مقالات رئيس التحرير
2013/01/11 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 2478   -   العدد(2697)
إعادة الاعتبار للهوية الوطنية درءاً للتآمر: التحالف الوطني، بين "الموالاة" والمسؤولية الأخلاقية
إعادة الاعتبار للهوية الوطنية درءاً للتآمر: التحالف الوطني، بين "الموالاة" والمسؤولية الأخلاقية


 فخري كريم

-٢-
بينما تتحوّل الأزمات إلى ظاهرة ملازمة لما بقي من العملية السياسية، يبدو التحالف الوطني، الكتلة البرلمانية الحاضنة لرئيس مجلس الوزراء، في حالة انعدام الوزن. ولا يبرز في مقدمة مشهد الحراك والصراع الدائر بكل تجلّياتهما، سوى من يبرّر ما فيه من تراجع وتدهور وتحديات، مُفلسفاً كل أزمة ومُرحّلاً تبعاتها على الآخرين.
ومع أن الوضع بات يتدحرج بوتائر متسارعة في الاتجاه المعاكس للاماني الوطنية، ويهدد بتكريس الانقسام والتشرذم، فإن التحالف الوطني "الشيعي" يظل يواصل دور "الحاضنة" لارتكابات الحكومة والنتائج المترتبة عليها، سواءٌ أراد ذلك أم لم يرد، وكأنه بذلك يبين حرصاً مطلقاً على "وحدته"، منطلقاً من شكوكه في نوايا المعارضين لاستباحات الحكومة في تصديع هذه "الوحدة" والنيل من دورها. وهو في تصوره هذا يتجاهل انه كممثل للأكثرية البرلمانية، وافتراضاً كممثلٍ للأكثرية السكانية "سياسياً"، مطالب قبل اي اعتبارٍ آخر بالدفاع عن القيم الديمقراطية والمبادئ الدستورية، وما تستلزمه وفقاً لمبادئها، من سلامة ادارة الدولة واستكمال بنائها وتوطيد الوحدة الوطنية، وتكريس العملية السياسية الديمقراطية على أسس راسخة من التوافق والشراكة وتداول للسلطة.
كما انه يتجاهل ان تقييم أداء الحكومة، ضمنياً، هو واجب من واجباته، يترتب على نتائجه، اتخاذ المواقف التي من شأنها إجراء ما ينبغي من إصلاح لما هو خاطئٌ وضار، أو تغييرٍ لا يمكن بغيره إجراء مثل هذا الإصلاح الذي تقتضيه الحالة. وبوصفه الاكثرية الحاضنة للحكومة، يتحمل التحالف الوطني أيضا مسؤولية ردّ المخاطر والتحديات التي تتعرض لها العملية السياسية. وتزداد هذه المسؤولية حينما تصبح الدولة نفسها هدفاً مباشرا لما تسوقها إليه أزمة الحكم وتداعياتها.
ان الشكوك بالدوافع التآمرية لـ"الآخرين" من "الإخوة الأعداء"، إن صح الامر وبلغ هذا المستوى من افتراق شركاء العملية السياسية، يبدده واقع أن المعارضين للنهج السياسي السائد "خليط" من تكوينات سياسية تضم الشيعة الى جانب السنة، والكرد الى جانب العرب، بالإضافة الى قوى من داخل التحالف، منها من يجاهر بموقفه المخالف، وغيرها من يلتزم الصمت العلني، دون ان يتردد في إشهار مواقف معاكسة. والاصطفاف السياسي المعارض، بتناقضاته والالتباسات المرتبطة بمواقف بعض اطرافه لا يتجاوز مرجعية التحالف الوطني، ككتلة برلمانية، في تقرير وجهة معالجة الأزمات المتتالية وما نجم عنها من تدهور وخلل في النهج الحكومي وانحرافاته عن المسار الديمقراطي الدستوري وخروج عمّا كان في أساس تشكيل الحكومة وما جرى التوافق عليه من توصيفٍ للمشاركة، سواء بالإصلاح او التغيير.
وفي مواجهة المخاطر التي لا تختلف على تداعياتها الموالاة او المعارضة، تزداد مسؤولية التحالف الوطني بالمبادرة لوقف التدهور المستمر في الحياة السياسية وانهاء حالة الجفاء والشكوكية بين شركاء العملية السياسية، وإعادة الثقة بين مختلف المكونات المجتمعية، وذلك بتبني تطبيق ما جرى التوقيع عليه في اتفاقية أربيل، دون انتظار لحواراتٍ جديدة استنفدت في السابق وانتهت بالمصادقة. وانجاز هذه الخطوة وإعلانها في مجلس النواب يشكل بوابة حل ممكن للاستعصاءات الأخرى، وهي خطوة تشكل ما ستشيعه من بوادر إعادة قدر من الثقة مدخلاً للدعوة إلى استكمال الحوار حول ما لم يُستكمل قبل تشكيل الحكومة وما استجد من قضايا تتطلب التوافق والحل.
ان المطالبة بالحوار، كما لو ان اتفاقاً لم يتم لطائفة واسعة من القضايا في اطار مبادرة اربيل، تعزز الهواجس والشكوك لدى جميع الاطراف بان ذلك ينطوي على التسويف ومحاولة كسب الوقت واستدراج المخالفين لجولة من المباحثات غير المجدية، والتي قد تؤدي في واقع الحال الى تعميق الخلافات بدلاً من تقريب وجهات النظر، خاصة اذا اعيد بحث ما تم التوقيع عليه. ان اقدام التحالف على هذه الخطوة الايجابية يقتضي ان يترافق مع انجاز الملفات المطروحة على البرلمان وعدم عرقلة المجلس من مواصلة اجتماعاته وجهود اعضائه في بحث كل هو قابل للطرح والمناقشة. ولكن هاتين الخطوتين المتلازمتين، لابد من استكمالهما بِحَثِّ الحكومة على معالجة المخالفات الدستورية المتعلقة بما اتخذته من قرارات وتدابير وتوظيفات خارج السياقات المقررة. وهي مخالفاتٍ شَخَصتّها الكتل السياسية ووضعتها تحت تصرف التحالف الوطني للبتِّ فيها وتحويلها إلى الحكومة للتنفيذ أو إلى البرلمان للتشريع. وكمثال على ذلك المذكرة التي رفعتها القوى الكردستانية، قبل شهرين، وتضمنت مطالب وقضايا عراقية الطابع، وما هو كردستاني فيها ليس سوى ملامح تؤشر لأزمة الحكم وتداعياتها الوطنية.
ان بعض التحركات الجارية من قبل عناصر موالية او مقربة من رئيس الحكومة، لكسب هذا الطرف او ذاك بالايحاء لها بالاستعداد لطي صفحة الماضي بالنسبة للتعامل معها، والاستجابة لمطالبها، ما هي الا مثل النفخ في قربة مثقوبة، ولا تقدم بل تؤخر وتعزز الشكوك في جدية التوجه للوقوف بمسؤولية امام الاستحقاقات الدستورية والعمل على تصفية اسبابها وجذورها. فالمناورة ومحاولة تضييع الوقت بالالتفاف على ما هو ملحٌّ وضروري من قضايا ناضجة لا سبيل لتفكيك الازمة بدون معالجتها جذرياً، لَعبٌ في الوقت الضائع، وعلى العقلاء في التحالف الوطني كشف العابثين من خلاله وتحديد ووضع حدٍ لأدوارهم التي ألحقت وتلحق ابلغ الأضرار بمصداقية التحالف وجدية توجهاته.
لقد نسي التحالف الوطني، وهو يقوم بدوره السياسي "الشكليّ" فيما يتوهم انه ترصين وتأكيد لوحدته، بالدفاع عن بقاء المالكي دون رقيب او حسيب او بغض النظر عن تسلكاته المفضية الى ما يُشبه الدكتاتورية ويقود إليها، مطامح العراقيين وتطلعاتهم لضمان الامن وتأمين الاستقرار والخدمات لهم. واذا كان اللعب الجاري على العواطف والنزعات الطائفية والمذهبية والمناطقية يكفل لقوى التحالف استمالة قاعدتها المأزومة حياتياً والمقصيّة حياتياً والاعتماد على انحيازها في تكريس تمثيلها المذهبي لها، فان المراهنة على تأبيد هذه الموالاة ضربٌ من الوهم، ومقتلٌ سياسي لكل من لا يضع في الصدارة، البرامج التي تجسد حقوق الموالين ومطالبهم الحيوية وحرياتهم وكراماتهم وما يفتح أمامهم باب الرجاء والأمل.
ان رياح التغيير تكاد تقتلع كل يقين، بعد أن اختلط الربيع بالخريف، والديني بالمذهبي والطائفي، وأصبح الولاء للسلف الصالح معبراً لهزيمة شاملة بالأمة بوجهيها "الديني والقومي"، وكلما كانت حواشي "الوطن" ان بقي ثمة توصيف عقلاني للوطن، أكثر رخاوة، اصبح منفتحاً على مصراعيه أمام ضواري التطرف والتكفير والانتهاكات المستباحة على الهوية.
اللعب في الوقت الضائع في السياسة ليس مصدراً للقوة، بل هو تعبير عن التخلي عن الأخلاقية الوطنية.
والركلات الترجيحية في الأوطان مغامرة محفوفة بالضياع، وأي ضياع بعد خسارة وطن.!؟



تعليقات الزوار
الاسم: متابع
رائع
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون