عام
2012/11/03 (16:44 مساء)   -   عدد القراءات: 2060   -   العدد(2638)
لكي نفهم الشعر.. لكي نفهم الحياة
لكي نفهم الشعر.. لكي نفهم الحياة


ياسين طه حافظ

ليس ذلك هدفاً. هو أمنية. واحدة من الأمنيات القريبة من المستحيل. سر الحياة يبقى هناك ونبقى نريده، نحنّ إليه. لكنه يبقى البعيد القريب تحسُّ به أرواحنا وتتسمّع له آتياً من نداء مجهول.
لكننا لكي نلهو، لكي نجد لنا، او نوجد لنا ، في العالم الكبير املاً ، نشغل أنفسنا او نسترضي البعيد ليدنو او لنقول إننا في الطريق الى المعنى.

في كل حال نحن ندّعي، او نريد، فهم الحياة. فأنت مثلاً ترى اللوحة ، تتوقف امامها ، تتذكر الرسام، تستعرض شكله، ثقافته وانت امام اللوحة تتهيأ  لعالمها ، عالمها يستدرجك ويضيعك فيه. تصحو . وتقول : فهمتها. لكنك تفهمها في المرة الثانية اكثر. وفي المرة الثالثة تقول الآن فهمتها . وبعد ان تقرأ ، او تسمع ، رأي ناقد فني معنيّ، تحس بأنك الآن اقتربت فعلاً منها.
الامر نفسه مع الموسيقى، مع اي سوناتة مثلاً. والأمر نفسه، بل هو اكثر أسراراً، ابعد طريقا، مع الوجه الذي يأسرك. لن تنفعك الكلمات، لن تنفعك اللهفة ولن ينفعك الشعور بالخسارة قبل رؤيته. فهل ينفعك ان تعيد النظر لتنال بعض ما استهواك فيه؟
ما أن تجالسه، حتى ترى الأكثر، الاخفى والأبعد منالاً. وما أن تطيل المجالسة حتى يغيّبك سحره فلا ترى! ثم ترجع إلى بيتك وقد خلّفت وراءك سحراً في مكان. وليس في رأسك إلا اضاءات، كما يعلق في السعفات بعضٌ شاحب من ذهب الشمس.
وحين تلتقي به في يوم آخر، فكأنك تراه للمرة الأولى وتعاودك كما في البداية الأسفار. وربما، أقول ربما، من هنا تنجم الكآبة بعد كل جمال تراه وكل جمال نتذكره.
في كل حال، مما  يغيب يبقى ملْمَحٌ، يبقى لمْع ، تبقى جملةٌ من شعر او جملةُ موسيقى او بُقيا حديث كان. ذلك ما يذكّرنُا بما غادَرَنا نبيلاً وابقى لأرواحنا ظلاً ناعماً ولمسةَ رضا. نحن إذن من ذلك الجمال لم نخسر كل شيء.
يوم كتبت قصيدتي " سحابة الحضر" لم أكن أفكر او أتقصّد كتابةَ قصيدة . ولا ظننتني سأتوقف كثيراً بين الجدران القديمة والحجار الراقدة بيضاً شُهْباً. لكنها هي تلك الأضواء الغريبة انسابت على هذا الجدار الحجري، على تلك الجدُر الرخامية مثلّمة الأعالي وتلك السماء التي اشتعلت بأضواء تشبه الحرائق..، والسحابة الوحيدة بينها تطفو.
"سحابة الحضر" تلك صارت عنوان قصيدتي وهي التي أهالت عليّ المعاني وقد شملتني هناك بعضٌ من تلك الأضواء القديمة التي رأت التاريخ كلَّه وجاءت لتنسدل على وجهي وثيابي وتستوقفني لأرى كيف يستوعب المتاهُ رسالتها الأبدية ولأكتب قصيدتي!
في مراحل شتى من حياتي كانت لي تفاسير شتى . مرّةً، وأنا أمر بالمرقد الحنفي ، تطلعّتْ لذلك الصرح متأملاً مسيرة الزهد القديم والتعبّد ...، حتى هذه المنارة الاسطوانية الصاعدة الى السماء. ثم اتجهت للحضرة الكاظمية ، للقباب الذهبية التي تسطع في الشمس وتتلامع فرِحةً بالمطر.
وفي الحالين أخذت وجهي سياحةٌ شاسعة بين كشْفٍ وغموض ، بين أرى ولا أرى، حتى ترّيثتُ أسأل الكون حولي : أي سرّ يبهج، يجتذب الناسَ في تطلعهم للقباب؟ ولماذا الصمت ولماذا السكون الداخلي العميق؟ هل لأن في المزارات سراً يقرّبهم من المعنى الغائب؟ أم شيءٌ ما يصِلُهم بالعالم الثاني، عالم ما بعد الموت، الذي لا يعرفون عنه شيئاً إلا روايات، فهم هنا يقتربون من ناس في ذلك العالم البعيد، ليعرفوا، ليطمئنوا، لكي لا تظل المسافة بينهم وذلك العالم غامضةً موحشة؟
يوماً، سجل احد الكتّاب ما كان يأمل. كان أملهُ رؤيةَ سيدةٍ تُشَدّ لرؤيتها الرحال.ظل، لذلك زمناً يسعى وظن انه لن يبلغها يوماً . لكنه بين حين وحين كان امله يزداد بالحياة وتزداد بهجته الغائبة بمدلولها وهو يرسم آمالاً بين ذاكرته وما يجيء به فرح المخُيّلة. في الطريق الى المُشْتهَى ، الى الاجمل، هي لا تكفّ تُطِلعُ في اليباسات ورداً. وحين وصل العاشق يوماً وجلس قبالة الجمال الذي كان نائياً، صار الزمن، الذي كان فيه بعيداً ، صار هو الخياليَّ المُبْهَم. الواقع البهيجُ أقصاه واحتل مكانه . الرؤية الجديدة أعادت توزيع الازمنة وامكنتها ، حتى غدت الانتظارات سلّماً لخطاه. كم يغيّرُ الحضورُ الجميلُ المعاني!
الأزمنة بافهاماتها المتتالية، تحيط بالعمل الباهر ، بالانجاز مثير العجب، فتستكمل معانيه وتوحده بعالمٍ واحد مع المنجزات العظيمة الاخرى . فيلتقي مع غيره في رحابة الاحترام الوسيع ويكتمل بينها الانسجام. نجد في ذلك العالم امرءَ القيس وهوميروس وبتهوفن وبيكاسو وسافو و يوربيدس وابن عربي وابا العلاء ورامبراندت والمجنون قيس وتلك الجميلة التي عبرت لا يعرفها احد .. لكن في النظر الى اي مكمن للجمال ، الى اي مُغْلَق يلوّح بالمعنى ، مثلما لأي صرح اثري ، لا تدع لك المسافة ، او الضباب ، زمناً صافياً تتبيَّنُ فيه من المجد غير فِلَقٍ طفيفة منه وتُخفي عنك الكثير حتى لتفقده كله بعد نأيكَ بقليل عنه.  هكذا نحن نرى الفن ، هكذا ترى العجب الكامن او المعجزة حين تمرّ ببصرك على مكامن الجمال في تحفة او اثر.
تحسّ أمامه أن مرَّ على روحك يوماً ظل ناعم، حميم، لذيذ، شبيه بهذا الذي يمرّ الان، شبيه لذاك الذي يمرّ على كل الاعمال التي تحققت في الزمان ويمنحها و يمنحك سلاماً و ابتسامَ رضا.
ليس غير دقائق مجيدة و يتكشف لروحك، لأبعد مشاعرك، ما خفي في ذلك العمل من جمال حتى تمسَّك لحظة تنتبه لغيابه عنك و انك بقيتَ وحدك في فراغ عليه بقيةٌ من سحر.
ما الذي يُغيّبُ النادرَ عنا؟ كيف ينسلّ، يهرب، ما سبق أن بيّناه؟ هل جرفَتْه العادةُ، الألفةُ، التوقف عن السفر في مجاهيله او أعاجيبه؟ أم هو ضَعفُ بصيرتنا التي لا تستطيع بعد استيعاب ما يتكشّف فيجد الباهرُ فرصتَهُ ليغيب؟ نحن في كل حال لا نستطيع أن نحمل كل ذلك السحر، كل الكشف، إلا في مرات متعاقبة . فنحن نضيع كل مرة ما امتلكناه من قبل. هكذا تظل اللهفة ، يظل الحبُّ، تظل الرغبة في الفهم او في الوصول. فجأة يغيب الجمال، يغيب كله مرة واحدة! فليبدأ المغني الغناء وليبدأ الشاعر القصيد ...
الاجيال المتعاقبة من الحكماء ، من الفنانين، من الشعراء واصحاب الافكار  ...، اولاء هم أجيال الفهم هم ارواحُ مراحلِ الكشف وهي، أزمنة المحاولة أو القرُبى ...، جمال الاثر يشع عبرها، يزداد عجباً وهو بعيد.
لذلك، من اراد لعمله البقاء ، عليه ان يقذفه بعيداً في اعماق المستقبل. لا ان ينظر حواليه وينشغل بما يفنى : هذا كتب وهذا لم يكتب، هذا قال وذلك امتدح وهذا اقل من اسمه وذاك اشترى وباع ... هذه اهتمامات صغيرة بامور صغيرة واعمال اصغر .
الأرواح الكبيرة تتسامى، تنجز بصمت وتترك للعاطلين الهذر. هي تصمت بخشوع وتفكر بما هو اجمل ، بما هو أبقى.
في الفن، هكذا تتمايز الأرواح. نحن في الانغمار العظيم والعميق بما يبهج: تمثالاً ، موسيقى، وجهاً، قصيدة، غناء اوبرالياً، رقصة او طبيعة ...، في كل هذه نتنأى عن قمامات الارض وعن اللغو والغش والجعجعات، لننتمي لما يُعجِبُ، لما نُحِبُّ ولما يضيء من بعيد ..
أمام الإبداع او أمام الرؤيا، نُلِمُّ ببعض من تلكم المعاني ونرى بعضاً من ذلك الجمال، ويُلامسنا بعض من تلك القناعات الناعمة والايمانات التي تمسُّ الروحَ بلطف كما العافية ..
فرصتنا في الحياة هي لحظات الجمال النادر فيها.
هكذا نحن ساعة الشعر الأصفى، ساعة السكون الروحاني في كل الأشياء حواليك ، وساعة تصغي للموسيقى او للكلام الحنون خَجِلاً وبلهفةٍ يتسلل من الفاتنة جوارك ..، في كل ذلك سحر هو عين السحر في رشقات الكمان تأتي مع نسمات الليل الباردة. في ساعة مثل تلك ترى وجه حبيبتك باهراً وقد اكتمل.
تشبّث بتلك اللحظات بكل خلاياك ورهافتك قبل ان تصطدم به نبرةً نشاز فتغيّب عنك كل شي..
هذا الدرس يا سادتي
علمتنيهِ الموسيقى وحبيبتي!



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون