تشكيل وعمارة
2012/11/16 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 2769   -   العدد(2651)
المفاهيمية في التشكيل العربي
المفاهيمية في التشكيل العربي


علي النجار

ليس الفن الذي يتبنى أو يعالج الأفكار وليدا شرعيا للمكتشفات الفنية للقرن العشرين فقط. بل هو أبعد من ذلك بكثير. هو بعض من ممارسات الفنون السومرية والفرعونية واليونانية والإسلامية, وما قبلهما وما بينهما وما بعدهما. لنتساءل مثلا: متى توقفت الذات الإنسانية الفاعلة(سابقا) والمتفاعلة(حاليا) عن التوقف عن ابتكار أو إخراج  أفكار تعالج مدركات الذات والموضوع, الأنا والآخر(بمعناه الواسع). الواقع العياني (الإبصاري) والواقع الافتراضي(البصيرة). وإن شكلت الفكرة هاجساً ممضّاً عند العديد من فناني ما اصطلح عليه بما بعد الحداثة الأوروبية(الحداثة القصوى, أو المعاصرة) فليس الأمر إلا محاولة منهم لاستعادة الأرض السحرية الخصبة التي أهملتها تراكمات تقاليد الصنعة الفنية الرسمية. وجمالياتها الإنسانوية المركزية. وخاصة بعد تمزق أو تشظي مناطق المركز الإنسانوي الغربي بحروبه العالمية العبثية. وخيبات مثقفيه الأكثر حساسية, وعدم اليقين الذي مارسته اكتشافات الفلسفة المعاصرة التفكيكية. فكان لا بد لهم  من الرجوع للذات الخفية المهملة وملاحقة إدراكاتها أو عصياناتها. تلك الذات التي غيبت تحت ركام العصاب العلمي ومكتشفاته العملية وصلادة مفاعيلها فقط. لكن وبعد أن زال السحر عن الوجه الآخر للتقدم الصناعي التقني الذي غيب الإنسان أو شيئه صامولا ضمن صواميل تروسه الشرسة. كان لا بد من التمرد وبشراسة تعادل شراسة القهر الذي مورس على الذات قربانا لآلهة الحروب والمصائب البشرية, وعقدة الأنا المتعالية, بعد أن فتحت أزمنة الأزمات الحداثية في بداية القرن العشرين الباب واسعا على تمردات وتكهنات وأحلام الذات في منطقة التعبير والأداء الفني.

ما حداثة دوشامب أو حداثة المستقبلي الروسي مايوكفسكي,أو الإيطالي مارتيني, وبعدهما بأجيال الياباني اون كوارا, الألماني جوزيف بويز, مانزوني, ايف كلاين, مارسيل بروثار, اسمثسون,سياه أرجاني(1) وغيرهم كثر, إلا امتداد لذلك السحر القديم الذي فكك وأعاد صياغة إدراكاتنا في الجزء  المهمل أو المغيب منها. 

دوشامب من خلال التقاطاته الهامشية( الجاهز والمهمل, وغير المنظور له). أو كما في أعماله  الافتراضية بقوانينها الشطرنجية التي أقصى عنها هاجس الغلبة والخسارة, لصالح قوانينها الرياضية الافتراضية, أشركنا في لعبته متلقين افتراضيين. وتحول إلى عراب لمناطق اكتشافات الحداثة الفائقة ومنها (الدادا الجديدة). لكن ليس بالهامش أو المهمل وحده تتغذى أفكارنا الافتراضية. إن كانت الصناعة والاكتشافات العلمية(ومنها البصرية), وهي صنائع متقنة بشكل ما, شكلت بعضاً من حوافزاكتشافات اشتغالات الحداثة الأوروبية. فالصناعة, وكعلوم تطبيقية اكتشفت طرق تنفيذها عبر خطوط وحظوظ الوعي المادي المفرط. لكن العلم أيضا, وهو في المركز من اهتمامات الإنسان الحديث الإجرائية, أوجد فائض أزماته وسحق الروح في جزئها التعبيري الإبداعي الخفي. ولم تعد جماليات المكان ومشهدية الواقع الفيزيائي و مجاورتها فنيا تكفي للتعبير عن كامل إدراكاتنا الواعية واللاواعية  التي غيبتها هذه التفاصيل المشهدية وألعابها التحويرية التجاورية. وكان لابد من التمرد على أزمات عصر  الحداثة الأولى من القرن العشرين, بعد أن تصادمت محنة العلم بفائضة من أزمات الركود الاقتصادي والحروب الكونية, وأزمنة التعبير الفني التراكمي الاسترخائي. ولتطلق فعل التمرد التدميري غير المسبوق كما (الدادا). ثم عاد الصخب فعلا قابلا للمعاينة الإبداعية حتى بعد  انقضاء أزمنته.

منذ أفلاطون وحتى هيكل وكانت وصولا لهربرت ريد. كان للجمال الفني قوانينه التي تكرس الواقع العياني مناطق اشتغال بمرجعيات مستمدة غالبا من مشهديته المثالية و الفيزيائية المغرقة بمثاليتها. وحتى في ما يخص إدراكاتها الطقسية(السحرية) عند (ريد). لكنها بقيت وعبر كل الحداثات الفنية الأوروبية (ما دام كل اكتشاف لمنطقة تعبيرية وأدائية فنية جديدة يعتبر حداثة لما سبقها) تراوح ضمن مفهومها الإنسانوي المركزي. ولم يلتفت مدونو تاريخ الفن الغربيون إلى الأطراف: الجغرافية ـ التاريخية, وبشكل خاص الآسيوية منها ـ (الفن الإسلامي, الصيني والياباني, الهندي) إلا في أزمنة متأخرة بعض الشيء. مثلما لم يلتفتوا لنفس الأطراف في زمن معاصرتنا إلا ضمن براكماتيتهم التسويقية النفعية, وسياستهم الفنية التي تحكمها مؤسساتهم النفعية الخاصة.

بعد تفكيك المنظومة الجمالية الفنية في أوروبا ومنذ منتصف القرن العشرين. بتنا نعوم في محيط عالمي عولمي يستقي عناصر مدركاته الجمالية من كل الأطراف. لقد طال التفكيك, وهو السمة العولمية الجديدة كل شيء, وأصبحنا نعوم في فضاءاته المتعددة. ولم يعد العمل الفني حصرا على حامل اللوحة أو فورم المنحوتة أو رقعة الخط العربي. لقد تفتقت قشرة العمل الفني التقليدي لتفقس كائنات افتراضية إن كانت لها من صلة ما بالأعمال الفنية التقليدية المتنوعة الأداءات ومناطق اشتغالاتها فإنها, أخيرا, وبواقع المكتشفات الرقمية الجديدة أخذت تنأى لحدود قصوى حد اغترابها, وهما مطلقا. وإن كنا نمارس أعمالنا غالبا, مثلما نتسوق ونأكل افتراضا أثيريا بعض الأحيان. أو غالبا كما في العالم الغربي. فان العمل الفني هو الآخر خلق افتراضاته التي هي أحيانا قابلة للتسويق وأحيانا أخرى عصية على ذلك لحد العدم. ولم يعد الفنان قادرا على التحكم بمقدار مداخيله المالية التي غالبا ما يشاركه فيها وسطه الاجتماعي وإجراءاته التسويقية, بعد أن بات العمل الفني يحمل بذرة تهديمه وليس ديمومته. وما يبقى سوى صدى أوهامه أو إيهاماته الافتراضية الملتقطة رقميا أحيانا.

إن كان دوشامب عرابا للدادئية الجديدة وممهدا لفن الفكرة, بإحالات ثقافية تحولية في زمن الأزمات الأوروبية الأولى. فان (جوزيف بويز) وبتأثير من الحدث(سقوط طائرته في الحرب العالمية الثانية, وإنقاذه من السكان المحليين (بتغطيته بدثار من اللباد, وتغذيته باللبن(1), تحول عنده وعند مجايليه من الفنانين الألمان, ومن الأمريكان(الفلوكسس) إلى عمل فني افتراضي يتغذى, أو ينبني من خلال نقائضه. ومثلما هي مكتشفاته الفنية البيئية ـ كفنّ اجتماعي مهد للسياسة الخضراء(حزب الخضر الألماني مثلا) والذي لعب دورا في السياسة الأوروبية, هو ونظراؤه من أحزاب الخضر الأخرى.

      لقد اختلطت الأداءات(فن الأرض, الفن الفقير, الاختزالية,   الأداء, الحدث

المادة الأولية, الصورة, الجسد) وتحولت الأفكار مواد وأفعالا فنية في بداية الستينات ولتنتج   لنا فنا غرائبيا في العديد من تفاصيله, وربما لا يحمل من الإرث الفني الماضي إلا عنوانه اللغوي. لكنه الآن يحتل مساحة واسعة من مشهديتنا الفنية العالمية. وان كان بويز اشتهر بأداءاته المعروفة التي أطلق عليها اسعد عرابي(طقوس التجليات التوليفية (2). فان الجسد لم يسلم حتى من تجريح   استحضارا لفعل القمع الإنساني المعاصر(زمن الحروب الإقليمية) كما عند الفنانة اليوغسلافية (مارينا ابراموفتش).

    أنا لا أريد أن أورد تاريخ الحركات الفنية الأوروبية المعاصرة التي أنجبت الأداءات المفاهيمية الفنية(*), بقدر ما أورد إضاءات منها كمدخل لبحثنا عن التجارب الفنية المفاهيمية بجذرها الأوروبي, وكمدخل لأداءاتنا الفنية العربية التي هي سليلة الفضاء العالمي. لكننا وكمتلقين إيجابيين لثقافات العالم, ومنها الفنية, ولإيماننا بحقيقة تداول المكتسبات الثقافية التاريخية في حلقاتها الأكثر تفاعلا. فلابد لنا من الأخذ والعطاء, التأثر والتأثير. بمعنى ما, الإيمان بتداول المعلومة عالميا(كما فعل رواد الفلسفة الإسلامية في عصرها الوسيط). ومن ضمنها المعلومة الثقافية الفنية, وإمكانية تخريجها أو تخصيبها بما يتوافق وشروط الإخراج التي يتحكم  فيها ارث ثقافي وصوري قابل للتداول وفق المنظومة الثقافية الفنية السائدة في عصرنا, والتي لا تلغي جغرافيتنا وفاعليتها التداولية المعاصرة. بالوقت الذي لا تنفصل فيه عن مجمل الفاعلية العالمية في دورتها المعولمة أو المكوكبة المعاصرة. نحن الآن مثلما نتلقى كما هائلا من سيل مفردات المعارف السائلة ضمن شساعة فضاء المشهدية الإبداعية الفنية الواسعة. علينا أيضا الخوض في إمكانية الكشف عن مكتشفاتنا الفنية الموازية أو المجاورة للمشهدية العالمية. رغم أننا أيضا وكشعوب عربية تعرضنا للإعاقة المعلوماتية بسبب من إحباطات تواريخنا الحديثة(المتزامنة وزمن الحداثة الأوروبية) المعروفة. لكن الآن, وبعد انتفاء الأسباب المعيقة, بانفتاح الأفق العالمي السبراني, والرقمي, على أرحب فضاءاته. لم يعد هناك من سبب لتأخرنا عن اللحاق, أو المساهمة في صناعة أعمالنا الفنية بمحاذاة صناعة مراكزها العالمية الأكثر نفوذا.

أخيرا لقد دخلنا فضاء مشاعية المعلومة وعلينا تجاوز  بعض عثرات إعاقة طموحنا, من اجل تجاوز ما تبقى منها. علينا أن نتحسس نبض عصرنا, وأن نحاور حداثتنا التي رثت جوانبها حد ثبات عزلتها. والدخول إلى الفضاء المعاصر فنا اجتماعيا في بعض من مفاصله, لا يلغي تجربة الفنان المتمرس. ولا تجربة أي شخص آخر يحاول دخول هذه الفضاءات المشاعة. إنه فضاء الفكرة المشاعة المتحولة بصريا.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون