آراء وافكار
2012/10/31 (23:00 مساء)   -   عدد القراءات: 1655   -   العدد(2635)
الربيع السلفي.. والخريف العروبي !




فائز شمران الياسري


وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها في تشرين الثاني 1918، مستندة إلى النقاط الأربعة عشر التي أعلنها الرئيس الأمريكي (وودرو ويلسن) في نيسان 1917. وقد أكدت تلك النقاط في أغلبها على إعادة تشكيل الدول التي كانت ضمن الإمبراطوريات الخاسرة (العثمانية، النمساوية - المجرية والروسية). وكان البند العاشر من هذا الميثاق ينص على "حق شعوب الإمبراطورية العثمانية في تقرير مصيرها".
ومن هنا بدأت فكرة إنشاء الدولة العربية، وانطلقت الثورة العربية الكبرى بدعم بريطاني. ولم يتشكل إسلام سياسي، باستثناء بعض محاولات المجددين أمثال الكواكبي وعبده والأفغاني وقاسم أمين ورفاعة الطهطاوي، وهي محاولات كانت رومانسية أكثر منها سياسية جادة.
وفي زحمة تنامي المد القومي العاطفي الذي لم يؤطر آيدولوجياً، ونشوء عالم جديد بعد نجاح الثورة البلشفية في روسيا، وظهور الأيديولوجيات القومية الأوروبية (الفاشية - النازية)، وكذلك بروز أمريكا كقوة عظمى اقتصاديا وسياسيا ثم عسكريا بعد الحرب العالمية الثانية، بدأ الفكر الإسلامي يأخذ بعدا سياسيا محددا كان رائدة محمد حسن البنا، ثم السيد قطب الذي أكمل دراسته العليا في أمريكا وعاد إلى مصر برؤية إسلامية مؤدلجة.
وما أن أتيحت الفرصة لدعاة الوحدة والعروبة لتسلم مقاليد الحكم في مصر، حتى تناطحت العروبة باعتبارها رحم ووعاء الإسلام مع الفكر الإسلامي، من خلال الصدام الدموي بين عبد الناصر والإخوان المسلمين، والتي انتهت بتنفيذ حكم الإعدام بسيد قطب نهاية العام 1966.. ومن هنا افترق الطرفان بقطيعة غير مسبوقة أدت بالإسلاميين إلى ابتكار طرق (جهادية.. سلفية!!) قادت إلى التكفير والإلغاء.
وتأسست تيارات غريبة كان أهمها (حركة التكفير والهجرة) التي أعلنت أن "الحاكم كافر.. لأنه لا يحكم بشرع الله.. وإن المحكوم (الشعب) كافر لأنه رضي بالحاكم الكافر "، وتبنت (الهجرة) وهي اعتزال المجتمع الكافر والابتعاد عنه والذهاب إلى الكهوف والصحارى. وعملت تلك الجماعات بنشاط ومارست أعمالا دموية في مصر، حتى كان اغتيال وزير الأوقاف المصري على يدها، وتنفيذ حكم الإعدام بمجموعة من قادة (التكفير والهجرة) بضمنهم إمامهم وقائدهم علي شكري ربيع 1978..
وفي الجزائر استمدت الحرب السلفية أفكارها من الخوارج، ودعت إلى تكفير الحكام وقتلهم، كما هو شأن الحركة في مصر، ومارست أعمال قتل دامية وشنيعة كانت تباد خلالها قرى كاملة عن طريق الذبح بالسكاكين في أرياف الجزائر.
ومع احتلال السوفييت لأفغانستان، تم تدريب وتأهيل التيار السلفي الجهادي وإرساله لقتال "أعداء الدين" بمساعدة أمريكية. وكانت مفردة مجاهد Mujahid متداولة في القاموس السياسي الأمريكي كما وضعها بريجنسكي مستشار الأمن القومي.
بعد نجاح الثورة الإسلامية في إيران العام 1979، واشتعال الحرب بين العراق وإيران والتي امتدت لثماني سنوات، وجد دعاة العروبة ودعاة الفكر الإسلامي أنفسهم في حيرة، ففي حين كان صدام حسين يعتبر نفسه حامي حمى الأمة العربية والمدافع عن بوابتها الشرقية ضد "المد الفارسي"، كان يجد الدعم من المحافظين والإسلاميين في الأمة العربية (السعودية، مصر، الأردن، الكويت، الخليج)، في حين كانت إيران التي ترفع شعار "تصدير الثورة" والحرب المقدسة ضد "الكفر الصدامي" تتلقى الدعم من دعاة العروبة والوحدة (سوريا، ليبيا والجزائر). ومرة أخرى يتصادم الإسلاميون والعروبيون في قضية أراد كل منهم أن يجد لنظريته موطئ قدم على أرض الواقع..
ومع احتلال الكويت في العام 1990 ودخول الولايات المتحدة بقواتها الكبيرة إلى المنطقة، ثم انسحاب الاتحاد السوفيتي من أفغانستان وأخيرا تفككه، عادت طوابير المقاتلين من أعالي آسيا بعد أن اكتسبت خبرة طويلة في حرب العصابات، فمارست أعمالها وتجاربها في البلقان بداية التسعينات (البوسنة) والشيشان ودول آسيا الوسطى التابعة للاتحاد السوفيتي السابق.
وظلت المنطقة العربية شبه بعيدة عن العنف السلفي، باستثناء الجزائر التي كانت تتصدر مجازرها واجهة الاحداث. وبين ليلة وضحاها وفي صيف 1996 ودون سابق إنذار اجتاحت عناصر (طالبان) معظم الأراضي الأفغانية بمشاركة من المقاتلين العرب، وطبقت نظريتها على الأراضي والشعب الأفغاني من خلال كل الممارسات المعروفة والموثقة..
وحتى أحداث أيلول 2001 لم تحاول الولايات المتحدة أن تكبح جماح تلك الممارسات باستثناء ضربات وقائية صاروخية ضد بعض المواقع في الجبال الأفغانية وفي السودان. وما أن قامت الولايات المتحدة باجتياح أفغانستان والقضاء على حركة طالبان هناك حتى عاد مقاتلوها إلى بلدانهم وهم مدججون بخبرة حرب العصابات والمدن مع تدريب عال تلقوه من عدو اليوم حليف الأمس (أمريكا). ومع تلك العودة التهبت المنطقة بحريق من الأعمال الإرهابية الدامية سرعان ما امتدت إلى أوروبا وإفريقيا.
وحسب نظرية (الضربة الاستباقية)، قامت الولايات المتحدة بإسقاط النظام في العراق واحتلاله، ما أوجد مناخا مناسبا لتدفق آلاف المقاتلين ذوي الخبرة والكفاءة ليجدوا أنفسهم أمام تطبيق نظريتهم، فقاتلوا المحفل الكافر وأباحوا دماء الشعب الراضي بالمحتل. وجرت بحور الدماء في العراق مع صمت مريع من العروبيين والإسلاميين على حد سواء، فدعاة الوحدة وجدوا فيهم إبطالا يقاتلون "الامبريالية" كما فعلت سوريا وليبيا وفلسطين واليمن، أما دعاة الإسلام فقد وجدوهم مجاهدين يقاتلون عدو الله، ولكن الحقيقة كانت أن انشغال هؤلاء القتلة في العراق سوف يلهيهم عن أية أعمال مستقبلية ،كما كان يحدث في السعودية واليمن.
وما أن انطلق (الربيع السلفي!) حتى كانت جيوشه جاهزة للقتال في أي ارض يجدون لهم فيها حاجة، وكانت تجربتهم الحقيقية مع أول نظام عروبي وحدوي وهو ليبيا، حيث دارت معارك طاحنة هناك بدعم دولي إلى أن تم إسقاط النظام هناك، ثم في اليمن، والآن في سوريا آخر معقل وحدوي وآخر مُنظّري العروبة.
وفي مصر استولى الإخوان المسلمون على ثورة الشعب المصري الذي لا ندري أية ثمار قطفها منها. وتعاني الآن كل دول المنطقة من عواقب النشوة منقطعة النظير للتيارات السلفية التي بدأت تجسد أفكارها ونظرياتها التي ظلت في بطون الكتب لعقود، على ارض الواقع كما يحدث في تونس ومصر، وعادت (طالبان) من جديد لتسيطر على جزء كبير من الأراضي الأفغانية مع إعلان دول التحالف الدولي عن مواعيد مبكرة لانسحابها من هناك..
وبالسياسة المُحيّرة غير الواضحة للرئيس الأميركي باراك أوباما سوف تجد السلفية الجهادية عصرها الذهبي، وستتسع الهوة بين العروبة ومُنظريها ودعاة الوحدة التي أفل نجمها باعتبارها مهد الإسلام، وبين الإسلام الجهادي السلفي الذي أصبح حاكما مطلقاً عاقا لـ(أمه العربية).
وبين ربيع سلفي وخريف عروبيسوف تلهب شمس الصيف وحرارته العراق الذي لا ينتمي لا إلى هذا الربيع ولا إلى ذاك الخريف.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون