آراء وافكار
2012/11/13 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 2213   -   العدد(2648)
مشاهدات من وجع الوطن
مشاهدات من وجع الوطن


حسين رشيد

1

تشكل الهموم العراقية، وخاصة الأمنية والاقتصادية المرتبطة بحياة الفرد العراقي، والمتذبذبة بسبب الصراعات والخلافات السياسية، والطائفية، والقومية، والحزبية، والفئوية  مادة رئيسية لوسائل الإعلام بأنواعها المرئية والمسموعة والمقروءة، المحلية والعربية والعالمية، كذلك الأمر لوسائل الاتصالات الحديثة من مواقع إلكترونية إخبارية ومواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، واليوتيوب. وحتى الاتصالات الهاتفية عن طريق خدمة الخبر العاجل، أو مسجات الرسائل القصيرة، سواء كانت على شكل نكتة، أو بيت دارمي من الشعر الشعبي العراقي، تحمل في طياته لوعة ووجعاً من حالة اجتماعية عراقية، عامة أو خاصة، سخرية وسخطاً من موقف حكومي أو من موقف لتكتل سياسي، أو من تصريح لمسؤول عراقي أو نائب برلماني. وربما تكون من فتوى دينية أو من صور لأشخاص ورموز دينية تنتشر في كل شوارع البلاد، مع ملصقات وإعلانات بأحجام مختلفة، بعضها يعظ، وآخر يحذر من فتنة، وثالث يتوعد بالحساب والعقاب. أو من إحدى حملات، الورع والتقوى العراقية الجديدة، بمكافحة السفور والخمور والفسوق مثلما يحب أصحاب تلك الحملات تسميتها. وقد تكون من الأزمات العراقية الملازمة، الكهرباء، الخدمات، الغاز والنفط والبنزين والكاز، البطالة، الفساد، الرشوة، المحسوبية. أو من إعلانات تجارية لشركات الهاتف النقال، أو لماركات الأطعمة والسيارات والهواتف النقالة، أو من شركات إيجاد فرص العمل وتوفير العمالة الآسيوية. مع بعض الإعلانات الوقتية ،مثل إعلانات الدراسة في الجامعات العالمية، أو إعلانات الحج التجاري والعمرة بالتقسيط، أسوة بالسيارات ودور السكن المباعة بالتقسيط. أو إعلانات المولات التجارية التي غزت شوارعنا من غير سابق إنذار. وقائمة طويلة لاتنتهي من مفارقات وغرائبيات وعجائبيات الحياة العراقية بمجملها العام والخاص.

2

عبر قناة الفيحاء وضمن برنامج (الميكرفون المفتوح) طلت علينا "أم عامر" امرأة عراقية جنوبية من البصرة الفيحاء وهي تردد صرختها الإنسانية عن الوضع المأساوي  الذي تعيشه مع الشعب، نادبة حظها العاثر لأنها ولدت في العراق المقتول المسروق منذ الأزل إلى الأزل.

أم عامر تلك المرأة التي دانت سلوك السلطة المتعالي والمتكبر على المواطن، وتجاهلها الدائم لكل مشاكلها، التي زادتها بخلافات سياسية، بين لحظة وأخرى تجر البلد إلى مفترق طرق لاتحمد عقباه. حال آم عامر وصوتها هو حال وصوت ملايين النساء العراقيات وعوائلهن، التي تعاني   شطف العيش والعوز، في ظل بلد يصدر نفطاً بقيمة 5 إلى 8 مليارات دولار شهريا. وفي ظل حكومة وبرلمان يتمتعون بالخيرات الوفيرة من رواتب ومخصصات وامتيازات لاحصر لها، وأولاد من انتخبهم ونصبهم، يبحثون في النفايات عن قوتهم اليومي. هكذا يعيش الكثير من أبناء الشعب حياة لايمكن لها أن تطاق من قبل أي إنسان آخر على وجه الكرة الأرضية، يعيشونها في ظل التستر على جرائم الفساد وضياع المليارات من الدولارات التي خصصت لمشاريع الإعمار والبناء وتوفير الكهرباء والخدمات، التي وضعت في جيوب وبنوك ومصارف أجنبية وتحت شتى الأسماء والعناوين. حياة اعتادوا عليها مثلما اعتادوا على مشاكل وصراعات الساسة الجدد، وعنترياتهم التي لاتنهي، واجتماعاتهم التي لاجدوى منها سوى كسب الوقت والتمتع بالامتيازات قبل ثوران الشعب.

وبعد أن استعرضت "أم عامر" مشكلتها في مراجعة دائرة التقاعد، لأجل صرف راتب زوجها المقعد، عرجت على الحياة العراقية بشكل عام فلا ماء ولا كهرباء، وغلاء معيشة، الذهاب إلى الطبيب يعني انك في بوابة الحساب الإلهي. كل شيء ممنوع، الفرح، الجمال، الغناء الرقص البهجة في الأعراس والأعياد. وكل ما يمت للحياة: الرفاهية الحقيقية التي يفترض أن يعيشها مواطن بلد النفط والخيرات. لتختم كلامها بقول بات مأثورا "هذا شلون وطن ياربي .. جاهي ولية غمان خو مو ولية غمان". نعم يا أم عامر أظنها كذلك ولية.

والأمر لا يتوقف عند أم عامر فحسب، ففي الكثير من القنوات العراقية، نشاهد لقطات ومقاطع مصورة لبعض المواطنين وهم يشكون حالهم عسى وعل أن يستيقظ الضمير الحكومي والبرلماني ويلتفت لهم، لكن الذي يبدو أن الآذان قد صمت، والضمائر في حالة سبات دائم. ومن هذه اللقطات رجل في متوسط العمر يخرج من إحدى القنوات وهو يتوعد بقطع إصبعه لو ذهب مرة أخرى وانتخبهم، وهذا الأمر بات مطروحاً على ألسنة اغلب الناس، لما حصدوه من خيبة أمل من الانتخابات السابقة. واغلبهم يستعين بمقولة أم عامر!

3

فضائية أخرى تبث لقطة لشاب يقود عربة يجرها حمار،  يلعن اليوم الذي جاء فيه إلى الدنيا، وهو يطلق صرخة استغاثة إلى الحكومة والبرلمان، مطالبا بالعمل والخدمات والحصة التموينية والأمان. ولقطة لرجل مسن يتذكر أياما فيها بعض الراحة والأمان لكنها كانت قصيرة، حيث ربط الأمس البعيد بيومه الممتلئ بالهموم والمشاكل. ومشهد لامرأة تحمل طفلا رضيعا بين يديها، وهي تتساءل عن المستقبل الذي ينتظره في ظل هكذا وضع شائك ومرتبك من كل الاتجاهات، ومشهد ليس بأخير، حين يطالب رجل الساسة ونواب البرلمان والوزراء ووكلاءهم والمدراء وقادة الشرطة والجيش وكافة المسؤولين وممن يتمتع بامتيازات، بحل الإشكالات والاختلافات وتوفير الحياة الملائم للفرد العراقي وتعويضه عن سنين الحرمان والخوف والجوع والطائفية، أو الرحيل هم وعوائلهم، وإن لم يستطيعوا الرحيل، فيقترح عليهم تزويد كل أفراد الشعب بجوازات سفر وتذكرة طائرة ومبلغ 1000 دولار، ويتركون لهم الوطن بما فيه، لأن الذي يبدو أن المهم عندهم ما يملكه الوطن وليس شيئا آخر.

في الأيام الماضية تبادل الكثير من ناشطي موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، بعض الصور عن صعوبة وعسر الحياة العراقية، ورسوم كاريكاتير ناقدة لبعض التصرفات والأفعال والأزمات العراقية وبشكل خاص السياسية. ومن هذه الرسوم الكاريكاتيرية، رسم للفنان منقذ أبو الهيل، لنصب كهرمانة والأربعين حرامي، إذ يبدو أن صب الماء بدل الزيت وبشكل مستمر، مكن الحرامي من التكاثر والوصول إلى أماكن عليا في الدولة العراقية الجديدة. وهذا ما صوره الفنان، حين ترك كهرمانة وحدها تصب الماء من غير الجرار التي اختبأ فيها الأربعون حرامي. ولما استفسر رجل بلباس بغدادي أين ذهب الأربعون حرامي، أجابه رجل على هيئة صحافي لقد تكاثروا وتناسخوا وأصبحوا حرامية وصعدوا إلى ...!

صورة أخرى كان لها واقع خاص ومؤلم جدا، امرأة عراقية تركت السنين العجاف على محياها آثارا وآثارا، وأرهقتها الحروب والمعارك، حتى انحنى ظهرها، وهي تمني نفسها بالراحة حين يسقط النظام، لكن الأمر ظل على ما هو عليه، لا بل زاد الطين بلة. فالصورة تظهرها وهي في العقد الثامن من عمرها تقريبا، وظهرها حانٍ، تدحرج قنينة غاز في شارع عام. اغلب التعليقات على الصورتين كانت تلوم الوطن وتعاتبه وبعضهم استعان بمقولة أم عامر "هذا اشلون وطن ياربي".

 

4

كل الأزمات والاختلافات والإشكالات في دول وبلدان العالم لها حل وانفراج، وكل جريمة خلفها  مجرم أو عصابة، وكل سرقة لها سارق ومتستر ومحقق، وكل دستور له قوانينه وتشريعاته، وكل دولة لها قادتها ونظامها، وكل برلمان له أعضاؤه ونوابه. إلا في وطننا العراق فكل شيء مختلف وغريب، الأزمات تتعقد وتدور وترحل من دورة برلمانية إلى أخرى، ومن حكومة إلى حكومة، واثناء ذلك تتفاقم وتتكاثر. المشاكل والاختلافات السياسية تتراكم وتتشظى وتنعكس بشكل او بآخر على الحياة، والمجرمون أبرياء، والأبرياء متهمون، السراق قمة النزاهة والنظافة فلا دليل ضدهم، وإن وجد فالتوافق هو الحل، والسكوت المتبادل عنهم ينهي القضية، لجان التحقيق تشكل وتحقق لكنها تصمت. الدستور شماعة بلا قوانين تطبيقية، وان أرادوا تطبيقه فمثلما يشاءون وإنما يريدون، والبرلمان غاط في خلافات القادة الكبار، وإن أراد تشريع قانون ما، فالخلافات تطفو على سطحه، باستثناء قوانين امتيازاتهم ومخصصاتهم. الحكومة مختطفة من الكتل السياسية، والوزراء كل في حزبه وقومه وطائفته وعشيرته وأهله غارقون. ترى لماذا كل هذه التعقيدات والإشكالات وسنين التغيير العشر ذهبت هباء؟ ولماذا كل هذا الفساد والإجرام والتوافق عليه؟ ولماذا كل هذا الانحراف عن المشروع الديمقراطي؟ هل هو بسبب التقسيم والمحاصصة السياسية والطائفية والقومية والمذهبية والحزبية، أم بسبب القراءة الخطأ للأمريكان، وفشل مشروعهم ببناء عراق جديد وفق نظام ومقاسات أميركية، بدل المقاسات والنظام الانكليزي، أم بسبب حاكمهم بريمر الذي أدخل البلد في دوامة من الخلافات والصراعات اللامنتهية جراء قوانينها إبان فترة حكمه اللعينة. أم بسبب الأزمة الاقتصادية العالمية والصراعات حول الشرق الأوسط، أم بسبب التشدد الديني وانتشار ظاهرة التطرف والصراع الأيدلوجي، أم بسبب سياسات وتصرفات النظام السابق وأزلامه وما تلا التاسع من نيسان 2003 من إرهاب متمثل بالقاعدة والمليشيات، مع الكثير من الأسباب الأخرى. قد تكون كلها أسبابا مجتمعة أدت إلى ما نحن عليه، لكن يبقى سكوت المواطن العراقي عن كل الذي حصل ويحصل من ضياع وسرقة للوطن من أهم الأسباب، لكونه مخدرا بالانتماء المذهبي والحزبي والمناطقي، مع وقوع الأغلبية الفقيرة والمستضعفة منهم تحت سلطة الطائفة والعشيرة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون