تحقيقات
2013/03/25 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 986   -   العدد(2757)
الأهوار التي سلبت عقل شاعرنا النواب يعاني أهلها الحرمان
الأهوار التي سلبت عقل شاعرنا النواب يعاني أهلها الحرمان


ميسان/ يوسف المحمّداوي

جمل الترحاب والضيافة حين تنطلق من أهل الهور لايجيد فهمها إلا من تعامل بها معهم( اِفلح) بكسر الألف يعني تفضل،(عليك سيد سروط تذوك زادنه) يعني بحق سيد سروط أن تتذوق طعامنها،وسيد سروط هو أحد السادة الذي كان يسكن الأهوار وكان يلقب بالعباس الصغير لشجاعته وحل المشاكل بين العشائر وكان  بيته محطة للعديد من الشخصيات السياسية وكذلك مضيفا دائما للرحالة الأجانب الذين زاروا الأهوار وذكروه في كتاباتهم،أهل الهور وعلى الرغم من العوز الذي يعيشونه الآن لكن ذلك لم يدفعهم للتخلي عن سجاياهم الأصيلة كالضيافة والترحاب الجميل بكل ماتحمله الإنسانية من محبة،الوجوه حين تلقي التحية عليك تراها مبتسمة ،أولادهم يتكلمون بحياء واضح متأتٍ من خلق وأدب رفيع.

ويمتاز أهل الهور برقصة جميلة تسمى (الهوسة) وهذه الرقصة تؤدى بالمآتم وتسمى حينها (العراضة) وبالأفراح أيضا لكن بأهازيج مفرحة ولها مؤدي خاص يسمى بالمهوال وهناك جمعية خاصة بهؤلاء والهوسة  رقصة مستوحاة من حركة أجنحة  وأقدام الطيور ودون استخدام أي موسيقى مع الأداء تجد  هناك تناغم منظم ومبهر بين حركات أقدام وأيادي المؤدين.

قدم محاولات التجفيف

مجموعة من الشباب يذرعون الشارع الوحيد ذهابا وإيابا أكدوا للمدى أن هذا الشارع هو متنفسهم الوحيد لغياب أية وسيلة ترفيهية في منطقتهم التي تسمى قرية الفرطوس،ولغياب المدارس في منطقتهم فهم يذهبون من ناحية الخير إلى ناحية العدل لغرض الدراسة كما بينوا للمدى لايوجد في المدى أي مركز صحي يعنى بالمواطنين،وأوضحوا إن المجلس البلدي للناحية ينوي بناء متنزه بمليار دينار فبدلا عن المتنزه نحن نريد بناء مدرسة أو مستشفى  حسب قولهم.

الهور هذا المارد السومري  جرت عليه العديد من محاولات التجفيف عبر عصور زمنية مختلفة،ففي القرن الخامس الميلادي حاول الملوك الساسانيون تجفيفه لاستخدام الأرض للزراعة وبعدهم حاول الحجاج بن يوسف الثقفي ،ثم البريطانيون بعد أن فقدوا السيطرة على الأوضاع في العراق  وطلبوا حينها من الملك فيصل الأول علنا أن يجفف الأهوار وكان جوابه كيف تطلبون أن أجفف العراق كله ثم جاء الطاغية  ليعلن ذلك وعلى مرأى العالم كله تجفيف الجمال والقضاء على ذلك التنوع البيئي الذي تمتاز به تلك المسطحات المائية التي تعشقها أنواع الطيور والأسماك  والنباتات ولايعيش الجاموس إلا وسط قصبها وبرديها وكأنهما توأمان لا يتفارقان،المشحوف ذلك الإرث السومري من يصف غربته بدون هوره الذي منه انطلقت مواويل الحزن والشجن،من يصف شحوبه وهو يصيح بكل عويل العالم مخاطبا هوره(ياصاح أنه خوك لو جار الدهر صاحبك....سكران بمودتك مايوم انه صاحبك ...انهضم لوشوف غيري من الدهر صاحبك)،هكذا هو الجمال يعشق الجمال ويتغنى به ويهيم هيام العاشق بعشيقته والمحب بحبيبته.

لغة العصافير

أتلفت هناك لعلي أحظى بالسر الذي ألهم الكبير مظفر النواب ذلك الشاعر البغدادي أن يطلّق لغة قومه وبيئته ويتكلم بلغة أهل الهور  شعرا لتصبح قصائده أغان خالدة في أرشيف الفن العراقي والعربي،كيف تسنى له أن يحاكي لهجة الهور بمواويله ومشاحيفه وبرديه وجواميسه وصرائفه وطيوره،من أين أتى بالبنفسج ؟وحن وآنه احن؟ وصويحب؟كيف إتقن تلك اللهجة الصعبة ،بالتأكيد استهوته لغة العصافير وطور المحمداوي الذي لايجيده غير أبناء الهور بطيبتهم وعذوبة أصواتهم وعشرتهم .

تأثر مظفر النواب بالأهوار

النواب الكبير لاينكر ذلك في حوار أجرته مجلة المدى العراقية الصادرة في دمشق في عددها العاشر مع الشاعر مظفر النواب  وذلك في الأول من تموز عام 1995 وردا على سؤال بشأن  بدايات ارتباطه بالشعر الشعبي قال:

"فترة  1956كنا في دورة ضباط احتياط حيث  ساقونا إلي مدينة السعدية في ديالى، الدورة فيها كثير من الشخصيات التي لها دور في الحركة الأدبية والفنية في العراق مثل صلاح خالص، يوسف العاني، وكذلك بعض قادة حزب البعث من أمثال علي صالح السعدي والخشالي، في تلك الفترة دعينا من قبل أحد طلاب الدورة وهو طبيب بمناسبة العيد إلى محافظة العمارة و كان معي صلاح - الذي أعدم -و يوسف العاني و إبراهيم كبة،و أقام لنا والد الطالب  سهرة على نهر الكحلاء حضرها أشهر مغني الهور " كرير، جويسم، سيد فالح " لأول مرة التقي بغناء من هذا النوع . لأول مرة أسمع هذا الغناء وهو غير الذي يغنى بالإذاعة، كان كل شيء ساحرا وآسرا أدى إلى التصاقي بعامية منطقة العمارة، كل شيء كان منتشيا بطبيعة الغناء، لأول مرة أسمع "المحمداوي " من جويسم، و"كرير" شخصية آسرة، ... له مجموعة من الدفوف، يبدأ يغني "وينحط" حتى يصل صوته عمق الهور ينقل لك الهور وأنت هنا، صوته أشبه بصوت ( بول روبسن) عميق جدا، " جويسم " صوته رقيق جدا ناعم يطوح بالمحمداوي هو وسيد فالح، ومن أصواتهم وغنائهم أحسست بالغنى الموجود في عالم الهور وأبعاده والحزن الذي فيه والشجن والمعاناة والفرح أيضا، كانت عندي رغبة شديدة أن أشاهد هذا العالم، بدأ عندي نوع من النفرة من شعر عامية المدن، لان شعر عامية المدن شعر ساخر ناقد ليس فيه كثير من الصور، صادف في تلك الفترة تعرفي على صديق من تلك المنطقة "عبد الرحمن شمسي" كان يلقب بلبل الجامعة وهو من قبيلة الشموس التي تقطن في العمارة أهوار العماره، يملك صوتا جميلا هائلا، كان يغني في حفلات الجامعة طلبت منه أن نذهب إلى هناك سوية حيث أهله فقد سحرني العالم الموجود والقصب والطيور واللهجة الجنوبية بتنوعها".

بالمناسبة إن عبد الرحمن شمسي  هو شقيق أول مصورة في ميسان وأصغر معتقلة شيوعية المناضلة سميرة مزعل نتمنى لها الصحة والعمر المديد،أما بول روبسن هو الشيوعي والمغني والممثل الأمريكي الذي اشتهر بصوته الرخيم ومناهضته للعنصرية

مسرح الطيور

الكثير من الصيادين تركوا مهنتهم بسبب قلة الماء وتحولوا إلى  مربي جواميس أو أغنام أو أبقار في قرية الفرطوس التي تركناها متجهين صوب قرية السويلمات ثم إلى قرية الخمس ،وعلى امتداد بصرك يرقص لك في السماء أكثر من سرب  ونوع من الطيور وكأنها تتنافس بالرقص على خشبة المسرح وهي كذلك لان الهور مسرحها الذي تقطع آلاف الكيلومترات من أجل الوصول إليه والوضوء بمياهه الدافئة والصلاة على سجادة سمائه الصافية.

دخلنا في عمق 25كم لنجد هناك أم حكيم امرأة تحكي التجاعيد قصة مأساتها في خيمة هي كل ما تملك من هذه الدنيا أم حكيم التي هجرها زوجها ليتزوج  بامرأة أخرى ويترك لها ولدها حكيم وابنتها نورا وعدد من الأغنام تقول إن هناك عددا من الذئاب تختفي داخل الزور وهو مجموعة من القصب والبردي وتهاجم أحيانا أغنامها،وفي الصيف لدغت ابنتها  نورا عقربا واستطاعت هي معالجتها بعلاج عرب ودعاء أهل البيت كما تقول،ذهبنا إلى خيمة أم حكيم التي تخلو من كل شيء سوى أفرشة بالية ،وجثة لأحد الخرفان تتوسط الباب وطفل تعرى أمام موقد ناري وقوري أسود داكن يشبه لون ضمائر بعض المسؤولين عن أزماتنا وخيباتنا.

تبين أم حكيم إنها فقدت العام الماضي خمسين رأسا من أغنامها بسبب الأمراض وعدم وجود مركز بيطري هناك مبينة بان ولدها حكيم لايعمل بسبب مرضه كما تقول،ابنتها نورا ترتدي ثياب تدل على الإهمال والعوز الذي تعيشه تلك العائلة المنكوبة،وأنا أرى ذلك الظلم لأهل الهور صحت بجميع مواويل النوح(هلبت كسرنه بخاطر الله) إي (ياويلي)وأية (ويلاه) تصور مرارة وبؤس هؤلاء.

الجمال يفضح القبح

والكره الذي يكنه الطغاة للأهوار يفسره الشاعر مظفر النواب في حوار أجرته معه جريدة الحياة في عددها (11783) الصادر بتاريخ 27 أيار 1995 قال النواب:

"كنت أسمع فقط الشعر الموجود في بغداد أو المغنين الذين نسمعهم في الإذاعة العراقية، إلى أن ذهبت في عام 1955 او 1956 الى أهوار العمارة (إحدى مدن جنوب العراق الرئيسية) والتقيت هناك بمغنين هم غرير وجويسم وسيد فالح، وقد ذهلت فعلاً بغنائهم. وتكشف لي عالم مهمل، لكنه مليء بالجمال ويمكن أن يسد حاجة كبيرة في إمكانيات الخلق لديّ، كما لو وجدت طينة معجونة جيداً ومخمرة جيداً لتصنع منها تمثالاً، عالم مختمر، بما فيه من الطين والماء والقصب وأصوات الجواميس، كنت أمام عجينة حية تماماً تنتظر أحدا ممن لديه فهم للمعاصرة الشعرية الحديثة لينتبه إليها وليشتغل على المادة الخام الهائلة التي لا تنضب منابعها. كما كتبت عن مناطق الهور من قصائد… ولكن، إلى الآن أشعر أنني لم أعمل شيئاً نهائياً، هذا العالم المختمر يكفي كمنبع لأعمال إبداعية هائلة، وأنا لا أعتقد أن السلطة في العراق تخاف من الهور فقط، لكونه مكاناً للتمردات بل هناك خوف من الجمالية الموجودة في الهور، خوف من الجميل يشعر به القبيح لأنه يفضحه. لذا فإن هناك اتجاهاً لإنهاء وتدمير هذا المنبع، ومن ثم لإنهاء الشعر الذي يكتب عنه".

المطرب جويسم هو جاسم كاظم من حاشية شيخ البومحمد محمد العريبي ورفيقا ومغنيا لأبنه (جاسم) فسمي جويسم تمييزا عن جاسم بن الشيخ،إما غرير هو الفنان كريري محمد سلمان المشهور بالضرب على الصينية أثناء الغناء،وكانا كريري وجويسم يمثلان ثنائيا رائعا في الغناء،وأنا أودع الهور بألم لم أجد مواسيا غير أغنية جويسم وليس أغنية وحيدة خليل كما هو شائع(لأبجي وهل العين ...الناس تلومني شتدري......أمضيع بالعرب صوبين ...أمضيع والدمع يجري).

 

وإلى حكاية أخرى من حكايات هذا وطني



اضف تعليقك
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون