المزيد...
عربي ودولي
2012/10/09 (18:24 مساء)   -   عدد القراءات: 1443   -   العدد(2617)
صعود و سقوط الحكام العرب الدائمين




 ترجمة المدى
كان يبدو ان الانظمة الرئاسية السائدة في العالم العربي كما لو انها ستدوم الى ما لا نهاية حتى اسقطتها الاحداث في تونس و مصر.  الرؤساء الذين يحكمون مدى الحياة كانوا  ميزة يتميز بها العالم العربي منذ استقلاله . ففي الثمانينات كانت انظمة العرب تشبه الملكيات الخاصة حيث يستقر الرؤساء في القصور و يبذلون اقصى جهودهم لضمان الخلافة لأبنائهم.  يستطلع الكتاب الجديد الموسوم ( صعود و سقوط الحكام العرب الدائمين )  لمؤلفه روجر أوين استاذ تاريخ الشرق الاوسط في جامعة هارفرد،  المزايا الاساسية لانظمة الحكم العربية : بيوتهم؛ الدائرة الداخلية للمقربين الفاسدين؛ محاولاتهم لخلق شرعية شعبية مبنية على نجاح اقتصادي و دستور محرّف و انتخابات يديرونها و قمع للمعلومات .
لماذا يعاني العالم العربي من حكومات تكرس لرئاسة مستديمة ؟ يقول اوين  في كتابه ان احد الاسباب المهمة هو " تأثير التظاهرات العربية " حيث ان العلاقات الوثيقة في انحاء العالم العربي قد مكنت الأسر الحاكمة من تبادل ستراتيجيات الادارة و المساعدة فيما بينها، الا ان هذا التأثير يوضح ايضا لماذا يخضع كل هؤلاء الرؤساء الى نفس الضغوط لكي يقوموا بالاصلاح او يرحلوا.
 يقول روجر أوين  ان الحكام العرب الدائمين  يراقبون بعضهم البعض و يتعلمون من تجارب بعضهم و يزعمون بان الجامعة العربية توفر اطارا فضفاضا لطموحاتهم . و على الرغم من ان الرؤساء سيبقون يلقون بظلالهم طويلا على المستقبل ، الا ان اوين يشعر بالثقة بان الانتفاضات العربية قد انهت عهودهم .
 على غلاف الكتاب يظهر معمر القذافي و بشار الاسد و هما في أسعد ايامهما.  يقف محبوب ليبيا، المتواضع لدرجة انه لم يطالب برتبة عسكرية اعلى من عقيد، و قبضته في الهواء و مشاكسا كما هي الحال دائما. اما التكنوقراطي السوري فانه يرسم على وجهه ابتسامة بلهاء كبيرة. انهما يبدوان مليئين بالقوة و الثقة و الأمان  . يتحدث الكتاب  عن سبعة من حكام العرب الدائمين قبل بداية الانتفاضات العربية اواخر عام  2010 ، و يعكس عقودا من التحليلات للسياسة و الاقتصاد العربي .
 بدءا بالرئيس السوري حافظ الاسد الذي صعد للسلطة عام 1970 ، فان العالم العربي لم ينتج رؤساء دائمين فحسب و انما أسر حاكمة دائمة ايضا. ليس هناك مكان آخر في العالم  تنعكس فيه هذه الظاهرة ، باستثناء كوريا الشمالية و ربما آسيا الوسطى. يشير الكاتب الى بعض العوامل الشائعة لتفسير هذه الظاهرة منها العوائد النفطية، الصراع مع اسرائيل ، تدخّل الدول الخارجية، و الدول البوليسية الوحشية . ألا يعيد الأسد التفكير بتلك الفترة خلال اللحظات الهادئة التي تفصل بين مجازر شعبه ؟ ألا يجب ان تلهمه مصائر أقرانه من الرؤساء بعض الحنين إضافة الى الغضب ؟، الموقف الحالي لحسني مبارك ( الذي لم يعد فرعونا و لا مومياء ) سيئ جدا. لقد ثبت ان الحل الوسط هو منحدر زلق ؛ فالتمسك بالسلطة يتطلب استعدادا للقتال حتى الموت . لكن، و كما يظهر في النموذج الليبي، حتى ذلك قد لا يكون كافيا . لكن الرعب الحقيقي بالنسبة لموقف الأسد – الذي يسبب بحد ذاته قلقا اكبر من قتل الاطفال و اغتصابهم و استخدامهم كدروع بشرية على يد قواته– هو ان شعبه قد لا يكتفي بمقاتلته حتى الموت، بل سيسلمونه الموت بيديه شخصيا و سيصورون انفسهم و هم يفعلون ذلك على هواتفهم الخلوية لكي يرى كل العالم كيف انتقم الشعب لنفسه .
من المستحيل قراءة كتاب أوين دون تشتت الانتباه – عين على الصفحة و الاخرى على الانباء. توقيت الكتاب مناسب و غير مناسب، ليس فقط لأن المؤلف اكمله قبل عام . فالتعليقات الختامية تقتبس من مقالة مؤرخة في اواخر آب 2011 ؛ اما في اماكن اخرى فان المراجع توحي بانه انجز الكتاب في مايس الماضي . في الواقع ان اغلب الكتاب قد انجز نهاية 2010 . لقد كتب قبل انتحار محمد بوعزيزي الذي أحرق نفسه احتجاجا ضد السلطات التونسية بسبب عجزه عن توفير لقمة العيش مما أشعل المنطقة بأكملها . حتى مع الفصل الأخير عن " السقوط المفاجىء " للنظام السابق، فان كتاب أوين سبق ربيع العرب. و قد وصفت مطبعة جامعة هارفرد الكتاب على صفحتها قائلة " الكتاب يعرض لأول مرة أصول و ديناميكية النظام الحكومي الذي يميز العرب في الشرق الاوسط في القرن العشرين ". لكي نكون صريحين، فان هذا يعتبر تضليلا حيث ان الكتاب يقع في صميم الدراسات  الاميركية الحديثة عن المنطقة. كان المحللون و لازالوا يدرسون مختلف انواع الاستبداد السياسي في الشرق الاوسط، و ان مخاوف أوين هي مخاوفهم. ان اتجاه هذا الكتاب يتجسد الى حد ما في عنوان مقالة لأحدى الصحف المعروفة " لماذا لا توجد ديمقراطيات عربية ؟" . يحكم الكتاب على بلدان يعتبرها آخرون بانها " جمهوريات لسلالة معينة " أو " رئاسات ملكية ". قائمته تتضمن الجزائر، مصر، العراق، لبنان، ليبيا، السودان، سوريا، تونس و اليمن . هنا تقع لبنان خارج الموضوع و كذلك عراق ما بعد صدام . يصف اوين هذه البلدان على انها تمتلك رئاسات " مقيدة " ذات مكاتب ضعيفة نسبيا – تسيطر عليها قوى خارجية ( سوريا في حالة لبنان و الولايات المتحدة في حالة العراق ) و هي مضطرة ان تخطو بتأن  بسبب الانقسامات الطائفية فيها. في حالة العراق، كانت الرئاسة الدائمة موجودة ذات يوم، لكن رؤساء لبنان تركوا المنصب  طوعيا – طبعا باستثناء حالات الاغتيال . على العكس، فان الانظمة الاخرى كانت مستقرة، و بالطبع يمكن تفسير ذلك الاستقرار بفضل جهود الاجهزة القمعية للدولة؛ لكن بعد ذلك يجب تفسير  لماذا اثبتت هذه الاجهزة القمعية بانها موالية و جديرة بالثقة،  الضباط الصغار يكونون طموحين على اية حال . لكن عندما تولى أمثال صدام و القذافي القيادة احتفظوا بها – على الأقل حتى هشمت القوات العسكرية الخارجية قبضتهم .
من خلال العمل التخصصي على بلدان المنطقة، يقتطف اوين و يجمع ما يكفي من العناصر المشتركة لأنتاج نموذج عام لهذا الاسلوب او الترتيب الذي اثبت بانه يدوم لوقت طويل . يمكن متابعة الاصول الى ما يطلق عليه أوين " الانظمة الرئاسية التسلطية التي تأسست بعد الاستقلال مباشرة "، عادة في بداية الحرب العالمية الثانية. ان التجربة الاستعمارية لا تكون بالضرورة مدرسة لتعليم التعددية و حكم القانون كما يفترض بها ان تكون . على اية حال، فان الدوافع التي دفعت الى مركزية السلطة بعد الاستعمار واضحة جدا، احدها تأسيس سيادة وطنية، و التي كانت في السابق  تعني وضع معظم الاقتصاد تحت سيطرة الدولة باعتباره ضروريا لتوجيه الانتاج لتلبية الاحتياجات المحلية خاصة اذا كان النفط  هو البضاعة الوحيدة للبلد . الى جانب خلق طبقة وسطى من المهندسين و غيرهم من المتخصصين لأدارة الصناعة، فان العائدات الوطنية يمكن توجيهها الى بناء البنية التحتية مما يعني تشغيل اعداد كبيرة من المهارات .
سيطرة الدولة على الاقتصاد ضمنت الكثير من الاموال لتمويل الجيش مما عزز استقرار مصالح اخرى و في نفس الوقت بناء قوات امن داخلي منفصلة لمراقبة الجيش من جهة و السكان المدنيين من جهة اخرى .
 جنون العظمة لدى  الرؤساء الدائمين  له ما يبرره. يذكر اوين انه في بداية السبعينات جاء معظمهم الى سدة الحكم من الجيش، كما يمكن تقدير حاجتهم الى بناء انظمة مضادة للانقلاب. ان تعيين افراد العائلة في المواقع الرئيسية للنظام اعطى هؤلاء الرؤساء استبصارا و سيطرة اكثر. احيانا كان بامكان الانظمة حتى السماح بالقليل من السياسة البرلمانية كصمام  لتسريب بعض البخار. و حتى عندما تخضع اقتصاداتهم لدرجات متفاوتة من الخصخصة، فان الامور لم تكن  تخرج من ايديهم ، حيث كانت الصناعات المؤممة تباع  الى المقربين و للاشخاص الموثوقين فقط المسموح لهم بالتعامل مع الشركات الاجنبية . ففي هذه الانظمة يكون للاشخاص و المؤسسات ما يكفي من الاستثمارات لبذل الجهود من اجل استمرار القيادة  . في سوريا، جاء الاسد خلفا لأبيه. في مصر، كان تنصيب مبارك الأبن مجرد مسألة وقت. كان ذلك مقبولا من قبل المستفيدين من ذلك الترتيب و يعطيهم الدافع ليتجاهلوا من لا يقبل به . عندهم الفساد في بعض الاحيان لا يعتبر فسادا و انما مجرد طريقة للقيام بالامور، و يستمتع الرجال الذين يعملون بمثابة الأب الروحي لكل نقابة وطنية بمشاهدة الاخرين و هم يقومون بواجباتهم نيابة عنهم . يطلق اوين على ذلك "نشر الاساليب الاستبدادية من خلال القدوة" . من الواضح ان ذلك كان مفيدا كما تبين صورة القذافي و الاسد . في اليوم الاول من عام 2011 غادر اربعة من بين تسعة رؤساء دائمين مناصبهم و وافق آخر على التنحي عند انتهاء فترة رئاسته، اما بالنسبة للاربعة الآخرين فان الأمر لم ينته بعد.
الفصل الاخير من كتاب اوين يتحدث عن العوامل غير المكتشفة في هشاشة الانظمة الرئاسية الملكية، و يستنتج بان الربيع العربي كان مثالا آخرا لنشر الاساليب الاستبدادية من خلال القدوة -لازال يعمل في المنطقة .  الشعوب تتعلم من  تجارب بعضها كما يفعل قادتها.

عن : فورن افيرز



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون