مسرح
2013/04/29 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1358   -   العدد(2785)
قصتي مع السيبرنطيقا ..الممثل الخطيب


د. جبار خماط حسن

  تتطلب عملية الضبط الاتصالي في الوحدة الأدائية للمثل على خشبة المسرح ، توافق الأداء مع مقترحات الصورة المسرحية التي يهدف إلى إيجادها المخرج ..وللتوصل إلى معرفة مستويات الأداء الاتصالي ومستويات الضبط فيه ، ندخل إلى منطقة الأداء لدى الممثل اليوناني القديم وهل تمكن من إيجاد مساحة اتصالية مكنته من ضبط عملية الإرسال الداخلي على خشبة المسرح فضلا عن إيصالها إلى الجمهور. فالتمثيل الإغريقي يعد  أولية ذات شكل تنظيمي بسيط يعتمد كيفية اتصالية تقوم على إنتاجها ثلاثة عناصر تعمل على نحو ميكانيكي لا عضوي ما بين النص والممثل والجمهور . وقبل الخوض في الأداء الضبطي للممثل الإغريقي.. ينبغي التمييز ما بين الميكانيكي والعضوي ، فإذا كان سلوك العنصر يعمل بذاته دون الاتصال بالكل أصبح العمل ميكانيكا  ، وفي حالة اتصاله مع العناصر الأخرى لأنه جزء من الكل أصبح هذا النشاط عضويا . ولأجل معرفة ماهية عمل هذه العناصر الثلاثة، ينبغي التوصل إلى فهم علمي يهيئ لنا قابلية ضبط الوظيفة الاتصالية ما بين  الممثل والنص أولا ، والذي يعد بذاته – النص – محورا إعلاميا يستند على تقنية التبادل اللغوي ما بين الشخصيات ،إذ أصبح الحوار الدرامي بديلا عن السرد الذي كان سائدا في المتن الملحمي . فالنص الدرامي الإغريقي يعد نظاما شعريا يعتمد التعبير عن الخارجي والراهن المعاش من القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي هي مواد أولية تساعد على إنشاء النص الدرامي الإغريقي.، فالمسرح والتراجيديات الإغريقية تمثل إحدى الوظائف المميزة للنظام السياسي (الديمقراطي) الذي كان سائدا في القرن الخامس قبل الميلاد، والتي تكيفت مضامينها والشكل الدرامي المعبر عنها مع البيئة الاجتماعية التي تنتسب إليها. ولم تكن المأساة في أثينا من الشؤون الدنيوية أو الأعمال التي تتكرر طوال العام، بل كانت جزءاً من الاحتفال السنوي بعيد (( دونسيوس)) وكانت هذه الجوقة أهم عناصر التمثيل وأكثرها نفقة من عدة وجوه. وكثيراً ما كانت المسرحية تسمى باسمها، وعن طريقها كان الشاعر في أكثر الأحيان يعبر عن آرائه في الدين والفلسفة.
     وكان للموسيقى في المسرحيات اليونانية شأن لا يعلو عليه إلا شأن الشعر والتمثيل ، وكان المؤلف هو الذي يضع عادةً موسيقى المسرحية كما يضع ألفاظها ، وكان معظم الحوار يلقى بشكل أحاديث أو خطب حماسية، وكان بعضه ينشد، ولكن الأدوار المهمة كانت تحتوي على قطع غنائية يؤديها شخص واحد أو شخصان أو ثلاثة أشخاص معاً، أو تنشد مع النشيد الجماعي أو تتعقب معه ، وكان الغناء بسيطاً غير مقسم إلى أدوار أو ألحان متوافقة. وكان يصاحبه في العادة نفخ في الناي يوافق أنغام المغنين نغمة بعد نغمة. وبهذه الطريقة كان في وسع المتلقين أن يتابعوا ألفاظ القصيدة دون أن تضيع في نغمات الغناء. وليس في وسعنا أن نحكم على هذه المسرحيات بقراءتها قراءة صامتة، ذلك أن الألفاظ عند اليونان لم تكن إلا صورة فنية معقدة ينسج منها الشعر، والموسيقى، والتمثيل، والرقص، وتتألف منها كلها وحدة عميقة متحركة.. ولكن المسرحية رغم هذا هي أهم شيء، والجائزة تمنح لها أكثر مما تمنح للموسيقى، وتمنح للتمثيل أكثر مما تمنح للمسرحية؛ وكان في وسع الممثل الماهر أن يرفع من شأن مسرحية متوسطة فتفوز هي بالجائزة(26). ولم يكن الممثل - وهو دائماً من الذكور - شخصاً محتقراً كما كانت الحال في روما؛ بل كان يكرم أعظم تكريم، فيعفى من الخدمة العسكرية، ويمر آمناً بين صفوف الجند في زمن الحرب. وكان يلقب ((هيبكريتسس))  Hypokrites، وكان معنى هذا اللفظ عندهم هو المجيب، أي المجيب على النشيد الجماعي. لذلك تطلب أداء الممثل الإغريقي خطا ارساليا مباشرا نحو الجمهور بهدف ضمان التوازن ما بين الأداء التمثيلي الاتصالي وطبيعة الأهداف الناتجة عنه . وانسجاما مع نمط الكتابة الدرامية الإغريقية فان عملية الإنتاج المسرحي انقادت الى نفس ضرورات انتاج النص الدرامي ، فالمسرح الإغريقي نشاط فني جديد يستند إلى مبادئ أهمها :
إن المسرح مؤسسة تعليمية
إن التراجيديا نوع من أنواع الصراع الداخلي للمجتمع الإغريقي .
إن مسرح الاحتفال بدولة المدينة (أثينا) هي أفضل دعاية لها وبالتالي لا يسمح لأي شاعر أن يستعمل هذه الأداة كما يحلو له .
وبالتالي كان المسرح الإغريقي موجها في مضامينه التي ينبغي أن تتوافق مع مضامين الدولة الحاكمة آنذاك . ولهذا كان لعملية التبادل الوظيفي لعناصر العرض المسرحي ، الضامن الأساس لحمل فكر الدراما إلى الجمهور بوساطة الكلام المرسل . وبالتالي كان للعناصر المادية التي تعمل على خشبة المسرح ما هو أساس ورئيس كالصوت ومنه ما هو ثانوي كالحركة . وعليه تكون الوظيفة الاتصالية للمثل الإغريقي تتم بوساطة الصوت لأن الإيماءة والحركة كانت محدودة، وتعبير الوجه يختفي وراء القناع والمسرح كبير لا يسمح بالرؤية . اذا كان أداء الممثل الإغريقي خطابيا مباشرا يعتمد ضرورة جعل الرسالة اللفظية ذات المحتوى الفكري واضحة وسهلة الفهم ومنقولة بوسيلة مألوفة كالصوت ، لذلك كان الممثل الإغريقي يهتم بالسيطرة والتحكم والمهارة الأدائية العالية لفنون القول ، والتي تشترك جميعا في نقل الرسالة .ومما تقدم يمكن عد الممثل الإغريقي خطيبا لأنه يمزج ما بين تقنيتي الأداء التمثيلي وفنون الخطابة .  أما فن التمثيل الإغريقي فيمكن تعريفه بأنه : فن تحويل الدراما الإغريقية بواقعها الديني والطقسي للغة الى فعل كلامي مباشر يقوم به الممثل على الخشبة .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون