عام
2012/10/10 (18:13 مساء)   -   عدد القراءات: 1265   -   العدد(2618)
مارلين فـي المرآة
مارلين فـي المرآة




ترجمة: عباس المفرجي

من الصعب معرفة بأي معايير أمكن لمؤلف هذا الكتاب أن يزعم إنه رواية. فهو بلا شك لا يتمتع بشكل، نبرة أو جو قطعة حِرفية من أدب القص. إنه أكثر ما يشبه واحدة من المقالات الطويلة جدا في الفانيتي فير، التي تبدأ بعناوين رئيسية صارخة وعناوين وسط الأعمدة مثيرة، لكن بعد مسافة قصيرة، على القارئ أن يتعقبها في فضلات في الصفحات الخلفية للمجلة. يواصل المرء القراءة بأمل أن يجد كشفا يصدم، تهما بذيئة، أو على الأقل، أسرارا منحطة، كل أنواع الشكوك التي تضيّع وقته، الذي كان من الأفضل أن يقضيه بمشاهدة "البعض يحبها ساخنة" على قرص (دي في دي).

هذا لا يعني أن "جلسات مارلين الأخيرة" هو كتاب رديء، بل هو هجين غريب لا يعرف القارئ ماذا يستنتج منه. وكي أكون منصفا، ميشيل شنايدر، الفرنسي، أو الذي يكتب بالفرنسية، غير واثق من غايته وما أنجزه، على حد سواء. في مقدمته السريعة، التي يفتتحها بمقايضة لاذعة على نحو طريف بين مارلين مونرو وصديقها ترومان كابوتي ، يعترف شنايدر بأن روايته ((مثل شَعْر مارلين، هي زائفة من النوع الصادق)) ــ ومثل هوللي غولايتي التي وصفها مبدعها كابوتي في "بريكفاست آت تيفاني" ((زائفة أصيلة)). في آخر الأمر، بورتريه هوللي، كما يقول شنايدر، كان مبنيا بشكل جزئي على صورة أم أم، كما سنشير إليها من الآن فصاعدا.
الكتاب، الذي كتبه شنايدر، ((مستلهم من أحداث واقعية))، وكل التواريخ، المواقع والأحاديث ((تعود إلى البطلة)). على كل حال، ((هذا عمل من الأدب القصصي. ملفق الحكايات الذي يكمن فيّ لم يتردد في أن ينسب إلى شخص ما قاله شخص آخر، ويعزو إليهم يوميات لم يكن لها وجود، مقالات أو ملاحظات لم تُكتب، وأحلام وأفكار ليس لها مصادر. لا يمكن للمرء أن يطلب صراحة أكثر من هذه، لكن هذا الاعتراف لا يفيدنا في قراءة الكتاب. وفي الكتابة أيضا .
من المؤسف أن شنايدر يقدّم نفسه معلقا عمليا، يعرض كم هو مطّلع حين يشير إلى هوليوود بـ ((مدينة بهرجة))، مدليا ملاحظات خالدة، مثل ((بعض الممثلين يشبهون النجوم التي وضوحها يناقض واقع إنها توقفت عن البريق)).
الـ"جلسات الأخيرة"، في العنوان، هي تلك الجلسات التي كانت لأم أم مع الطبيب النفسي رالف غرينسون، في السنتين الأخيرتين من حياتها. في سنوات الخمسينات، كان غرينسون، الذي عمل مع فرويد في فيينا ما قبل الحرب، قمة في مجال مهنته، محترما من زملائه الأطباء النفسيين، كما من مشاهير الشاشة الذين انتقل للسكن بينهم  ــ بالإضافة إلى أم أم، كان من بين مرضاه توني كيرتس وفرانك سيناترا، والأول واحد من عشاق أم أم الأخيرين. يبدو أن غرينسون كان متيّما بالشاشة، وله صلات كثيرة مع هوليوود. عمله مع الجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية والذين يعانون من صدمة الحرب قادت ليو روستن الى اختياره لدور البطل في روايته "كابتن نيومان"، التي تحولت إلى فيلم ناجح بطولة النجم غريغوري بك. في السر ، يقول شنايدر، كان غرينسون ((يرغب بأن يكون معروفا للأجيال القادمة كشخص كان ’يستمع للأيقونات‘)).
كان الطبيب البارع واعيا بعناصر الخيال ورواية القصة التي تنطوي عليها عملية التحليل النفسي . وطوال حياته ، كان من الواضح إنه يعتبر نفسه كاتب سيناريو بقدر ما هو طبيب ، بنفس الطريقة التي كان فرويد  يظن بها نفسه بحق ــ نوعا من روائي ، حين يكتب تاريخ حالاته المرضية . وُلِد غرينسون بإسم روميو غرينشبون، ابنا لثري يهودي من المهاجرين الروس. له أخت توأم ، سُميت جولييت ــ وفقا لشنايدر، الأخ والأخت ((تعلما القول، في إنسجام، ’أننا روميو وجولييت، وأننا توأمان‘)). لا عجب أن الأبله المسكين أصبح طبيبا نفسيا . غرينسون وأم أم كانا منجذبين إلى بعض ، كما تنجذب الفراشة الى النار ــ يا إلهي ، أسلوب شنايدر جذاب ــ وعلاقة المريض- الطبيب التي تجمع بينهما تتحول بسرعة إلى جنون. كانت أم أم شخصية متضررة بشدة وتتكل على غرينسون، في الشهور الأخيرة ، المعذبة، من حياتها، للحصول على شكل ما من الصحة. أمّا غرينسون، فيقول شنايدر على لسانه، عقب وفاة أم أم :((كانت قد أصبحت طفلتي، ألمي، أختي، جنوني)) يا إلهي. مع تقدّم العمر، أدرك غرينسون محصلة أكثر رزانة وأكثر دقة لمأزقهما المشترك :((كنت مهووسا بالتمثيل واستخدمت التحليل النفسي لأشبع حاجتي بالرضا، في حين أنها كانت مفكّرة صانت نفسها من التفكير بالألم من خلال التحدث بصوت فتاة صغيرة والتظاهر بالبله)).
نحن نعرف أن أم أم كانت شخصا فريدا ــ "ظاهرة" هي الكلمة الأفضل ــ لكن في الوصف الذي يقدمه شنايدر عنها هي غريبة على نحو عميق ، موجَهة جزئيا ، شيطانية جزئيا ، وجزئيا لا أمل من الخلاص منها . عمّدت باسم نورما جين مورتينسون ، وأخذت اسم أمها قبل الزواج ، بيكر ؛ ثم غيّره بن ليون ، منتج منفذ في تونتيث سنتشري فوكس، الى اسم مارلين مونرو، الذي راق لها كثيرا. حين واصلت مسيرتها، أصبح اسم أم أم، على أي حال، مستر هايد الذي لا مفر منه؛ كما قالت هي، ((حملت مارلين مونرو معي أينما ذهبت، مثل طائر القطرس)). واحدة من أكثر الحكايات تأثيرا وغرابة في الكتاب هي التي يرويها كابوتي. بعد أن كان معها بينما هي جالسة لساعات أمام المرآة، ((سألها ماذا تفعل، فأجابت ’أنا أرقبها‘)).
في النهاية، يروي لنا "جلسات مارلين الأخيرة" قصة مأساة مزدوجة. أم أم كانت مدمرة لذاتها، لكنها كانت أيضا واحدة من أولئك الذين يضرّون كل من يقترب منهم. قال جان- بول سارتر عنها، ((إنه ليس فقط النور الذي ينبعث منها، بل الحرارة أيضا. إنها تحترق خلال الشاشة))، وهي حرارة كانت يمكن لها أن تسفع اكثر القلوب جرأة. وصف غرينسون ما يتقاسمه مع أم أم بأنه حب غير مُحِب، وحب لا شك إنه كان كل ما يمكن لأم أم أن تقدمه لأي كان ، حتى لنفسها . أم أم ماتت ، ونورما جين برفقتها ؛ غرينسون بقي حيا بعدهما بسبعة عشر عاما . وكما قال هو ، ((كانت مخلوقا مسكينا، حاولتُ أن أساعدها وأنهي ألمها)).
"جلسات مارلين الأخيرة"، رغم نقائصه، يبقى كتابا آسرا، بطريقة مروّعة. فقط ، كانت مواهب شنايدر لا تتكافأ مع موضوعه ــ تخيلْ ما كان سيفعله نابوكوف مع قصة مثل هذه! كتّاب آخرون جرّبوا ــ أبرزهم جويس كارول اوتيس وآندرو اوهاغان ــ مع هذا ، فما زالت أم أم تنتظر روائيا أستاذا بروح شاعر كي يتناولها بإنصاف حقيقي.

عن صحيفة الغارديان



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون