عام
2013/04/23 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 653   -   العدد(2779)
بغداد منحت الفلسفة اليهودية عصرها الذهبي
بغداد منحت الفلسفة اليهودية عصرها الذهبي


د. حسين الهنداوي


لستُ مُطلِقاً لزعمٍ هنا. بل هو استنتاج سبقني إليه المؤرخ اليهودي الفرنسي، الهنغاري المولد، جورج فايدا (Georges Vajda 1908-1981)في سلسلة من الدراسات المعمقة توّجها كتابه "حكماء ومفكرون يهود في بغداد وقرطبة" والصادر عن منشورات "سيرف في باريس مؤخرا (300 صفحة). والكتاب جاء بمثابة تتويج خاص للحياة الدراسية الطويلة وإضافة جديدة ومهمة للإسهامات التي قدمها في ميدان دراسة الفلسفتين الإسلامية واليهودية وتحقيق مخطوطاتهما والكشف عن العلاقة بينهما. فجورج فايدا هو بحق، ومنذ وفاة صموئيل مونك، اكبر المتخصصين في الغرب في بحث الفلسفة اليهودية التي نشأت في الشرق الإسلامي. وإذا كان تأليف هذا الكتاب قد اكتمل منذ 9801، فان وفاة المؤرخ في العام التالي هي التي أدت الى تأخر ظهوره طويلا.
وتضم الفصول العديدة التي يتكون منها الكتاب دراسات غنية وموثقة بشكل كبير تتمحور حول مراحل الاشتغال بالفلسفة لدى النخبة اليهودية المثقفة التي عاشت في ظل الحضارة العربية - الإسلامية ودولتها خلال الفترة بين القرنين التاسع والخامس عشر الميلاديين. بيد ان أهميته الخاصة لا تقتصر على مادته المعرفية الكبيرة، إنما أيضا في وضعه حدّاً، أو هكذا نعتقد، لظاهرة غريبة في دراسة تلك الفترة المهمة من تاريخ الفلسفة اليهودية، ونعني بها نزوع صنف من الباحثين الغربيين فيها، الى إظهارها مستقلة عن أي تأثير للفلسفة العربية- الإسلامية، وذلك عبر اعتماد منهجية انتقائية تفسر أو تتجاهل الحقائق العلمية والتاريخية بما فيها الأكثر بداهة أو شيوعاً قبلئذ. على الضد من هذه المنهجية المؤدلجة، ينطلق فايدا من ضرورة احترام الحقائق التاريخية في هذا الصدد معتبراً ذلك اغناء للموضوع بذاته.
وتتوزع فصوله الثمانية عشر على مجموعتين أساسيتين على صعيد ماهية الموضوع. تتناول المجموعة الأولى، الفصول الأول الى السادس، مسألة الاشتغال بالفلسفة لدى اليهود خلال القرون السابقة على ظهور الإسلام، مقترحة نفسها بمثابة تمهيد ضروري للدراسة المركزية التي تغطيها الفصول الاحد عشر الأخرى والمكرسة لتاريخ الفلسفة اليهودية في الشرق الإسلامي منذ طلائع التأسيس الفلسفي في بغداد وحتى سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس. اما الفصل الأخير فمكرس لدور المترجمين اليهود في نقل نصوص الفلسفة العربية - الإسلامية الى أوربا حيث يقدم معلومات غير معروفة بشكل منظم لحد الآن. وغني عن القول هنا ان دور هؤلاء المترجمين، بين القرنين الثاني عشر والرابع عشر الميلاديين، كان عاملاً مباشراً في ولادة الفلسفة الغربية الحديثة بل الحضارة الغربية عموماً.
لكن لماذا شعر اليهود بالحاجة الى التفلسف؟ لذات الأسباب التي دفعت المسلمين او المسيحيين او سواهم للاشتغال بالفلسفة انما في ظروف خاصة مرتبطة او منبثقة من خصوصية العقائد اليهودية في ما يخص العلاقة بين الله والإنسان إجمالا وبينه وبين "الشعب المختار" من جهة أخرى.
وهكذا، ولأسباب مختلفة عقائدية وتاريخية لم يجد المفكر اليهودي حتى ظهور المسيحية أي ضرورة للاستعانة بالفلسفة للتماهي مع الحقائق الإلهية التي يقدمها الدين. الا ان التحدي اللاهوتي المسيحي المنبثق من قلب العقيدة الدينية اليهودية والفشل السياسي اليهودي المتفاقم والحرية الكبيرة الدينية والثقافية الداخلية التي أتاحتها الإمبراطورية الرومانية لشعوبها أدى الى انبثاق تيار مقابل، اقل شأناً ونفوذاً ومتأثرا بالفلسفة اليونانية، صار يقول بضرورة الفلسفة لفهم الدين بل بامكانية التوفيق بينها وبينه. وذلك التيار الأخير سيبلغ ذروة مجده مع المفكر اليهودي فيلون الاسكندراني الذي عاش في القرن الميلادي الأول. فهذا رغم بقائه لاهوتياً أكثر منه فيلسوفاً ورغم تأكيده الدائم على أن الدين وليس الفلسفة هو مصدر واصل الحقيقة المطلقة، فان ما يميزه عن المفكرين اليهود الآخرين هو كونه أول من طرح الحقيقة الدينية اليهودية بصيغة فلسفية وأول من استعمل الطرق العقلية البحتة لإثبات المبادئ اللاهوتية.
لكن أفلاطونية فيلون الملموسة وتأثره الكبير بالثقافة اليونانية التي ينتمي لها، لم تسمح لمنهجه ان يحتل مكانة مرجعية متنفذة في الوسط الثقافي اليهودي الشرقي عموماً. وهذا الوسط بدوره لم يعرف إنجاب مفكرين يواصلون الطريق الذي شقه فيلون. لذا سرعان ما تراجع هذا التيار منتقلاً من الهامشية الى الغياب التام ابتداءً من القرن الثاني الميلادي حيث لم يعرف تاريخ الفلسفة في الشرق والغرب ظهور أي مفكر فلسفي بين اليهود خلال القرون اللاحقة ولغاية انبثاق الحضارة العربية- الإسلامية.
وهكذا، فالبداية الحقيقية لانكباب المثقف اليهودي على الاهتمام بالفلسفة تتموضع في نهاية القرن التاسع الميلادي وذلك بعد فترة مهمة نسبياً من انطلاقة الحركة الفلسفية العربية الإسلامية في بغداد. وهذه البداية يكرس لها الفصل السابع من الكتاب والمعنون بـ"الوسط اليهودي في بغداد"، في حين تغطي الفصول اللاحقة التطور الصعودي لما يسميه المؤلف "بالعصر الذهبي للفلسفة اليهودية" والذي سيعرف نهايته مع ذات الحدث الكبير الذي وضع حداً ايضا للعصر الذهبي للفلسفة العربية- الإسلامية الكلاسيكية ونقصد به سقوط الدولة الإسلامية في الأندلس. اما محطات ذلك العصر الذهبي الخاص بالفلسفة اليهودية، فتبدأ مع بدء الوجود اليهودي في بلاد ما بين النهرين الى القرن السادس قبل الميلاد وربما قبله.
فقد تمتعت الطائفة خلال الفترة الطويلة التي استمرت حتى الفتح الإسلامي بعلاقات تعايش سلمي وايجابي مع الفئات الأخرى في البلاد محافظة في ذات الوقت على حرية كاملة في ممارسة حياتها الدينية والفكرية التقليدية التي طبعت بنوع من الركود الملموس والانطواء الثقافي على النفس طوال اكثر من عشرة قرون. وعندما جاء الفتح الإسلامي لم تتعرض تلك الحالة الى تغيرات تذكر نظراً لأن الدولة الجديدة تركت للطائفة اليهودية إمكانية مواصلة حياتها التقليدية تلك على صعيد البنية الاجتماعية الداخلية وعلى صعيد ممارسة التقاليد الدينية والثقافية الموروثة. وعندما جرى تأسيس بغداد كعاصمة للخلافة، انتقلت الطائفة تدريجياً لتتخذ منها هي ايضاً عاصمة لها إداريا وثقافياً ودينياً.
ذلك الانتقال سيكون حاسماً في ما يتعلق بالاهتمام بالفلسفة. فبموازاة التطور السريع الذي عرفته الفلسفة الإسلامية وبتأثير سريع منها تكونت في بغداد نخبة ثقافية يهودية نزاعة الى القطيعة مع التقليد. وهكذا تدريجياً راح التركيز على الدين واللاهوت يترك مكانه للاهتمام باستقبال الفلسفة والمنطق. وفي اطار هذه النخبة بالذات ظهر الرعيل الأول من المتفلسفين اليهود وفي مقدمتهم داود بن مروان المقامي وسعيد بن يوسف الفيومي (882-942) المعروف باسم (سعاديا) والذي يعتبره فايدا اول مفكر فلسفي يهودي شرقي. والفيومي مصري الولادة، تلقى تعليمه في مصر أول الامر ثم قدم للدراسة والاستقرار في بغداد. ومن المفكرين الآخرين هناك ابن كمونة وهبة الله أبو البركات وهؤلاء جميعاً كانوا على علاقة متينة بالأوساط الكلامية العربية الإسلامية متأثرين بها جداً وهو ما تعكسه مؤلفاتهم المكتوبة باللغة العربية جميعاً والمتضمنة معرفة واسعة بالعقيدة الإسلامية والنزعة المعتزلية المزدهرة في بغداد آنذاك.
وكما نرى، فان الفكر اللاهوتي هو الذي طغى في كتابات هذا الرعيل الأول المسمى "القراءون" وهم اشبه بالمتكلمين المسلمين اذ ان موضوعاتهم كانت هي ذات موضوعات المعتزلة مثلا كتجريد الذات الله من المادية ورفض التجسيم والتعددية وتعريف الصفات الالهية وعلاقتها بالذات وفكرة الخلق من عدم والعناية الالهية والعدل وفكرة المعجزات الا انهم اقل حرية منهم في تأويل النص المقدس. اما الفكر الفلسفي البحت فلم يظهر لدى اليهود إلا مع مجيء القرن العاشر. فتحت تأثير مباشر من انتقال الفكر العربي الإسلامي من المنهج الكلامي الى المنهج الفلسفي البحت وتحقيقه انجازات كبيرة أصلا (مع الكندي والفارابي خاصة) ظهر أوائل المفكرين الفلسفيين اليهود وابرزهم اسحق الإسرائيلي وسلمون بن غابرول بن غياث وإبراهيم بار وبهيا بن يوسف وما يميزهم جميعاً هو تتلمذهم وتبنيهم للفلسفة الفارابية التي كانت في ذروة نفوذها. ويرى فايدا ان الفارابي احتل على الدوام مكانة خاصة لدى المفكرين اليهود. إلا ان انتقال السيادة في الفكر العربي الإسلامي من الفارابي الى ابن سينا أدى بدوره الى ظهور جيل من المفكرين اليهود يتبع مدرسة ابن سينا الفلسفية يقف في مقدمتهم جودا الليفي وإبراهيم بن عزرا ويوسف القرطبي وخصوصاً الفيلسوف الكبير أبو عمران موسى بن ميمون المولود في قرطبة والمتوفى في القاهرة. فهذا الفيلسوف اليهودي الذي عاصر ابن رشد، قدم أهم مؤلف فلسفي في تاريخ الفلسفة اليهودية حتى مجيء العصر الحديث وهو "دلالة الحائرين" الذي كتبه باللغة العربية. وللأهمية الاستثنائية لهذا الفيلسوف يخصص المؤلف فصلاً طويلاً لتحليل مسيرته الفكرية ومنظوراته الفلسفية.
نستطيع مما تقدم ان نرى بشكل يسير ان الفترة الذهبية لتاريخ الفلسفية اليهودية والمتموضعة زمانياً بين القرن التاسع والرابع عشر الميلاديين ومكانياً في عواصم الحضارة العربية الإسلامية بغداد وقرطبة، هي نتاج مباشر للتعايش مع المسلمين من جهة والتطور العلمي والفلسفي الذي حققه العرب والمسلمون من جهة أخرى.
كما نلاحظ ان التطور الداخلي لتاريخ الفلسفة اليهودية ذاك مدين بشكل مباشر لتأثير تطور أسبق في تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية ومراحله الكلامية والفلسفية المتعاقبة. وهذه الاستنتاجات نجدها واضحة بشكل اكيد في الكتاب. اما انتقاداتنا حوله فيمكن اختصارها بالقول ان فايدا لا يأخذ بنظر الاعتبار ان العديد من الأسماء التي ذكرها (كأبي البركات وابن كمونة وغيرهما) هم مفكرون من أصل يهودي فقط وليسوا يهوداً ما دمنا نعرف بانهم اعتنقوا الإسلام ودافعوا عنه ضد خصومه حتى من اليهود وهذا ما تشهد عليه مؤلفاتهم ذاتها. وما يلفت الانتباه بشكل مثير ايضاً هو ان فايدا لا يهتم بالتمييز بين المفكر الفلسفي والمفكر اللاهوتي بشكل جعله يعتبر فلاسفة كثيرين ممن ذكرهم في حين انهم مجرد لاهوتيين صريحين احياناً في رفض الفلسفة منطلقين فيه عن موقف ديني صارم ضد الفلسفة بشكل عام.
ونلاحظ اخيراً الميل الغريب لدى فاديا بإنشاء علاقة مباشرة بين المفكرين اليهود في بغداد وقرطبة وبين الفلسفة الأفلاطونية والأرسطية بينما تؤكد المصادر الأصلية بأن هذه العلاقة لم تكن مباشرة قطعاً انما كانت عبر تبني وتطوير الفلاسفة العرب والمسلمين لعدد من مبادئ الفلسفة الإغريقية.



اضف تعليقك
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون