الرقمية ، التي انعكست نتائجها على وسائل الاتصال الحديثة التي ألغت حدود المكان والزمان ، وجعلت الكون مدارا واسعا يستجيب لهذه التحولات الهائلة ، التي تركت بصماتها واضحة في جميع أرجاء المعمورة جراء الطفرة التكنولوجية المذهلة وما رافقتها من تغيير في الاستراتيجيات والمفاهيم في الحقول السياسية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية ، التي من شأنها أن تعيد بناء وترتيب عناصر مكوناتها وإعادة صياغة العقول بعد خلخلة المنظومة المعرفية للمجتمعات التي تلقت صدمة العولمة وما لحق بها من تبدلات كبيرة وهائلة في جميع المجالات تحت ظل النظام العالمي الجديد .
وقد كان نصيب الإعلام والاتصال في هذا التأثير من التحولات التكنولوجية المذهلة التي ميزت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي واضحا ومباشرا، حيث أنه مهد الطريق لبروز ظاهرة العولمة عبر معطيات التراسل الكبير والهائل ، وانتشار أقمار الاتصالات وثورة الهاتف المحمول وتعميم المعلوماتية في قطاعات إنتاج السلع المختلفة وتصغير الحواسيب وربطها داخل شبكة كوكبية ، التي مكنت من انقلاب ضخم وهائل وشامل في نظام العالم .
ونظراً للدور الذي يلعبه الإعلام في تحقيق هذا التحول والانقلاب الكبير والتحول العالمي ، فقد أصبح الاهتمام به من الأولويات والأسس التي تستند إليها كل الخطط والبرامج الهادفة نحو هذا التوجه بما يحقق التأثير في الرأي العام وتشكيل اتجاهاته كافة.
إن حدوث الأزمات يأتي نتيجة محاولات كثيرة وعسيرة ومعاناة طويلة جدا تقود إلى تصاعد حالات الصراع إلى أقصى مداها ، مما يولد حالة من التناقض بين الواقع وبين ما ينبغي أن يكون ، وتختلف الأزمات تبعا لنوع الصراع واختلاف الآراء بين طرفين ، واختلاف المصالح وتنوع الشعوب والسياسات والثقافات المختلفة ، وإن هذه الأزمات هي سمة الحياة ولا بد من حدوثها ، لأن الفعل الإنساني يسعى دائما إلى التغيير نحو حياة أفضل ، وهذا ما تتسم به المجتمعات المتقدمة، التي تسعى دائما لفرض إرادة التجديد والتغيير ، ومواكبة منطق العصر .
وحالما تبدأ الأزمة بالتنامي ، لا بد  من أن ترافقها مواكبة إعلامية تتناسب وحجم هذه الظاهرة وقوة تأثيرها وكيفية مواجهتها والتفاعل معها ، مما يجعل المتلقي في حالة تواصل دائمة وإحاطة لما يدور من حوله ، لأن امتلاك المعلومة يشكل جزءا كبيرا جدا من امتلاك القوة والسيطرة على مجريات الأزمة بحجة التعامل معها ،وفق أفضل السبل وإيجاد الحلول الناجحة لها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار عاملي الزمان والمكان .
وقد ظلت الشركات الإعلامية الغربية الكبرى تفرض هيمنتها في مجال التغطية الإعلامية للأزمات ، بل لجميع الأحداث العالمية المهمة ، وتقوم بصناعة خطابها وفقا لمصالحها وأهدافها ، مما جعل المواطن العربي أسير كل هذه الحملات ومتأثرا بها .
ولعل أزمة الخليج ، واحتلال العراق للكويت ، ثم احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ،  الذي رافقته تغطية إعلامية غير مسبوقة من قبل ، توافقت مع أهدافها ومخططاتها في المنطقة، ولذلك فقد كان الخطاب الإعلامي صادرا من مصدر واحد ، وكانت جميع قنواتنا الإعلامية العربية هي مجرد تابعة للآلة الإعلامية الغربية.
وفي هذا المجال تكون تجربة الإعلام العربي حديثة العهد ، مقارنة مع الإعلام الغربي في تعاملها مع الأزمات والثورات الجديدة ، التي تبدو أنها تجارب سوف تستمر بفعل استمرار الأزمات القائمة على مختلف المجالات ، التي تتصدرها اليوم الثورات العربية الجديدة ، التي أطاحت بعدد غير قليل من الأنظمة الحاكمة في منطقتنا العربية وغيرت مسار تاريخها للأفضل ، وكل ذلك لتعيد رسم خارطة جديدة لسياساتها ومستقبل أجيالها ، ولكن حدوث كل هذه الثورات العربية جاء مختلفا هذه المرة بمستوى شموليته وعمق تأثيره ونتائجه ، وقد كانت مساهمة الإعلام العربي ، ولا سيما القنوات التلفزيونية ، إلى جانب الوسائل الإلكترونية ، المتمثلة بمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنيت ، وكذلك المدونات لها دور كبير ومهم في التغطية الإعلامية لهذه الثورات وسرعة تفاعلها مع نبض الشارع وردود فعل الجمهور لها .
لقد مارس الإعلام المرئي قبل اندلاع هذه الأزمات والثورات دورا اعتياديا ، فقد كان يقترب من النقل الإخباري والمتابعات لما كانت تقوم به الحركات الثورية من اعتصامات وتحضيرات ومسيرات وإطلاق نداءات ومطالبات من الدولة بالعمل على تلبية جميع مطالبها، وقد كانت تصريحات التنظيمات المعارضة الموجودة بالخارج هي السائدة والجريئة ، كونها تتمتع بقدر كبير من حرية التعبير والرأي في البلدان التي توجد فوق أراضيها ، ولا سيما العواصم والدول الغربية ، كما أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان هي الأخرى ساهمت بنوع من المطالبات بضرورة الحرص على احترام حقوق الإنسان .
إن هذه التسريبات الإعلامية لم تكن تصدر من الإعلام الرسمي ، بل من القنوات غير الرسمية المستقلة منها والخاصة ، أو من بعض القنوات العالمية ، التي توجد لها مقرات ومراسلون في عواصم الثورات   .
وكان الاعتماد أيضا على الخطاب الإلكتروني وما تنشر فيه من مشاهد مرئية عما يحصل من تجاوزات ومواقف أو تصوير لحالات المواجهة بين رجال الأمن والمتظاهرين وغيرها ، وقد كان الاعتماد على المواقع الاتصالية لأن رقابة الحكومة كانت تمنع القيام بتصوير أو نشر أي حالة أو أي موقف يتعرض إلى سياسة النظام أو انتقاده ، لذلك كانت عملية تكميم الأفواه وخنق الحريات هي أحد الأسباب الرئيسية للاحتقان ، ولا سيما في ليبيا وتونس ، بينما كانت فرص التعبير في حال أفضل في مصر ، وهذا ما نلمسه من خلال الكم المعلوماتي الذي توافر لدى المواطن من قبل الإعلام ، أما في ليبيا فقد كان النظام يطبق قبضته الحديدية على جميع وسائل الإعلام ، ولم يسمح إلا للإعلام الرسمي ، الذي كان ينطق باسم القائد وأتباعه.
وهنا لعب الإعلام دورا رئيسيا ، وأسهم في توفير المعلومات المتنوعة أمام المشاهدين ، مما جعلهم يتخذون الاحتياطات مما قد يحدث ، وهو ما حصل فعلا في تونس ، عندما حاول النظام اعتماد مبدأ التخويف وإشاعة الفوضى بين جميع المواطنين من خلال تخريب وحرق المصالح العامة ومداهمة الأحياء والبيوت وغيرها ، إذ سرعان ما تم تشكيل ما سمي باللجان الشعبية للدفاع والحماية من قبل أهالي الحي، وهذا الإجراء زاد من حدة التلاحم بين صفوف الشعب عامة عندما شعروا بأنهم جميعا أمام خطر واحد ، وقد أعاد الثوار في مصر هذه التجربة ، وكذلك انسحب الحال على الثورتين اليمنية والليبية وغيرهما .
وفي هذه المرحلة استطاع الخطاب المرئي من تأجيج مشاعر المشاهدين ، وذلك من خلال المشاهد المؤثرة التي تتوافر على قدر كبير من دراما الإنسانية ، إذ كانت العدسات بالمرصاد لتسجيل أعمال العنف والضرب والانتقام ، حيث مشاهد الدم والقتل والدهس ، أو عبر مشاهد استعراض الحشود المليونية الغاضبة .
إن حجم الإشكاليات التي يعانيها الإعلام العربي يستدعي منا وقفة موضوعية وفهما عميقا لواقعنا من الداخل ، وإعادة نظر بمجمل القراءات السياسية لخطابنا الإعلامي ، لتأشير مواضع الخلل ودراسة الظاهرة وتحديد أسباب تعثرها والعمل على وضع الشروط الكفيلة بإعادة ربط هذا الخطاب بالمجتمع ، وتنظيم علاقاته مع النظام السياسي الجديد ، إضافة إلى إيجاد سبل النهوض الحقيقية له وإعادة الثقة بينه وبين متلقيه من خلال اعتماد البرامج المختلفة والأفكار الجديدة ، والحرص على تحلي الخطاب الجديد بالتعبير عن حاجات الجمهور كونه الفاعل الحقيقي في صنع أحداث الثورات التي حدثت ، ولذلك على الإعلام إيصال المعلومة الحقيقية والصادقة الملتزمة بقضايا هذا الجمهور وهمومه وآماله ، بعيدا عن الصيغ التقليدية والانحيازية في توجيه الخطاب ، بمستوى من المهنية العالية للعمل الإعلامي والرأي الحر .
إن الأزمات التي تحدث هي أشبه باختبارات لتقييم أداء الإعلام ووضعه أمام تحديات مستمرة لإعادة الثقة مع المتلقي من خلال الممارسة الإعلامية لتقديم رسالة تتسم بالمصداقية والحيادية والمهنية ، فلا سبيل للإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي بعد الثورة دون إصلاح للإعلام وتغيير منهجيته وأساليبه وأهدافه بما يحقق خطابا جادا وصادقا يسعى لتحقيق التوازن المطلوب ، ويكون مؤهلا لإقامة حوار متكافئ ومنسجم مع الواقع الجديد .

















 عبد المجيد حسن شياع   
مع مجريات الأزمات والأحداث التي تعصف بالشارع العربي هذه الأيام ، كان الإعلام عبر وسائله المختلفة، المسموعة منها والمرئية ، وكذلك المكتوبة ، يتصدى لتطورات هذه الأزمات ، يعاين الأحداث ويحلل المشاهد المختلفة على الساحة ويتابع التفاصيل ، وكل ذلك من أجل أن يقدم مادة تتسم بالشمولية واقتناص المعلومة ذات الأهمية ، لمواكبة الأحداث وتطوراتها على الساحة وجهاً لوجه .

لقد حصلت في الثورات العربية متابعة إعلامية وأساليب تغطية مباشرة لأبرز المواقف التي صنعتها إرادة المواطن العربي ، كما جرى في تونس وليبيا ومصر ، وكذلك في سوريا ، وغيرهما ، وقد مُنح الإعلامُ قدرا كبيرا جدا لتحمل مسؤولياته ومساهمته الفاعلة في تأثيره على الرأي العام ، لا سيما أن المشهد الإعلامي يشهد تطورا متواصلا إثر معطيات ما جاءت به الثورة المعلوماتية الهائلة وتقنيات الاتصال ، وما نجم عنهما من آثار انعكست بشكل مباشر على المشهد التكنولوجي  بمجالاته كافة، وهذا ما نراه عبر التدفق المرئي على شاشات التلفزيون وانتشار الأقمار الفضائية ، التي اتسعت لها الفضاءات المفتوحة ، والاستخدام الواسع لشبكة الإنترنيت ، حيث أصبح بإمكان أي شخص في العالم أن يكون قريبا جدا من أي معلومة يريدها وفي أي وقت يشاء وعبر أسهل الطرق، وهذا ما أتاحه مجتمع المعلوماتية من انتشار وشيوع الثقافة الرقمية ، التي انعكست نتائجها على وسائل الاتصال الحديثة التي ألغت حدود المكان والزمان ، وجعلت الكون مدارا واسعا يستجيب لهذه التحولات الهائلة ، التي تركت بصماتها واضحة في جميع أرجاء المعمورة جراء الطفرة التكنولوجية المذهلة وما رافقتها من تغيير في الاستراتيجيات والمفاهيم في الحقول السياسية والإعلامية والاجتماعية والاقتصادية ، التي من شأنها أن تعيد بناء وترتيب عناصر مكوناتها وإعادة صياغة العقول بعد خلخلة المنظومة المعرفية للمجتمعات التي تلقت صدمة العولمة وما لحق بها من تبدلات كبيرة وهائلة في جميع المجالات تحت ظل النظام العالمي الجديد .
وقد كان نصيب الإعلام والاتصال في هذا التأثير من التحولات التكنولوجية المذهلة التي ميزت العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي واضحا ومباشرا، حيث أنه مهد الطريق لبروز ظاهرة العولمة عبر معطيات التراسل الكبير والهائل ، وانتشار أقمار الاتصالات وثورة الهاتف المحمول وتعميم المعلوماتية في قطاعات إنتاج السلع المختلفة وتصغير الحواسيب وربطها داخل شبكة كوكبية ، التي مكنت من انقلاب ضخم وهائل وشامل في نظام العالم .
ونظراً للدور الذي يلعبه الإعلام في تحقيق هذا التحول والانقلاب الكبير والتحول العالمي ، فقد أصبح الاهتمام به من الأولويات والأسس التي تستند إليها كل الخطط والبرامج الهادفة نحو هذا التوجه بما يحقق التأثير في الرأي العام وتشكيل اتجاهاته كافة.
إن حدوث الأزمات يأتي نتيجة محاولات كثيرة وعسيرة ومعاناة طويلة جدا تقود إلى تصاعد حالات الصراع إلى أقصى مداها ، مما يولد حالة من التناقض بين الواقع وبين ما ينبغي أن يكون ، وتختلف الأزمات تبعا لنوع الصراع واختلاف الآراء بين طرفين ، واختلاف المصالح وتنوع الشعوب والسياسات والثقافات المختلفة ، وإن هذه الأزمات هي سمة الحياة ولا بد من حدوثها ، لأن الفعل الإنساني يسعى دائما إلى التغيير نحو حياة أفضل ، وهذا ما تتسم به المجتمعات المتقدمة، التي تسعى دائما لفرض إرادة التجديد والتغيير ، ومواكبة منطق العصر .
وحالما تبدأ الأزمة بالتنامي ، لا بد  من أن ترافقها مواكبة إعلامية تتناسب وحجم هذه الظاهرة وقوة تأثيرها وكيفية مواجهتها والتفاعل معها ، مما يجعل المتلقي في حالة تواصل دائمة وإحاطة لما يدور من حوله ، لأن امتلاك المعلومة يشكل جزءا كبيرا جدا من امتلاك القوة والسيطرة على مجريات الأزمة بحجة التعامل معها ،وفق أفضل السبل وإيجاد الحلول الناجحة لها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار عاملي الزمان والمكان .
وقد ظلت الشركات الإعلامية الغربية الكبرى تفرض هيمنتها في مجال التغطية الإعلامية للأزمات ، بل لجميع الأحداث العالمية المهمة ، وتقوم بصناعة خطابها وفقا لمصالحها وأهدافها ، مما جعل المواطن العربي أسير كل هذه الحملات ومتأثرا بها .
ولعل أزمة الخليج ، واحتلال العراق للكويت ، ثم احتلال العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها ،  الذي رافقته تغطية إعلامية غير مسبوقة من قبل ، توافقت مع أهدافها ومخططاتها في المنطقة، ولذلك فقد كان الخطاب الإعلامي صادرا من مصدر واحد ، وكانت جميع قنواتنا الإعلامية العربية هي مجرد تابعة للآلة الإعلامية الغربية.
وفي هذا المجال تكون تجربة الإعلام العربي حديثة العهد ، مقارنة مع الإعلام الغربي في تعاملها مع الأزمات والثورات الجديدة ، التي تبدو أنها تجارب سوف تستمر بفعل استمرار الأزمات القائمة على مختلف المجالات ، التي تتصدرها اليوم الثورات العربية الجديدة ، التي أطاحت بعدد غير قليل من الأنظمة الحاكمة في منطقتنا العربية وغيرت مسار تاريخها للأفضل ، وكل ذلك لتعيد رسم خارطة جديدة لسياساتها ومستقبل أجيالها ، ولكن حدوث كل هذه الثورات العربية جاء مختلفا هذه المرة بمستوى شموليته وعمق تأثيره ونتائجه ، وقد كانت مساهمة الإعلام العربي ، ولا سيما القنوات التلفزيونية ، إلى جانب الوسائل الإلكترونية ، المتمثلة بمواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الإنترنيت ، وكذلك المدونات لها دور كبير ومهم في التغطية الإعلامية لهذه الثورات وسرعة تفاعلها مع نبض الشارع وردود فعل الجمهور لها .
لقد مارس الإعلام المرئي قبل اندلاع هذه الأزمات والثورات دورا اعتياديا ، فقد كان يقترب من النقل الإخباري والمتابعات لما كانت تقوم به الحركات الثورية من اعتصامات وتحضيرات ومسيرات وإطلاق نداءات ومطالبات من الدولة بالعمل على تلبية جميع مطالبها، وقد كانت تصريحات التنظيمات المعارضة الموجودة بالخارج هي السائدة والجريئة ، كونها تتمتع بقدر كبير من حرية التعبير والرأي في البلدان التي توجد فوق أراضيها ، ولا سيما العواصم والدول الغربية ، كما أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان هي الأخرى ساهمت بنوع من المطالبات بضرورة الحرص على احترام حقوق الإنسان .
إن هذه التسريبات الإعلامية لم تكن تصدر من الإعلام الرسمي ، بل من القنوات غير الرسمية المستقلة منها والخاصة ، أو من بعض القنوات العالمية ، التي توجد لها مقرات ومراسلون في عواصم الثورات   .
وكان الاعتماد أيضا على الخطاب الإلكتروني وما تنشر فيه من مشاهد مرئية عما يحصل من تجاوزات ومواقف أو تصوير لحالات المواجهة بين رجال الأمن والمتظاهرين وغيرها ، وقد كان الاعتماد على المواقع الاتصالية لأن رقابة الحكومة كانت تمنع القيام بتصوير أو نشر أي حالة أو أي موقف يتعرض إلى سياسة النظام أو انتقاده ، لذلك كانت عملية تكميم الأفواه وخنق الحريات هي أحد الأسباب الرئيسية للاحتقان ، ولا سيما في ليبيا وتونس ، بينما كانت فرص التعبير في حال أفضل في مصر ، وهذا ما نلمسه من خلال الكم المعلوماتي الذي توافر لدى المواطن من قبل الإعلام ، أما في ليبيا فقد كان النظام يطبق قبضته الحديدية على جميع وسائل الإعلام ، ولم يسمح إلا للإعلام الرسمي ، الذي كان ينطق باسم القائد وأتباعه.
وهنا لعب الإعلام دورا رئيسيا ، وأسهم في توفير المعلومات المتنوعة أمام المشاهدين ، مما جعلهم يتخذون الاحتياطات مما قد يحدث ، وهو ما حصل فعلا في تونس ، عندما حاول النظام اعتماد مبدأ التخويف وإشاعة الفوضى بين جميع المواطنين من خلال تخريب وحرق المصالح العامة ومداهمة الأحياء والبيوت وغيرها ، إذ سرعان ما تم تشكيل ما سمي باللجان الشعبية للدفاع والحماية من قبل أهالي الحي، وهذا الإجراء زاد من حدة التلاحم بين صفوف الشعب عامة عندما شعروا بأنهم جميعا أمام خطر واحد ، وقد أعاد الثوار في مصر هذه التجربة ، وكذلك انسحب الحال على الثورتين اليمنية والليبية وغيرهما .
وفي هذه المرحلة استطاع الخطاب المرئي من تأجيج مشاعر المشاهدين ، وذلك من خلال المشاهد المؤثرة التي تتوافر على قدر كبير من دراما الإنسانية ، إذ كانت العدسات بالمرصاد لتسجيل أعمال العنف والضرب والانتقام ، حيث مشاهد الدم والقتل والدهس ، أو عبر مشاهد استعراض الحشود المليونية الغاضبة .
إن حجم الإشكاليات التي يعانيها الإعلام العربي يستدعي منا وقفة موضوعية وفهما عميقا لواقعنا من الداخل ، وإعادة نظر بمجمل القراءات السياسية لخطابنا الإعلامي ، لتأشير مواضع الخلل ودراسة الظاهرة وتحديد أسباب تعثرها والعمل على وضع الشروط الكفيلة بإعادة ربط هذا الخطاب بالمجتمع ، وتنظيم علاقاته مع النظام السياسي الجديد ، إضافة إلى إيجاد سبل النهوض الحقيقية له وإعادة الثقة بينه وبين متلقيه من خلال اعتماد البرامج المختلفة والأفكار الجديدة ، والحرص على تحلي الخطاب الجديد بالتعبير عن حاجات الجمهور كونه الفاعل الحقيقي في صنع أحداث الثورات التي حدثت ، ولذلك على الإعلام إيصال المعلومة الحقيقية والصادقة الملتزمة بقضايا هذا الجمهور وهمومه وآماله ، بعيدا عن الصيغ التقليدية والانحيازية في توجيه الخطاب ، بمستوى من المهنية العالية للعمل الإعلامي والرأي الحر .
إن الأزمات التي تحدث هي أشبه باختبارات لتقييم أداء الإعلام ووضعه أمام تحديات مستمرة لإعادة الثقة مع المتلقي من خلال الممارسة الإعلامية لتقديم رسالة تتسم بالمصداقية والحيادية والمهنية ، فلا سبيل للإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي بعد الثورة دون إصلاح للإعلام وتغيير منهجيته وأساليبه وأهدافه بما يحقق خطابا جادا وصادقا يسعى لتحقيق التوازن المطلوب ، ويكون مؤهلا لإقامة حوار متكافئ ومنسجم مع الواقع الجديد .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون