آراء وافكار
2012/10/10 (17:54 مساء)   -   عدد القراءات: 1669   -   العدد(2618)
حروب الإنابة التي ندفع ثمنها
حروب الإنابة التي ندفع ثمنها




يوسف علوان

امتدت حروب الإنابة التي دفع الشعب العراقي أثمانها الباهظة، على طول تاريخه الطويل، غير أن ما يهمنا منها الآن هي الحرب الإيرانية التي استمرت ثمانية أعوام، تكبد خلالها الشعب مئات الآلاف من الضحايا؛ قتلى وجرحى ومتضررين. قدرتها بعض المصادر بمليون ضحية من الشعب العراقي وأكثر من هذا الرقم من الجانب الإيراني. وكذلك قدرت الأموال التي خسرها العراق بمئات المليارات من الدولارات، في هذه الحرب التي خاضها نيابة عن الدول العربية وبالأخص دول الخليج العربي، لما شكلته إيران بعد ثورتها عام 1979، وإسقاط نظام الشاه الذي لم يكن اقل خطرا على هذه الدول التي لا تمتلك قوى بشرية لتكوين جيوش تدافع عن حدودها، من خطر التطلعات الإيرانية في إعادة الإمبراطورية الفارسية - التي تبين بعد سقوط الشاه ووصول القوى الإسلامية الإيرانية - أن هذه القوى لم تخف تطلعاتها في إعادة بناء الأمة الفارسية وإعادة هيمنتها على دول الجوار الضعيفة، دول الخليج، رغم أن هذه القوى الإسلامية التي كانت تعارض نظام الشاه، كانت تلقى الدعم والترحيب من بعض هذه الدول. غير أن وصول هذه القوى للسلطة بعد إسقاط الشاه ونظامه، لم يؤد إلى إقامة علاقات حسن جوار جيدة مع دول الخليج، بل أن الشعار الذي رفعه الإسلاميون بعد وصولهم السلطة "تصدير الثورة " هو الذي دفع دول الخليج إلى الخوف من الأطماع الإيرانية السابقة التي ارتدت لباس الدين ولكن بأنياب بهلوية.
لذلك لم يكن أمام هذه الدول الصغيرة بنفوسها، والكبيرة بثرواتها إلا أن تختار العراق ليكون المدافع عنها أمام المد الإيراني الجديد. لذا كلف العراق بالدفاع عن هذه الدول مقابل إمداده بالمال والسلاح لإدامة هذه الحرب التي دفعت لها دول الخليج بسخاء كبير بحيث تقدر المساعدات التي قدمت للعراق بمليارات الدولارات واستمر تدفق السلاح من كل دول العالم على العراق عبر دول الخليج والسعودية.
إن هذه الحرب التي فاقت كلفتها قدرة العراق على تحمل أعبائها، التي استمرت ثمانية أعوام، ودفع العراق مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين إضافة الى تدمير بناه التحتية في الاقتصاد من صناعة وزراعة.. وفقدت عملته قيمتها حتى وصلت قيمة الدينار الى (3000) دينار عراقي مقابل الدولار الواحد، بينما كان الدينار العراقي الواحد يساوي أكثر من ثلاثة دولارات قبل هذه الحرب، كذلك تكبد العراق ديونا طائلة جعلته يترنح تحت ثقلها.
إن الحرب العراقية - الإيرانية التي خسر العراق فيها إضافة لخسائره البشرية، وتدمير بناه الاقتصادية، كانت الصناعة النفطية هي اكبر خسائره، هذه الصناعة التي تشكل مصدر اقتصاده الأول، وباتت هذه الصناعة متخلفة وعاجزة عن توفير الموارد اللازمة لإصلاح البلاد بعد الحرب، ولكونها المصدر الوحيد في سداد ديونه بسبب هذه الحرب التي خاضها نيابة عن دول الخليج، التي تنكرت له وطالبته باعتبار أموال المساعدة التي دفعتها له في بداية الحرب، ديوناً يجب على العراق تسديدها بعد انتهاء الحرب.
 أما الحرب الثانية فهي الحرب التي جرت على الأراضي العراقية بين القاعدة والقوات الأمريكية بعد العام 2003، وبغض النظر عن السبب الذي دفع القوات الأمريكية لاحتلال العراق وبعيداً عن المبررات التي ساقتها تلك القوات عن وجود أسلحة كيمياوية محرمة دولياً، ومسلسل فرق التفتيش الذي دام لأعوام، وسنوات الحصار التي عاشها الشعب العراقي، وشملت العقوبات حظرا على جميع أنواع التجارة، وفرض حظر على تصدير النفط، وتجميد الأصول المالية للحكومة العراقية في الخارج وحظر بيع الأسلحة، وتعليق الرحلات الجوية الدولية، وحظر المعاملات المالية. كما دعا مجلس الأمن الدول الأعضاء إلى فرض حصار بحري وجوي على العراق. وكانت هذه العقوبات هي الأطول والاشمل والأكثر إثارة للجدل في تاريخ الأمم المتحدة، حيث قطعت صلة العراق بالاقتصاد العالمي مع عواقب وخيمة على كل من الاقتصاد والشعب العراقيين. كذلك عملت على عزل العراق عما يجري في العالم من تطورات وجعلت من عودة هذا الشعب المحاصر إلى العالم، بتطوراته التي حصلت خلال أعوام الحصار شيئا صعبا ومستحيلا. ثم عملت هذه القوات على تدمير بنى الدولة التحتية، مع ما كانت تعانيه هذه البنى من تخلف، وتكبد العراق خسائر بشرية في قواته بلغت عشرات الآلاف من الضحايا.
وعلى اثر هذه الهزيمة المرة التي تلقاها الجيش العراقي أثناء خروجه من الكويت، ثم انتفاضة الشعب العراقي، وعمليات التدمير التي سببتها القوات الأمريكية والقوات الحليفة من خلال قصف الطائرات والقصف الصاروخي، الذي كانت تتعرض له البنى التحتية في العراق وبالأخص الصناعية منها، بحجة وجود الأسلحة الكيماوية في هذه المنشآت ثم عملية إسقاط النظام المباد في العام 2003 واحتلال العراق والدخول الى جميع أراضيه، نجد أن الكثير من المحللين السياسيين اعتبروا أن احتلال العراق كان من ورائه هدف سحب القاعدة إلى معركة مع القوات الأمريكية، التي باتت تشكل تهديداً مستمراً لأمن أمريكا، على أرض العراق ، بدلا من مقاتلتها على الأراضي الأمريكية، لذلك كانت هذه الحرب التي تكبد الشعب العراقي اغلب ضحاياها، حرب إنابة وقد أرادتها القوات الأمريكية لإبعاد الخطر عن مواطنيها، لكنها كلفت العراق مئات الآلاف من القتلى والمعوقين وتدمير منشآته الصناعية، بسب الضربات المؤلمة التي كانت توجهها القاعدة للشعب العراقي بدلاً من القوات الأمريكية.. وفعلا استطاعت القوات الأمريكية قتل اغلب زعماء القاعدة في العراق وإضعاف التنظيم ونجحت بمساعدة الأهالي الذين سئموا تصرفات تنظيم القاعدة التي مارسها في المناطق التي سيطر عليها التنظيم بعض الوقت، لذلك كان لأهالي هذه المناطق الفضل الكبير في طرد هذا التنظيم من اغلب المناطق التي لم يكن باستطاعة حتى القوات الأمريكية الدخول اليها.
غير أن اخطر ما عمل عليه تنظيم القاعدة هو تصعيد التوتر الطائفي من خلال الأعمال الإجرامية التي كان ينفذها ضد الطائفتين على حد سواء لإثارة الفتنة، وقد نجح في ذلك لبعض الوقت، وشهد العراق الأحداث الدامية التي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من العراقيين بسبب هذه الفتنة التي استطاع الشعب أن يتبين مخاطرها فحاربها وحارب التنظيم واستطاع أن يطرد الإرهابيين بعيداً عن المناطق السكانية وباتت قوى هذا التنظيم تعيش بشكل غير معلن بين الحواضن القليلة المتبقية.
إن هذه الحرب التي أرادها الأمريكان للقضاء على القاعدة على الأراضي العراقية قد كلفت الشعب الكثير من الضحايا والمآسي وما زال خطر اندلاعها موجوداً لحد الآن وبالأخص بعد الأحداث الأخيرة في بعض البلدان العربية وصعود أحزاب الإسلام السياسي الى السلطة في تلك البلدان.
إن الحرب الثالثة المحتمل قيامها التي من المتوقع أن يدفع العراق فواتيرها كما دفع فواتير الحربين السابقتين باتت واضحة للعيان، اثر الأحداث الدامية التي تشهدها سوريا واحتمال امتدادها الى دول المنطقة وبالأخص العراق لكونه جاراً لهذا البلد . وبغض النظر عمن يتحكم في هذه الأحداث التي تجري في سوريا، والتي لا تخلو من أن تكون صراعا واضح المعالم لإضعاف الدور الإيراني في المنطقة، خصوصاً بعد إصرار إيران المستمر على امتلاك سلاحاً نووياً لتعزيز دورها في المنطقة العربية، ومن خلال امتلاك هذا السلاح تتسم العلاقات الخليجية - الإيرانية بالتعقد والتشابك الشديد إلى حد التناقض، ففي الوقت الذي باتت فيه قضية احتلال الجزر الإماراتية الثلاث أحد أهم البنود الثابتة في البيانات الختامية لاجتماعات المجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجي، فضلا عن التباينات الحادة بين إيران ودول المجلس بشأن عدد من القضايا منها تسمية وأمن الخليج، بالإضافة إلى تباين المواقف الخليجية - الإيرانية تجاه الوضع في العراق، والأحداث الأخيرة في البحرين، ودعمها الواضح لحزب الله في لبنان، ليس لمحاربة إسرائيل فقط ولكن لجعله واحدا من أدوات الضغط التي يمارسها النظام الإيراني على النفوذ الأمريكي في المنطقة ودول الخليج، وبالأخص السعودية وقطر التي بات لها دور مؤثر في أحداث "الربيع العربي" الذي شهدته المنطقة وصعود قوى إسلامية مدعومة من قبل هذه الدول الخليجية.
إن تحويل الصراع مع إيران إلى صراع طائفي سيكون وبالا على الشعب العراقي الذي تُتهم حكومته بالتساهل في وصول شحنات الأسلحة التي ترسلها إيران إلى النظام السوري في حربها التي تشنها ضد قوى المعارضة التي تدعمها دول الخليج. وتركيا التي تسعى في محاولة لجعل دورها لاعباً أساسياً في هذه المعركة التي باتت وشيكة الوقوع.
وفي تصريح لوزير الخارجية التركي أغلو اعتبر أن الأزمة السورية باتت تشكل "تهديدا أمنيا خطرا، بالنسبة لتركيا."
وأشار داود أوغلو في حديث مع تلفزيون "بي بي اس" إلى أن تركيا شعرت بخيبة أمل من موقف الأمم المتحدة، تجاه الأزمة السورية. مضيفاً أن هذه الأزمة، شكلت اختباراً لكل من الأسرة الدولية، ومجلس الأمن الدولي، معتبراً عدم اتخاذ أي قرار بحق الأزمة، فشلاً ذريعاً.
ورداً على التصريحات الصادرة عن طهران، والتي تتحدث علنا، عن دعم النظام في سوريا بشكل لا محدود. أكد أوغلو "أن تركيا لن تتدخل عسكريا في سوريا بمفردها، لافتا إلى أن أنقرة مستعدة لاتخاذ كافة الخطوات لحماية حدودها في حال تهديد أمنها، أو تعرضها لخطر الإرهاب."
إن طبول الحرب التي يتناوب على قرعها كل الفرقاء في المنطقة تنذر بوقوع حرب لا هوادة فيها وبالأخص إذا أخذت شكلها الطائفي المقيت.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون