مسرح
2013/02/04 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 2053   -   العدد(2717)
قصتي مع السيبرنطيقا


د. جبار خماط حسن

(9)

الآلة والإنسان


   بينهما رباط من العمل الداخلي متشابه، إذ التحكم والاتصال، فعلان يعملان على إخراج الشعور والأفكار لدى الإنسان من جهة، والأداء التلقائي في الآلة من جهة أخرى وفي سرعة فائقة! ولنضرب مثلا على ما نسعى إليه – بنية  عمل الجهاز العصبي لدى الإنسان وذاكرة الآلة الحاسبة، كلاهما يعملان بقوة المنبه أو المثير، الذي يتمثل داخليا بوساطة عملية تنتهي بالنتائج! فالطفل حين يضع يده على يده على جسم ساخن، فإن التيارات العصبية تقوم بنقل المعلومات الحسية إلى النخاع الشوكي ، الذي هو مركز التحكم في الحركات الانعكاسية، وبمجرد تغذية النخاع الشوكي بالمعلومات الواردة من اليد، يبدأ بإصدار الأوامر عن طريق التيارات العصبية الموجودة في الأعصاب الحركية المختصة إلى العضلات، لكي يبعد الطفل يده عن الجسم الساخن في التو. وهنا يتبين العمل الداخلي الفائق الدقة الذي يشتغل ذاتيا لدى الإنسان، لأنه يعمل على وفق ثلاث مراحل هي:
الاستلام : وهو ورود مجموعة من المعلومات الحسية الأولية إلى الجهاز العصبي عن طريق الحواس.
 العمليات: هو اختبار المعلومات وفهمها والقيام برد فعل.
  الإخراج: ويقصد به النتائج النهائية للفعل.
  إن الآلة والجهاز العصبي يعملان ويحرك آليتهما مبدأ ((الكل أو لا شيء)) أي أن هذه الآلية إما أن تكون ساكنة أو تمر أثناء حركتها بسلسلة من المتغيرات المستقلة - تقريبا -.
  وتبعا لذلك التشابه بين آلية الإنسان والآلة، كونهما يعتمدان على الذاكرة، أي قدرة الاحتفاظ بنتائج العمليات السابقة بقصد استعمالها مستقبلا. ويبقى السؤال قائما حول استطاعة عقل الآلة الوصول إلى دقة  وكفاءة الدماغ البشري في الأوساط العلمية المعاصرة. فالدماغ البشري له القدرة على التحول والاستحداث الجديد والمستمر للعمليات بقصد الحصول على مخرجات ملائمة إذا ما تغيرت الظروف الخارجية أو المحيطة. ويوضح لنا (صلاح الدين طلبه) الفرق بين الجهاز العصبي الإنساني والآلة بما يقدمه من ملاحظات حول الجهاز العصبي الذي نرى فيه أمرين:
الأول: احتواء الجهاز العصبي للإنسان على عشرة آلاف مليون خلية عصبية ضمن الدماغ وان عدد الخلايا في النملة (250) أما النحلة فتحوي على (600 خلية) فلا يمكن لأي كمبيوتر رقمي يحوي مثل هذين العددين الضئيلين من القيام بشيء يستحق الذكر يماثل ما تقوم  يستطيع دماغ النملة أو النحلة أن يؤديه.
الثاني: يحدد الهدف الذي يعمل من اجله أي عقل الكتروني من الخارج أما الهدف الذي يعمل من اجله الجهاز العصبي فمحدد من الداخل (شعوريا أو لا شعوريا) ومن جملة عمليات الجهاز العصبي (الذاكرة). فالذاكرة مكونة من مخزون الذاكرة الحسي (Sensory Memory Store ) وظيفته خزن المادة الحاصلة من معالجة الظاهرة الحسية إدراكيا وعلى هيأتها الذهنية في وقت يطول أو يقصر وقد تختفي المعالجة في زمن أقل من الثانية، إلا إذا تم نقلها إلى جهاز الذاكرة قصيرة المدى ( Short Term Store) الذي يحفظ كمية المعلومات بصورة مؤقتة بزمن قدره (15) ثانية. أما الاحتفاظ بالمعلومات لمدة أطول فيأتي من السيطرة عليها من خلال الحفظ والتكرار، أي خزنها في مخزن الذاكرة طويلة الأمد (Long Term Memory ) .
   إن المجتمع المعاصر بما يحمل من نظم تتوزع بين الاجتماعي والنفسي والاقتصادي.. الخ، يتحكم  بعمله منظورات عدة. وعلى الأغلب هناك المنظور الميكانيكي ومنظور عضوي ومنظور ثالث هو المنظور السيبرنطيقي، الذي يختلف عن المنظورين السابقين. فالمنظور الميكانيكي ينظر إلى النظام وهو يعمل بطريقة واحدة  لأن الأجزاء تساوي الكل ولأن الأجزاء لا تؤثر بعضها في البعض الآخر أثناء العمل داخل النظام. أما المنظور العضوي بنيته هي حاصل إجمالي لمجموع الأجزاء وتخضع هذه البنية إلى قوانين تطورية خاصة بها وتعمل بشكل متداخل وحركي، وفي المقابل نرى ما يفترضه المنظور السيبرنطيقي لدراسة النظم من أن هذه النظم القائمة والفاعلة هي نظم مفتوحة، كما أنها في حالة تبادل بين أخذ وعطاء مع بيئتها، وان النظم والسيطرة الموجهة ذاتيا ليست ثابتة بل تنمو وتتبدل بتبدل البيئة، ولذلك عرف المؤتمر الثاني للسيبرنطيقا بأنها "فن تأمين فعالية العمل" ويوضح (كارل وديتش) مبدأ أساسيا في المنهج السيبرنطيقي إذ يؤكد عدم وجود أي نظام (فرديا كان أو اجتماعيا) بدون اتساق الفعاليات، كما يتعذر الاتساق أو التنظيم بدون تبادل للمعلومات، وبالتالي يكون النظام الإنساني أو الآلي هو اعتماد تبادل اتصالي بين الأجزاء تحت رقابة داخلية تتقيد بالمعلومات الأولية والعمليات التي تفسر وتعيد أو تحول تلك المعلومات إلى مخرجات جديدة.
لقد تبين من طبيعة السيبرنطيقا ومفاهيمها النظرية أن كل جهاز سيبرنطيقي يعمل بآلية داخلية تقوم على التبادل المستمر للمعلومات والقرارات التي توجه ذاتيا نحو الأهداف أو المخرجات.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون