آراء وافكار
2012/11/11 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 5568   -   العدد(2646)
علي الوردي: ماذا يبقى منه؟
علي الوردي: ماذا يبقى منه؟


د. جليل العطية

يوم الخميس، الثالث عشر من تموز/ يوليو 1995م توفي في بغداد الدكتور علي الوردي عن عمر يناهز الثانية والثمانين عاماً، وبرحيله انطوت صفحة مشرقة من تاريخ العراق والوطن العربي في القرن العشرين، صفحة حفلت بالإبداع والعطاء والسجال، الوردي ظاهرة صحية يصعب تكرارها في المنظور القريب فيكفي أن نعرف أن ثلاثة عشر كتاباً صدرت في الخمسينات و الستينات لمناقشة آرائه وأفكاره، وتجاوز الاهتمام بأعماله المستشرقين إلى علماء الاجتماع، فترجمت إلى العديد من اللغات الغربية والشرقية، هذا مع انه منع من نشر مجموعة من أعماله التي أعلن عنها في حياته وبينها كتاب يتعلق بنشأة الطائفية في العراق، وبينها –وهو الأهم - الأجزاء المهمة من موسوعته (لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث) التي تؤرخ سنوات الغليان ما بين أواسط العشرينات وحتى 1980م موعد اندلاع الحرب العراقية-الإيرانية .ومنذ وفاته لم تنقطع الكتابة عنه، وصدر كتابان يحملان اسمه هما:

1. في الطبيعة البشرية -الأهلية للنشر – عمان-1996م.

2. من وحي الثمانين – بغداد – مطبعة القبس- 1996م.

ويتكون الكتابان من سلسلة حوارات أُجريت مع الوردي، وهي الطريقة التي سار عليها في العشرين سنة الأخيرة في حياته، بعد أن تعهد للحكومة العراقية بالامتناع عن نشر كتبه التي لم تكن تنسجم مع توجهاتها ،ثم صدرت طبعة ثانية من كتاب وحي الثمانين.

ولد (علي بن حسين بن محسن) في مدينة (الكاظمية) سنة 1913م في أسرة (أبي الورد) ،نسبة إلى تقطير ماء الورد،ودرس في مدارس مدينته، واقتضت الظروف الاقتصادية أن يترك مقعد الدراسة في الصبا خمس سنوات، ليعمل مساعداً لعطار، وكان مولعاً بقراءة الكتب، غير أن ربّ عمله منعه من القراءة، لأن الكتب في نظره تشغل الصبي عن العمل، "ولا تعطي خبزاً ولا تشبع جائعاً"، فكان ينتهز فرصة غياب –معلمه- عن الدكان لينهمك في المطالعة، وكانت العاقبة أن ضبط بـ(جرم المطالعة) فطرد من عمله ! ثم واصل دراسته فنال الثانوية بتفوق فأرسلته الحكومة العراقية على نفقتها إلى بيروت فتخرج في الجامعة الأميركية بدرجة شرف (1943) .وبعد أن مارس التدريس في ثانويات بغداد عدة سنين، أوفد إلى الولايات المتحدة حيث أتم دراسته في جامعة تكساس، فنال (الماجستير) (1948) وحصل على (الدكتوراه) في علم الاجتماع (1950) ،وكان موضوع دراسته (ابن خلدون)، وعندما عاد إلى وطنه عين مدرساً في كلية الآداب (أكتوبر/تشرين الأول  1950) فأستاذا مساعداً (1953) ثم رقي إلى مرتبة أستاذ (1962) وأحيل إلى التقاعد (المعاش) سنة 1970 على أمل الانصراف إلى التأليف والبحث.

مؤلفاته:

أما مؤلفاته المنشورة في حياته فهي:

1. شخصية الفرد العراقي (1951).

2. خوارق اللاشعور (1952).

3. الأدب الرفيع (1957).

4. الأحلام بين العلم والعقيدة (1959).

5. منطق ابن خلدون (1962).

6. طبيعة المجتمع العراقي (1965).

7. لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث (ثمانية أقسام صدرت ما بين 69-1978 ،وقد ترجمت طائفة من آثاره إلى الألمانية والإنجليزية والإسبانية والبولونية والفارسية وغيرها ودرّس بعضها في عدد من الجامعات (بينها جامعة المكسيك التي رأت تشابهاً بين المجتمعين العراقي والمكسيكي).

الفرضيات الثلاث:

كرس (الوردي) حياته من أجل تحليل المجتمع العراقي ودراسة تاريخ العراق وفقاً لمفاهيمه الاجتماعية. وحاول في السنوات الأخيرة دراسة المجتمعات العربية كلها- أو القسم الأكبر منها- فلم يوفق في ذلك واعترف بعجزه (نظراً لقلة المراجع والمصادر المتاحة له وللتعقيدات التي وضعتها الحكومة العراقية في وجوه المسافرين- إلى خارج العراق أثناء الحرب العراقية-الإيرانية)- كما أخبرني .

غير أنه يرى أن دراسته للمجتمع العراقي جعلته يتخذ فرضية يحسبها نافعة في دراسة الوطن العربي كله تتلخص بـ:

1. ازدواج الشخصية.

2. صراع البداوة والحضارة.

3. التناشز الاجتماعي.

فما مدلول هذه الفرضيات الثلاث

 

ازدواج الشخصية:

يرى الوردي أن ازدواج الشخصية كان ظاهراً في العهد العثماني، وهو حصيلة استفحال القيم البدوية في الناس من جهة وكثرة المواعظ الدينية التي كانت تلقى عليهم من جهة أخرى، ولما كانت التعاليم الدينية مناقضة لمعظم القيم البدوية ،كالعصبية القبلية والثأر والغزو وغسل العار والدخالة وما أشبه، فالناس ينشأون منذ الطفولة يلعبون في الأزقة على القيم المحلية ذات الجذور البدوية. فإذا كبروا وجدوا تلك القيم سائدة بين الناس يتشاتمون ويتفاخرون بها ولكنهم من جانب آخر يستمعون إلى المواعظ الدينية تلقى عليهم صباح مساء وهي تدعو الناس إلى قيم مناقضة للقيم البدوية، كقيم الحلم والمغفرة والتقوى والرحمة والإنسانية.

فيضطر الفرد منهم من جراء ذلك  إلى إن يكون ذا شخصيتين: إحداهما تجري وراء القيم البدوية والأخرى تتظاهر بالتقوى والخوف من الله، ترى الفرد منهم كثير البكاء والتذلل عند سماعه الموعظة، لكنه لا يكاد يخرج إلى الحياة العملية حتى ينسى المواعظ وخوف الله.

وعندما انتهت الدولة العثمانية وتأسست الدولة العراقية وبدأت الحضارة الحديثة تتغلغل تدريجياً في النفوس ضعف تأثير المواعظ الدينية وحلت محلها مواعظ من طراز آخر مستمدة من المبادئ الحديثة كالديمقراطية والعدالة والمساواة ،وصار الناس يدعون لها ولكنهم لم يتخلصوا من القيم البدوية الكامنة في أعماقهم فهم يدعون إلى المساواة والعدالة ،غير أنهم في حياتهم العملية يسيرون على الطريقة القديمة (النخوة والنجدة وتفضيل الأقارب والجيران والأصدقاء ،وهذا يظهر بوضوح في (الوساطة).

2- صراع البداوة والحضارة

يفخر (الوردي) بكونه أحد تلامذة (ابن خلدون) الذي كان أول من درس (البداوة والحضارة) والصراع بينهما، وهو يرى أن من الخطأ دراسة المجتمع العربي في ضوء النظرية الماركسية أو النظريات الغربية الأخرى ،ومما قاله:

يمكن القول إن محور الثقافة البدوية هو التغالب، بينما محور الثقافة الحضرية: الإنتاج ومركبات الثقافة البدوية تدور حول التغالب وهي:

1. العصبية القبلية

2. الغزو

3. التفضل

أما الثقافة الحضرية فلها ثلاثة مركبات مناقضة وهي:

1. الحكومة مقابل العصبية القبلية.

2. العمل والحرفة مقابل الغزو.

3. التوفير مقابل التفضل.

ويمكن اعتبار المجتمع العراقي في العهد العثماني نموذجاً للصراع بين البداوة والحضارة ،وقد مرت على المجتمع العراقي فترة طويلة من الانحطاط الحضاري استمرت نحو ستة قرون منذ سقوط بغداد على أيدي المغول (656هـ) حتى قيام الدولة العراقية (1921م) .ففي تلك الفترة كانت الحكومة لا يهمها سوى جباية الضرائب، واضطر الناس إلى العودة إلى العصبية القبلية والقيم البدوية من اجل المحافظة على أرواحهم، وصار الفرد يستنكف أن يشتكي إلى الحكومة من اعتداء وقع عليه .ونشأت في العراق اتحادات قبلية تتحكم في البلاد، وكان ذلك عاملاً إضافيا في استفحال القيم البدوية في العراق، ويتبين من إحصاء تقديري، أن أكثر من ثلث السكان حينذاك كانوا بدواً يتبعون في حياتهم القيم البدوية، أما أهل الريف- وهم يؤلفون 41 في المئة من السكان ،فعلى الرغم من احترافهم الزراعة ظلوا يحافظون على الكثير من القيم البدوية.

إن الحي في المدينة وهو الذي يسمى (المحلة) في العراق- يكاد يشبه القبلية البدوية، وكثيراً ما كانت تقع المعارك بين الأحياء في المدينة الواحدة ولكن هذا العداء بين الإحياء سرعان ما يختفي حين يهدد المدينة خطر من خارجها، كأن تغزوها إحدى القبائل المجاورة أو يقتل احد أبنائها على يد رجل من مدينة أخرى، وعند هذا يتحد جميع سكان المدينة ويتعاونون تجاه عدوهم المشترك، حسب المبدأ البدوي القائل (أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب)، كانت في العراق ظاهرة (الأشقياء) والشقي يشبه من بعض الوجوه رجل (الفتوة) في مصر و(القبضاي) في لبنان  فهو مجرم في نظر القانون ،ولكنه في نظر أهل حيه بطل مرموق، إنه يقطع الطرق ويسطو على البيوت ويفرض الإتاوة على الأغنياء، ولكنه في الوقت نفسه حامي الحمى في حيه!

3- التناشز الاجتماعي.

عندما يتحول الناس من مرحلة إلى أخرى في تغيرهم الاجتماعي يظلون محافظين على قيمهم القديمة فترة من الزمن، وهذه القيم لا تلائم الظروف التي حلت بهم في مرحلتهم الجديدة، وقد يقع الصراع بين القيم القديمة والظروف الجديدة، ويؤدي ذلك إلى بعض المشكلات والظواهر السلبية، وهذا هو ما نسميه (التناشز الاجتماعي).. وقد عانى العراق من هذه المشكلة، وفيما يلي نماذج منها:

1. عندما تتحول القبائل البدوية إلى الزراعة لا تزرع سوى الحبوب وهي تأنف من زراعة (الخضراوات).

2. يكثر غسل العار – أي قتل المرأة لسوء سلوكها- بين القبائل الريفية ذات الأصل البدوي، لكن البدو قلما يلجأون إليها في الصحراء، لأن ظروف المرأة هناك تساعدها على الحفاظ على سمعتها، أما في الريف فالظروف قد تغيرت ،بينما بقيت العادة على حالها.

3. عند انتقال الريفيين إلى المدن يحملون معهم عاداتهم الريفية التي لا تلائم المجتمع الحضري، فهم يسكون في أطراف المدن في أكواخ تشبه أكواخهم الريفية القديمة، وإذا جاءهم مجرم هارب من الدولة اعتبروه دخيلاً عليهم فيخفونه ويضللون الشرطة عنه.. الخ.

4. إن العوام في المدن أشدّ تمسكاً بالقيم البدوية من المتعلمين طبعاً، فالواحد منهم يكاد يشبه البدوي، من حيث تقديره للغلبة من جهة، وتقديره للتفضل من الجهة الأخرى، وهذا أمر نلاحظه عند الزحام في الدخول إلى مكان أو المرور في طريق، فأنت إذا زاحمت أحدهم وقف تجاهك بصلابة وربما أوقعك أرضاً وداس عليك أما إذا تواضعت له وقدمته على نفسك فسرعان ما تراه قد بدل موقفه منك وأصرّ  على أن تتقدم عليه.

معارك :

أثارت كتب (الوردي) ضجة كبرى في العراق منذ نشره (شخصية الفرد العراقي)، وتعرض إلى حملات شعواء  ساهم فيها عدد من رجال السياسة والدين واللغة والنحو. وشتمه عدد من رجال الدين من فوق المنابر، ونالت كتبه رواجاً لا مثيل له ،حيث كان يبيع عشرة آلاف نسخة، في حين كان معدل مبيع الكتاب الناجح في ذلك الوقت ثلاثة آلاف نسخة، ويعد كتاباه: وعاظ السلاطين وأسطورة الأدب الرفيع، الأكثر شعبية من بين كتبه، وحقق (لمحات اجتماعية) نجاحاً مذهلاً وتوقف سنة 1978 عن نشره، وخلال السنوات الأخيرة من حياته استأنف (الوردي) نشاطه المحدود من خلال المجالس الأدبية التي تضاعفت خلال السبعينات والثمانينات إثر منع السلطة سفر معظم رعاياها إلى الخارج، كان (الوردي) مستمعاً أكثر منه مشاركاً لخوفه من العيون المراقبة، التقيت (الوردي) فعلاً في عدد منها،أذكر منها مجالس السادة: مكي السيد جاسم، د.حسين أمين، محمد جواد الغبان.

كان هؤلاء يغرونه بالحضور، ويعدون له خلاصة عن أهم ما ينشر في الوطن العربي من كتب أو مقالات جادة وهو ما كان قد حرم منه بسبب منع استيراد الكتب ومعظم المطبوعات .أخبرني (الوردي) في آخر لقاء لي به في مدينة (وارشو) –قبيل حرب الخليج الثانية- أن السبب المباشر لمنعه من نشر كتبه والتضييق  عليه يعود إلى انه قدم مسودات الجزء السابع من كتابه (اللمحات) إلى وزارة الثقافة فاعترضت الوزارة ،طالبة منه حذف بعض النصوص وإجراء تعديلات جذرية على الكتاب رفضها.. وفي هذه الأثناء استدعا ه (نائب رئيس مجلس قيادة الثورة ومسؤول المكتب الثقافي في الحزب (صدام حسين) فاعتذر هامساً في أذن الشخص الذي أبلغه الاستدعاء:

أنه لم يسبق له أن قابل أي مسؤول عراقي كبير لا في العهد الملكي ولا الجمهوري لأن موقفه من السلاطين معروف..

ويبدو أن الشخص الذي كلف باستدعاء (الوردي) لمقابلة (صدام حسين) بالغ في تبيان أسباب اعتذار صاحب (وعاظ السلاطين) ،فعوقب (الوردي) وحرم الناس من كتبه التي ظلت ممنوعة داخل العراق ،مما لا حاجة لتفصيله.

ماذا يبقى من (علي الوردي) اليوم؟

يبقى الكثير.. فأزمات العراق والمجتمع العراقي لن يحلها سوى الحوار والتعمق بدراسة تاريخ هذا الشعب الحضاري الأصيل.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون