المزيد...
آراء وافكار
2012/10/31 (23:00 مساء)   -   عدد القراءات: 1426   -   العدد(2635)
عندما يصرف الشعب على الحكومة !
عندما يصرف الشعب على الحكومة !


د. مهند البراك


و المقصود هنا بـ ـ( يصرف ) ، أن يعطي الشعب للحكومة مصروفاً . . بعد أن شاعت في الأوساط الشعبية جملة تساؤل " شايفين شعب يصرف على الحكومة ؟ ". و قد يبدو السؤال لأول وهلة ساذجاً
لأنه من الطبيعي أن يصرف الشعب على الحكومة و إلاّ من أين للحكومة أموال ؟! لتدافع بها عن البلاد و عن أمن و سلامة المواطن و خدمته، و لتصرف رواتب ملايين الموظفين
 و المستخدمين و العمال مدنيين و عسكريين، و عشرات آلاف لا يمكن تصنيفهم . . و مصروفات كثيرة غيرها !
 و من ذلك لابد من التذكير بأن الحكومة و منذ نشوء الدول، و بعيداً عن تفاصيل كيف وصلت إلى دست الحكم، و خاصة تلك التي جاءت عن طريق انتخابات عامة . . هي مؤسسة تعود للدولة وتقوم بإدارة شؤونها لمدة يحددها دستور البلاد، واجبها حماية سلامة الدولة و حقوق مواطنيها نساءً ورجالاً، و تسهر على خدمتهم و رعايتهم و على صحتهم و أمانهم و غيرها من الخدمات الواجب عليها القيام بها . .  و تستمد نفقاتها لذلك من موارد البلاد الطبيعية التي هي ملك الشعب، و من أنواع الضرائب المفروضة على كل المواطنين . . سواء على أملاكهم و أعمالهم و معاملاتهم و على رواتبهم الحكومية، أو مدخولات أعمالهم، و على السلع الغذائية و الاستهلاكية . . الخ
و في دول تأسست منذ عقود طويلة، يفترض أن تكون حكوماتها قد استقرت على آليات صارت شبه ثابتة على صعيد مواردها المالية و كيفية التصرّف المسؤول عنها ـ أو كيفية إصلاح النواقص والتعثّر و المعوقات في ذلك ـ و كيفية دواوينيته و أسلوبه الإداري على الأقل، كما في بلادنا العراق . . حيث يتساءل الكثيرون عما يُفعل بما يدفعونه شهرياً للحكومة، و ماهو مصير ما يدفعونه من ضرائب شهرية ، خاصة  أن ما تدفعه الفئات الواسعة من الموظفين و المستخدمين و العمال و غيرهم من ذوي الدخل المحدود، يشكّل مورداً كبيراً للحكومة ؟
و يتحدث الكثيرون بألم بسبب العَوز . . عن أسبابه، و عن أن ما يدفعونه شهرياً للحكومة صار يستنفد دخولهم . . فإضافة إلى الضرائب المستقطعة من قبل الحكومة من مرتباتهم الشهرية، فهم يدفعون نقداً لمن يقومون بحراسة البيوت من الحرامية و اللصوص، و نقداً لمن يقومون بأعمال النظافة الأساسية و رفع الأزبال اليومية، في ظروف ازدادت فيها الأنقاض المتروكة و الجديدة، وازدادت فيها عواصف الغبار حتى تسيّد الغبار فيها على الجو في غالبية أيام السنة، و صارت طبقات الأتربة تغطيّ ما يتراكم من النفايات . .
و إضافة إلى التكاليف العالية و المعاناة الحقيقية للحصول على فرص التطبيب الناجح و العلاج المناسب، بعد هروب النسبة الأكبر من الأطباء و الأخصائيين بسبب أعمال الاغتيالات و الإتاوات والفصل العشائري في حالة نقص العلاج . . التي طالت الكثير منهم، و امتلاء السوق بالأدوية المغشوشة رغم الإجراءات الحكومية لملاحقة ذلك . .      
تعاني أوسع الأوساط   مشاكل الكهرباء و تقطّع تياراته و ضرورات التحويل بين التيارات الكهربائية . . بين كهرباء المؤسسة " الوطنية " الحكومية، و كهرباء المحلّة و متعهديه الأهليين المدفوعي الثمن من أهالي المحلّة، إلى ماطورات توليد الكهرباء المنزلية التي تصمّ الآذان بضجيجها العالي، و ماسبب و يسبب حالات وفيات بسبب التيار الكهربائي لقلة و عدم معرفة كثيرين بشؤون التعامل مع الكهرباء، في ظروف تستوجب القيام بذلك و خاصة عند وجود أطفال أو كبار سن أو مرضى و مرضى راقدين، في صيف لاهب  . . . إن مأساة غياب الكهرباء أدت إلى تحوّل مفردات الكهرباء من " الأمبير" إلى " المحوّل" و "العاكس" إلى مفردات يتعامل بها الأميون، و يرددها حتى الأطفال في نقاشاتهم الطفولية البريئة و العقيمة التي لاتقدّم و لاتؤخر، و لكنها تهدد بأخطار قد تتسبب بكوارث للعوائل و خاصة الفقيرة الواسعة منها .
و بسبب حالات الكهرباء تلك يزداد تلف الأجهزة الكهربائية المنزلية المتنوعة، بسبب التتابع غير المتوازن للتيار الكهربائي المار بها للأسباب المذكورة، و يسبب تلف أجهزة أخرى بسبب تقطّع التيارات و مايستنزف ذلك من دخل المواطن، الدخل الذي مهما ازداد بسبب الإجراءات الحكومية الساعية لحل المشكلات بزيادة الدخل، فانه يواجه تزايد تكاليف توفير الكهرباء و الزيادة غير المقيّدة للقائمين على توفير كهرباء المحلات و على بيع أجهزة توليد و توفير الكهرباء . . في ظروف تزداد فيها حالات الوفيات المبكرة بسبب حرّ الصيف اللاهب و عواصفه الترابية المتزايدة بلا انقطاع . .
من جانب آخر تستنزف أعمال إصلاح الأبنية، و الممتلكات التالفة من قطع الأثاث الأساسية التي تتدمّر بسبب أعمال الإرهاب التي أخذت تتصاعد مؤخراً، لأسباب لايعرفها إلا متنفذو الكتل الحاكمة كما يتداول الناس . . تستنزف بشدة دخول المواطنين، رغم الإعلان عن دفع الحكومة تعويضات لهم، ولكنهم لم و لا يقبضون منها شيئاً، رغم دفع عمولات و وساطات و غيرها من اجل ذلك، و لايعرف أين تحلّ تلك التعويضات و في جيب منْ، إن صُرفت فعلاً . .        
و من الطامات الكبرى لتزايد صرف قطاعات الشعب على المشاريع الحكومية الأصولية منذ تشكيل الدولة العراقية . . هو الصرف على المدارس و خاصة الابتدائية التي يفترض أن تهيئ الطفل ليقرأ و يكتب و يكتسب المعارف الأساسية التي تمكنه من التعامل مع العائلة و المجتمع، في أحسن التقديرات . . فبعد سنوات طويلة انهارت أبنية مدارس ابتدائية كثيرة جزئياً أو كلياً بسبب الحروب المجنونة و الحصار و الإرهاب إضافة إلى تقادم الأبنية تلك التي بقيت دون أعمال صيانة و التي ازداد استهلاك أبنيتها و مرافقها بدرجة اشدّ من الماضي بسبب زحام الصفوف الدراسية و دوام وجبات متعددة فيها في اليوم الواحد . . حتى صارت مهددة بالانهيار من جهة، و لقلة و انعدام الكادر التعليمي فيها للأسباب المذكورة و لأسباب أخرى يضيق بها المقال . . كما تتناقل الصحف العراقية و وسائل الإعلام الحكومية ذاتها.
فيتحدث أهالي مدينة الصدر ـ الثورة سابقاً ـ مثلاً، بألم عن إرهاق عوائلهم الساكنة فيها بسبب تكاليف المدارس الابتدائية الأهلية، التي صار متعهدون جاهليون ينشئونها . . بعد أن صارت الدراسة الابتدائية في مدينة الصدر التي تضم أكثر من ثلث نفوس مدينة بغداد العاصمة . . صارت دراسة مدفوعة الأجر من الأهالي، و ألاّ يُترك الأطفال في الشوارع فريسة سهلة لأنواع الحيتان الخطيرة ، من حيتان الجريمة المنظمة و السرقات، حيتان المخدرات . . إلى حيتان بيع الأعضاء البشرية و تجارة البشر . .
كل ذلك يجري . . في زمان يكشف فيه يومياً عن سرقات و نهب و رشاوى و فساد إداري واختلاسات بعشرات المليارات من الدولارات، و تحوم فيها الدلائل التي تتوفر و القرائن و الشكوك . . عن ضلوع موظفين حكوميين كبار فيها، و نفاذهم من التحقيق و من الإجراءات القانونية الطبيعية التي قد يعلن عنها . . و في وقت تنشغل فيه الكتل البرلمانية و الحكومية الكبيرة بنزاعاتها على الهيمنة وعلى كرسي الحكم الأوحد، و لو ديس على الدستور الذي أقرّته هي . . لأنه صار قديماً !



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون