المزيد...
آراء وافكار
2013/02/06 (23:00 مساء)   -   عدد القراءات: 1022   -   العدد(2719)
لكي لا تغرق أحياء بغداد ثانيةً
لكي لا تغرق أحياء بغداد ثانيةً


د.حسن الجنابي

بمناسبة غرق بعض أحياء بغداد في الأسبوع الأخير من عام 2012، أودّ إضاءة جوانب إضافية لما ذكرته في مقالتي الأولى عن الموضوع، والمنشورة في جريدة الصباح البغدادية يوم 8 كانون الثاني 2013، لعل ذلك يحفّز من بيدهم الأمر لاتخاذ ما يمكن من إجراءات عاجلة لتحسين أداء قطاع الخدمات في هذا الميدان، ولكي لا تتكرر تلك المأساة ، خاصة وأن هذه السنة المائية تعتبر من السنوات الرطبة، وأن موسم الأمطار يمتد حتى نهاية شهر آذار، مما يعني أن بغداد ومناطق العراق الأخرى موعودةٌ بالمزيد من الأمطار ونأمل أن لا يكون ذلك مصحوبا بالمزيد من الأضرار.

فقد ذكرت في المقالة السابقة بأن العواصف المطرية المشابهة لتلك التي شهدتها بغداد يوم 25 كانون الأول 2012 يمكن أن تسبب فيضانات وغرقا للعديد من الشوارع والأحياء في الكثير من مدن العالم، لكن الفرق هو أن مدن العالم الكبرى مجهزة بأنظمة تصريف لمياه الأمطار، بحيث لا تستمر حالة الغرق إلا لساعات. أما بغداد فنظرا لتوسعها الأفقي الكبير، ولزيادة سكانها المضطردة والنقص الفادح بشبكة تصريف المياه وقِدمها، فإنها قد تعرضت إلى أضرار فادحة ستبقى في الذاكرة لفترة طويلة.
أولاً:
لقد ازداد عدد سكان بغداد بشكل سريع من (500) ألف نسمة عام 1945 إلى حوالي (7) ملايين نسمة الآن (أي أربعة عشر ضعفا خلال ستين عاما) وأن عدد سكانها حاليا أكبر بمرتين ونصف المرة من عدد سكان العاصمة الإيطالية روما، وبثلاث مرات بقدر عدد سكان العاصمة الفرنسية باريس، وهو يمثل (25%) من عدد سكان العراق، في وقت يبلغ به عدد التجمعات السكانية الحضرية التي تصنف على أنها مدن في العراق حوالي (320) مدينة.
ولا مجال بالطبع للمقارنة بين البنى التحتية في باريس وروما مع بغداد، ولكن لم يكن محتّما أن تصبح بغداد بهذا المستوى من التراجع الحضري لولا قلة الاستثمار بالبنى التحتية، نتيجة لدمار الحروب والإهمال، وسوء صرف الموارد المالية المتاحة، والنزوح الكثيف من الأطراف والأرياف، التي انعدمت فيها وسائل المعيشة، فامتدت المدينة أفقيا على مساحة شاسعة تزيد على (900) كم مربع، يصعب معها حتى في الظروف العادية تقديم الخدمات البلدية بكلف معقولة، كما توقف بها التطوير الحضري العمودي تقريبا، وتراجعت خدمات المجاري والصرف الصحي إلى مؤخرة قائمة الأولويات منذ اندلاع الحرب العراقية الإيرانية ولحد اليوم.
ثانياً:
بالرغم من أن بغداد مدينة عريقة وقديمة إلا أن تنفيذ نظام تصريف المياه الثقيلة الحديث بدأ فيها في بداية الستينات عند إنشاء خطوط المجاري الرئيسية (أي الأنابيب العملاقة بأقطار تصل إلى ثلاثة أمتار) وهي الخط الشرقي الرئيسي، الذي يمتد شرق دجلة من الأعظمية حتى محطتي معالجة المياه الثقيلة في الرستمية (الشمالية والجنوبية) جنوب بغداد، وكذلك الخط الرئيسي الآخر الذي يسمى "زبلن" وهو يمتد تقريبا بموازاة الخط الشرقي ويغطي مناطق إضافية ، منها مدينة الصدر، ثم الخط الغربي في جانب الكرخ ويمتد من الكاظمية مرورا بالمنصور حتى جنوب منطقة الدورة حيث أنشئت عام 1975 محطة الكرخ لمعالجة المياه الثقيلة.
أما شبكة المجاري التي توصل البيوت والشوارع والأحياء بالمجاري الرئيسية فقد تم تجديدها وتوسيعها في مطلع الثمانينات، وكان مخططا أن تغطى مدينة بغداد بكاملها بشبكات المجاري في عام 2000. ولكن عجلة التنمية توقفت وبدأت سلسلة غير منقطعة من الحروب والعقوبات تلتها أعمال إرهاب وتفجيرات وقتل لم يسلم منها حتى عمال النظافة في العاصمة في فترة ظلامية قاتمة من تاريخ بغداد الحديث.
ثالثاً:
وصلت نسبة تغطية خدمات المجاري في بغداد في أحسن حالاتها إلى حوالي (75%) ، وهي أعلى نسبة في العراق (ولديّ شخصيا تحفظات على هذا الرقم لأنه كبير) ،إذ أن نسبة التغطية بهذه الخدمات في المدن الأخرى، بما فيها مراكز المحافظات، متواضعة جدا وتبلغ على سبيل المثال (11%) في مدينة البصرة ، وهي مدينة النفط والموانئ.
ونظراً لاستواء أرض بغداد واتساع المساحات المبنية فقد أنشئت محطات ضخ كبيرة زادت على (280) محطة ضخ بأحجام مختلفة للقيام بتصريف المياه ودفعها إلى محطات المعالجة في الرستمية أو الكرخ، وتلعب هذه المحطات دورا أساسيا في تصريف المياه، وإن توقفها بسبب التقادم أو انعدام الصيانة أو انقطاع التيار الكهربائي يسبب طفحا وأضرارا صحية وبيئية كبيرة.
رابعاً:
حسب الدراسات والمسوحات التي أجريت، من قبل الوكالة اليابانية للتنمية (جايكا) وفيلق المهندسين الأمريكي بالتعاون مع أمانة العاصمة، فإن الخطوط الرئيسية (خط زبلن والخط الشرقي والخط الغربي) مغلقة بنسب تتراوح من (40%) إلى (80%) بالزيوت والمخلفات الصناعية والقمامة والرواسب والأوحال، علما أن هذه المشكلة هي من أعقد المشكلات التي تواجه أنظمة التصريف، لذلك فهي بحاجة إلى عمليات تنظيف وصيانة منتظمة ،في حين أنها أهملت في بغداد لفترات طويلة. ومن الطريف أن الوكيل البلدي لأمانة العاصمة قد صرح مؤخرا لقناة العراقية بأن الأمانة قامت بإزالة (1500) طن من الأوساخ من أحد مقاطع خط زبلن مؤخرا، بإمكانات ذاتية محدودة (حسب قوله)، إلا أنه لم يقل لماذا لم يستمر هذا العمل ولماذا لم تعزز تلك الإمكانات المحدودة، وأغلب الظن فإن انحسار الأمطار وحالة الجفاف الطويلة خلال العشرين عاما الأخيرة أديا إلى تراجع الاهتمام بهذه القضية الهامة.
أما شبكة المجاري فقد أفيد بأنها متضررة ومهشمة بنسبة (40%) وهي بحاجة ماسة إلى التجديد والصيانة والتوسيع لأن المياه الثقيلة تتسرب من الشبكة وتؤدي إلى الأضرار بالصحة العامة والبيئة.
خامساً:
تزوّد أمانة العاصمة –حسب تقاريرها- سكان بغداد بمياه الشرب بمقدار (425) ليتر باليوم للشخص الواحد (على الأقل، فهذا هو المعيار الذي تعتمده الأمانة في تخطيط وتنفيذ مشاريع مياه الشرب).  وعلى افتراض أن (80%) من مياه الشرب تصبح مياهاً ثقيلة، وبما أن عدد سكان العاصمة هو (7) ملايين نسمة، ستكون كمية المياه المطلوب تصريفها من الأحياء ومعالجتها في الظروف الجافة الاعتيادية (2.4) مليون متر مكعب يوميا، وهذه كمية أكبر بكثير من استيعاب محطتي المعالجة في الرستمية (المحطة الشمالية والمحطة الجنوبية) بالإضافة إلى محطة الكرخ حتى في حالة التشغيل بالسعة التصميمية القصوى، لأن هذه المحطات الثلاث مصممة لخدمة نصف عدد سكان بغداد الحالي، أو ما مقداره مليون متر مكعب باليوم. علما أن محطة معالجة المياه الثقيلة في الكرخ، المصممة لخدمة (1.8) مليون نسمة، أي تقريبا نصف سكان جانب الكرخ، متوقفة منذ عام 2005 وأن المياه الثقيلة من جانب الكرخ تقذف مباشرة إلى نهر دجلة بدون معالجة لتزيدها تلوثاً وتشكل خطرا دائما على حياة المواطنين في المدن العراقية التي تقع إلى الجنوب من بغداد.
سادساً:
في مساحات شاسعة من الرصافة وبعض مناطق الكرخ يوجد نظامان منفصلان للمجاري أحدهما لمياه الأمطار والآخر للمياه الثقيلة، أما في بقية المناطق فنظام التصريف مزدوج. علما أن نظام تصريف مياه الأمطار قد صمم ليستوعب أمطارا باحتمالات حدوث مرة واحدة كل عشرين عاما، وأن النظام المزودج لمياه الأمطار والمياه الثقيلة فقد صمم ليستوعب أربعة أضعاف الجريان في الأوقات الجافة. ولو قيّض للمخطط الأساس للمدينة أن يكتمل لما واجهت بغداد محنة الفيضان الأخير في كانون الأول المنصرم. ومن المعلوم أن المخطط الأساس لبغداد كان قد أعدّه مجلس الإعمار في الخمسينات وأقّر في السبعينات، وأظن أنه تم تحويره في عام 2000، ولم يكن بوسع مجلس الإعمار تخيّل أن عدد سكان بغداد سيبلغ (7) ملايين نسمة.
سابعاً:
لقد قدّر اليابانيون أن تأهيل وتوسيع مجاري بغداد لتغطي المدينة بكاملها بحاجة إلى (13) عاما على ثلاثة مراحل، واقترحوا أن يبدأ التنفيذ في عام 2005 وينتهي عام 2018. كما قدروا كلفة الإنجاز بحوالي (1.2) مليار دولار أمريكي حسب أسعار عام 2004. وأظن أن حساباتهم عقلانية ،ولو أن أمانة العاصمة قد شرعت بتطبيق المقترح الياباني لكانت بغداد الآن على مشارف تنفيذ المرحلة الثالثة والنهائية من المشروع. وللأسف فقد مرت ثماني سنوات على المقترح والعاصمة تتحول تدريجيا إلى قرية كبيرة من حيث الخدمات، والأسعار تتضاعف، وتنفيذ المشاريع يواجه صعوبات جمّة، ولا يمكن اختصار الزمن، أي إذا بدأنا في عام 2013 فسنكمل عام 2026 ولكننا سندفع مبالغ أكبر.
مقترحات ضرورية:
لا توجد حلول سهلة وسحرية للتطوير الحضري لمدينة بغداد ولغالبية بناها التحتية وبالأخص مجاري المدينة، ولكن توجد حلول عملية ولكنها تتطلب وقتاً وأموالاً، وقبل ذلك إرادةً سياسية حازمة، وأمانة عاصمةٍ فاعلة وكفوءة وموضع ثقة المواطنين،كما تتطلب  وعيا شعبيا ووطنيا عاما ، خاصة لدى سكان بغداد. ويمكن إيجاز بعض الخطوات، ومنها ما هو آني وعاجل، ومنها ذو طابع ستراتيجي، بهدف اتخاذ خطوات لتحويل المدينة إلى مدينة صديقة لسكانها وزائريها ومحبّيها، ولا أريد أن أحلم فأقول تحاكي تاريخها ومجدها، كما  يأتي:
العمل الجاد وطويل الأمد على تقليل سكان بغداد من (7) ملايين نسمة إلى (3) ملايين نسمة عن طريق تنمية الأقاليم والمحافظات وخلق فرص للعيش الكريم في مدن العراق الأخرى وتشجيع عودة النازحين والمقيمين الجدد في بغداد إلى مدنهم الأصلية.
إعادة إعمار بعض أحياء بغداد وتنميتها عموديا وتحريم تحويل جنس الأرض، وخاصة الزراعية إلى حضرية، والنظر بإلغاء الموافقات السابقة خلال العشرين عاما الماضية مع تعويض مناسب للمواطنين ومنحهم فرص الاستقرار في الأماكن الجديدة .
لقد اقترحت في مناسبات ومقالات سابقة تحويل مياه مجاري منطقة الكرخ إلى المبزل الرئيسي المسمى بالمصب العام، وذلك لحماية نهر دجلة من التلوث، خاصة أن محطة الكرخ لمعالجة المياه الثقيلة عاطلة عن العمل، وأن المصب العام هو عبارة عن قناة مصممة أساسا لنقل مياه البزل المالحة والملوثة ولا يستخدم لأغراض الشرب وغيرها من الاستخدامات الطبيعية لنهر دجلة، وأريد هنا تكرار ذلك المقترح لما فيه من خدمة كبيرة للبلاد وللمواطنين وللبيئة.
ضرورة استخدام التكنولوجيا الحديثة التي تسمح بإنشاء شبكات المجاري في الأحياء المبنية دون حفر التربة وقطع الطرق وتشويه الساحات، وهي تكنولوجيا متاحة ومستخدمة وليست غالية الكلفة وتسمى بالإنكليزية (Trenchless Technology) وتجنب الطرق التقليدية بتنفيذ المجاري، وهذه من الإجراءات العاجلة.
الإسراع بتنفيذ خطوط المجاري الرئيسية في العاصمة، وهي خط القدس وخط الخنساء في جانب الرصافة، والخط الجنوبي- الغربي في الكرخ وغيرها، وإزالة معوّقات الإنجاز بصورة فورية، والشروع بإعادة تأهيل وتوسيع محطة الكرخ أو بناء محطة جديدة بديلة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون