مسرح
2013/01/14 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 2370   -   العدد(2700)
المسرح العراقي..مســارح ورؤى بين الوعي والترصـد
المسرح العراقي..مســارح ورؤى بين الوعي والترصـد


د. عواطف نعيم


عد المسرح في أي بقعة من بقع الأرض العامرة بالخير والأمان الوسيلة الثقافية التي تمنح الانسان القدرة على تلقي خطاب معرفي وجمالي يقوي من عزيمته ويبث المتعة في كيانه، ايا كان نوع العروض التي تعتلي هذا المسرح او ذاك فالمتلقي يذهب لتلك العروض وهو مؤمن ان ثمة دهشة وسحرا وجمالا وأن ثمة خصوصية سوف تلامس فيه إنسانيته وترقى بذائقته وتسمو بروحه. ونحن نتحدث عن العروض المسرحية التي يسعى أصحابها ويجتهدوا لإيصال خطاب إبداعي فيه من الاقتراب من الهم الإنساني ما يجعله معبرا عن ضمير المجتمع الذي يتمثله. ونحن هنا لسنا في موضع الحديث عن عروض مسرحية تعتمد الربح والخسارة والمتاجرة لأجل تحقيق نتائج مادية وفنية على حساب قيم المسرح التي عرفناها وعرفها جمهور عريق من المثقفين في العالم ولسنا في محل نكران وجود مثل هكذا مسارح تسعى للربح مقابل رأس المال الذي تستثمره في عرض ما  . إذ أن هناك في مناطق مختلفة في العالم من يسعى إلى تقديم مثل هكذا عروض مسرحية لكننا نقف اليوم كي نتحدث عن المسارح التي تؤمن أن ما يقدم من على خشباتها ما هو إلا تعبير واستجابة لنبض المجتمع وحاجاته الإنسانية لاسيما حين يكون المجتمع مبتلىً بالمحن والكوارث والفساد كما هو الحال معنا . وحين نتحدث عن المسرح العراقي فإننا نتحدث عن مجموعة حين تحسب تعديا على عدد اصابع اليد الواحدة من العاملين فيه تسعى لكي تحفظ المسرح العراقي الذي أسسه وركز حركته ومسيرته مَن سبقونا من أجيال والذين أطلقنا عليهم اسم جيل الرواد بوصفهم اللبنة الأساسية والأولى التي روجت للمسرح وأكدت عملها من اجل تطويره وتكريسه ليكون ضرورة اجتماعية في حياة العراقيين النخبويين منهم والبسطاء، والمسرح في العراق شهد تبدلات وتحولات بحكم الظروف السياسية والاقتصادية والدينية التي مر بها الوطن ولا سيما في فترة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق إذ أن مرحلة الاحتلال بكل ما حملت من وحشية وضراوة وقمع وبكل ما جاءت به من أجندات وأضاليل وفرقة طائفية حملت المجتمع العراقي ومعه المسرح العراقي الذي هو وجه البيئة وانعكاس لما يمور فيها من متغيرات وتغيرات وتحولات فالحيف الذي ناء به المجتمع العراقي ناء به المسرح العراقي  وإذا كان المجتمع قد شهد تغيرا خطيرا في بيئته ومكوناته، فإن ذاك التغيير الخطير حاق بالمسرح العراقي فالبعض من المسرحيين الذين تميزوا ببناء هش وانتماء ضعيف وعدم ثبات في ما يؤمنون انجرفوا مع كل تبدل وتحول وتحولوا بقدرة قادر إلى ببغاوات تردد وتروج لكل ما جاء به الاحتلال من تابوات وعولمة سيئة تفت في عضد المجتمع العراقي وتضعف تماسكه وتنخر في كيانه . وآخرون وهم قلة ظلوا يعملون من أجل مسرح عراقي ينتمي الى العراق وإرثه الحضاري العريق وأخذوا من العولمة وانفتاحها الجانب الايجابي الذي يعزز حركتهم ويطور منجزهم دون أن يشوه خطابهم الوطني والإنساني، بات المسرح العراقي موزعا ما بين نهازي الفرص والباحثين عن الثراء والربح والذين منحوا أنفسهم وباعوا ألسنتهم لبعض المتنفذين والمالكين لمقاليد الأمور من السياسيين الجدد والذين جاءوا بدورهم ليحققوا المكاسب والمنافع باسم الوطن والاتجار به. الاحتلال لم يفسد كل ما في الوطن من معالم ويشوه كل ما فيه من قيم بل نال من بعض النفوس الضعيفة وطوعها لتكون مبشرة ومروجة وداعية لتخطيطاته ولأفكاره. المسرح العراقي الآن في شد وجذب وقد انعكس هذا على ما يقدم من عروض بعضها اتسم بالعبث والانسلاخ عن الجذر ونبذ الهوية والآخر توجه نحو الدين وتابواته والآخر صار يغازل السلطة ويتقرب منها وأفرز هذا الاضطراب مسرحا يمتلك خطابا جماليا وفكريا متمردا ومناقضا لكل ما يقدم إذ يعمد هذا المسرح إلى التأكيد على الهوية العراقية والأصالة الأخلاقية والانتماء الوطني ويحاول أن يؤكد من خلال تلك العروض قيما وأعرافا وتقاليد كانت وما تزال أساسا في تكوين بنية المجتمع العراقي . وقد تكون الكوميديا السوداء إحدى الوسائل المعتمدة في تقديم ذلك الخطاب المعرفي والوطني وهؤلاء العاملون لم يسلموا من وجود المخبر السري الذي حاول أن ينال من عنادهم وإصرارهم على المواصلة والعمل رغم كل العقبات التي تزرع في طريقهم، ولكن مع غياب الخطط الموضوعة بعلمية ودراسة وغياب الدعم المادي والمعنوي وفقدان المتابعة المسؤولة وافتقار البلد إلى البنى التحتية لإقامة وتقديم تلك العروض المسرحية وإغفال البنى المسرحية الموجودة أساسا والتي هي بحاجة إلى إعادة تأهيل وإعمار كمسرح الرشيد ومسرحي الاحتفالات  والمنصور، وتأمين نشاط الفرق الأهلية  كل هذه العوامل مجتمعة تجعل المسرح العراقي في حالة خطر وخوف عليه لا سيما أن الارتجال أصبح سمة للقائمين على الثقافة وإدارتها في التهيئة للمهرجانات والتأسيس الحقيقي للملتقيات الفنية والثقافية كما حدث مع مهرجان بغداد لمسرح الشباب العربي والذي تم خلال شهر ونصف وترك الكثير من علامات الاستفهام من حوله حتى بعد أن أغلق صفحاته وأغلق الستار على فعالياته ولعل أولى تلك العلامات هي ما الذي قدم من عروض مسرحية وما مستواها الفكري والفني وأين نضعها في الميزان النقدي وما هي الأسس التي تم بموجبها توجيه الدعوات ولمن وجهت وكيف كانت النتائج برمتها لكل ما قدم من فعاليات هذا المهرجان بعين محايدة ومنصفة وحريصة على حركة المسرح العراقي ورصانته ونحن حين نضع الأسئلة لا نتوقع أن تكون هناك إجابات علماً أننا نعرف الإجابات مسبقا ونعرف التبريرات مقدما ونعرف أيضا أن من يسأل ويشخص الأخطاء لا يعد حريصا بل إما مناوئا أو حاسدا أو منافسا أو عدائيا ولا نستبعد وجود من يحاول أن يشوه ويحرف ويؤلب  أولي الأمر في وزارة الثقافة ضد كل قلم عراقي حرّ يسعى لكي يسهم في بناء حقيقي للثقافة والفن العراقي بعيداً عن الارتجال  والاخوانيات ومبدأ ( الفزعة) ولن نستغرب احالة أصحاب تلك الآراء الى مجالس تحقيقية وإصدار عقوبات إدارية بحقهم وإصدار بيانات شجب واستنكار ضدهم تنشر في الصحف الخاصة بالوزارة لاسيما إذا كان أصحاب تلك الأقلام موظفين في وزارة الثقافة أما الحديث عن بغداد عاصمة الثقافة العربية فإن ذلك يعد خطا احمر لا يمكن تجاوزه إلا طبعا إذا كان الحديث في موضع المدح والتبجيل والإشادة المتملقة؟ المسرح العراقي وجه من أوجه ثقافة وطن نحرص على مسيرته ونسعى لتطويره وتجدده لأنه وسيلتنا لإيصال خطابنا المعرفي والإنساني وتأكيد انتمائنا الوطني وهويتنا الحضارية لذا سندافع عنه ونعمل على حمايته وسنواصل الكتابة عنه، كاشفين الاخطاء والمعوقات وحسابات (شيلني واشيلك) وحسابات ( لو العب لو ماكو لعب) لا سيما ونحن نتعامل مع برنامج مهم تحت تسمية بغداد عاصمة الثقافة العربية لأننا حريصون على أن تكون بغداد عاصمة الثقافة العربية لأنها فعلا عاصمة أزلية للثقافة رغم الجراح والتشويه والخراب الذي أصاب مرافقها ومعمارها ومؤسساتها والفساد الذي شاب بعض النفوس التي تنهض بمهمات لها، والتي عدتها وسيلة للانتفاع والكسب غير المشروع ما دامت الرقابة غائبة، والعقاب بعيدا، والمحاصصة حامية للفاسدين والمفسدين؟ لنا وقفة مع بغداد عاصمة الثقافة العربية... فقد آن للمثقف والفنان أن يكون له صوته وحضوره وتأشيره لما يحدث على ارض الرافدين. فالعراق إرثنا وورثنا الذي لا بد من حمايته والذود عنه.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون