عام
2013/07/01 (01:01 مساء)   -   عدد القراءات: 532   -   العدد(2832)
أزمة المثقف العراقي في عزلة اورستا
أزمة المثقف العراقي في عزلة اورستا


مازن المعموري

المنافي التي احتضنت المبدع العراقي في كل أنحاء العالم , أصبحت فرصة للمراجعة واكتشاف الذات مرة أخرى بعد طول معاناة مع الهروب والتشرد والبحث عن خلاص أخير من جحيم الوطن , لكن هذا الجحيم لم يغادر لأنه لم يكن خارج ذات ابدا , ولم يكن الإنسان العراقي بكل تفاصيله مثقفا وعاملا وأرستقراطيا وحاكما , سوى حطب لإشعاله استمر اكثر من نصف قرن مضى .
يستغرق الراوي في البوح عبر تداعيات الذات المحبطة والعدمية , النستالوجيا التي أحاطت بشخصية لا يمكن ان تغادر الماضي , او انها لا تسطيع ان تعيش لحظة انفراج من حصن الانا الى الذوبان في نسق جديد للمرآة التي تعكس نزوع ذات الانا النرجسية والخاسرة في جنسانية معقدة تعيق حركة التواصل مع العالم , والركون الى انشطارية او تعدد ذوات الراوي نفسه , حيث يتساءل قاسم شريف ( كيف انتهينا من أحلام الثورة الى أحلام الجنس؟) فيقول الراوي ليس هناك تقاطع بين الجنس والثورة لكن المشكلة في العدمية . (56) ولكن أي عدمية تلك التي تثير حوارا ساخنا من نوع خاص , حيث يلجأ الراوي الكاتب الى استحداث لعبة جديدة تعتمد تمركز الراوي وحواره مع أبطاله واحيانا يلجأ الى التواصل مع كاتب اخر والحديث عن مصير شخصيات الرواية , اذ يتحاور الراوي مع الروائي بيتر بريست عن شخصيات روايته نتاليا وكاترين وقاسم شريف ويوسف البابلي ( 178) تحت طائل رؤية فكرية تعتقد ان وظيفة الرواية هي الكشف ( 143) , ومن هنا نرى الشخصيات بما فيهم الروائي يتحاورون بمختلف المحاور التي عملت على قلب المجتمع العراقي وتدميره , ومن ثم الوصول الى ما عليه تلك الشخصيات من عدمية مفرطة .
يناقش حمزة الحسن تاريخ الانقلابات السياسية ومحنة الحرب , يتحدث عن المأساة واسبابها عبر تداخل شخصيات الرواية واستدعاء صور الماضي في القبو الذي يجمع التاريخ , او المكان الذي يحمل جغرافيا الشخصيات المترامية بدأ بالعراق الى ايران الى اوربا وغيرها من المدن العالقة في ذاكرة الراوي وما تثيره الشخصيات الاخرى من عقد الفشل والإحباط وترسيم علاقاتها الجنسية التي تحولت الى مهرب اخير لا غنى عنه , او انه البديل الموضوعي لنهاية مطاف غير محسوب , فهو يقول على لسان احد الشخصيات " أنت اذن في مواجهة جنس عاجز ويائس دائما ( 109)" لكن هذا الإحساس القاتل لا يتوقف عند حد , فهو يمرر فلسفته حين يقول ( يكفي ان أتصالح مع جسدي وتنتهي المشكلة ) 112 , اذا هي مشكلة جسد .. تلك التي وقفت على أطلال الخراب الدامي لتاريخ طويل من الدم المسفوح على ارض الرافدين ,والحقيقة فان المقولات التي عرضها الروائي كمثقف يحاكم نفسه والمجتمع على حد سواء اختزلت مشكلة ضياع الإنسان العراقي في عصر الدكتاتورية , لكن المثقف يبقى في الواجهة دائما وهو يتحمل الكثير من أعباء السقوط والفشل .
تبدو المهمة صعبة وهو يفكر في المصالحة مع الذات اولا ( 112) وهذه المصالحة تقع على مراجعة التاريخ المر الذي اشترك في صناعته المثقف العراقي في ضوء اخطاء الصراع مع السلطة , فالسلطة ليست مؤسسة وثكنة وسجنا فحسب , بل بنية لغوية ومعايير , انها مفارقة ان تجد قاتلك في انتظارك بعد كل حالات الفرار المتواصل من بلد الى اخر ( 139) , المثقف العراقي فتح فوهات النار عليه مع اول اطلالة على ما جرى , لاننا ( لا نعرف ظاهرة المثقف المختلف في تاريخنا السياسي , المثقف بلا تقاليد , لا يراجع , لا يعيد النظر , لا يتضامن مع اخر ) 142 , وربما نستطيع القول ان الضباط والمثقفين صنعوا تاريخ الحزن واشتركوا في ضياعنا , فهو يشير الى ان كلا من (فاضل العزاوي القادم من كركوك مع سركون بولص ومؤيد الراوي وانور الغساني وجان دمو وصلاح فائق الى الاب يوسف سعيد من الموصل , الى ابراهيم زاير النازل من العمارة وسعدي يوسف القادم من البصرة , عبد الرحمن طهمازي من سامراء , هذا المخاض اسفر عن اقذر فاشية على وجه الارض , كيف يمكن تفسير الجريمة ؟ اين كان المثقف والكاتب والشاعر ؟ ( 169) أليس هذا جلد للذات بشكل قسري ؟ لا يمت الى حقيقة الواقع باية صلة, وانا هنا لا اريد ان اعفي المثقف من المسؤولية ولكن المثقف العراقي وجد نفسه محاطا بفضاء مؤدلج ورجراج لايمكن الفكاك منه , وهو ما عطل استقلاليته بمقابل انتمائه الحزبي , لذا نراه وقد استعار راي فاضل العزاوي حيث يجيب الراوي على لسان يوسف البابلي ( كانوا اطفالا مبهورين كما عبر عنهم فاضل العزاوي في كتابه الروح الحية عام 1997 ( 170) , لكن الروائي هنا ( المثقف المدحور الذي يأخذ دور الراوي ) لا يميز بين مشروع تأسيس دولة وبين مشروع المثقف الشخصي كمبدع ومفكر , وهو الأمر الذي كثيرا ما نراه وقد اختلط في حوارات مختلفة حول جوهر الأزمة التي نشأت مع إعلان الجمهورية العراقية عام 1958 , تلك المرحلة التي ولد منها المثقف المؤدلج منشطرا على نفسه منذ البداية بين الانتماء الى حزبه او الانتماء الى مجتمع لا يفهمه لانه يعتقد ان على المجتمع ان يمشي ورائه مغمض العينين مؤمنا ان مجتمعه متخلف وغير مؤهل للتواصل معه .. وهكذا صنع المثقف العراقي منذ البداية عزلته كما صنع السياسي عزلته بنفس الطريقة , وهو واقع ما زلنا نعيشه حتى الان .
المثقف يلقي اللوم دائما على السياسي الذي تحول الى عدو وجلاد بسبب رؤية المثقف النقدية وروح التمرد التي وشمت صورته , لذا نرى ان السلطة قد حطمت خيوط التواصل مع المجتمع , وكان اول تلك الخيوط المهمة هي تدمير المكان الثقافي الذي تمثل في صورة ( المقهى ) وكلنا يعرف ما لهذه المقاهي من اهمية في لمّ شمل الناس واجراء الحوارات مع رموز الثقافة العراقية , وكانت الكثير من التظاهرات والثورات قد انطلقت منها او تحت تأثير روادها المثقفين مثل مقهى حسن عجمي ومقهى المعقدين والشابندر والزهاوي وام كلثوم وغيرها .
لقد غيرت الانقلابات والحروب جغرافيا المكان البغدادي , وهذا التغيير استدعى بالنتيجة الحتمية مسخ الشخصية , او خلخلت البنية الطبقية للمجتمع العراقي , وهو ما حصل مع تغيير الحكم الملكي وتأسيس الجمهورية عام 1958 ونزوح فلاحي الجنوب , وفيما بعد , انقلاب البعث على عبد الكريم قاسم ونزوح البدو اليها من المنطقة الغربية , والحقيقة فان هذا التغيير جاء ليؤشر تغييرا ثقافيا للمكان , وفي الثمانينات جاءت الحرب لتحول المدينة الى ثكنة عسكرية كما هو حال كل المدن العراقية , فمسخت الشخصية العراقية وانجبت أنماطا جديدة اجتماعية وثقافية قائمة على أساس الانتهازية , حيث اصبحت الطبقات الرفيعة المستوى هي العوائل القريبة من صورة الدكتاتور وارتباطهم بمصالح خاصة , مما اسهم في هدم الهرم البنيوي للمجتمع , في حين استبدل الدكتاتور البنية التحتية من عمالة وصناعيين وفلاحين بالعمالة المصرية التي واجهت رفضا حادا من قبل العراقيين بشكل عام برغم تحذير الرئيس في ذلك الوقت من المساس والتعرض بالأذى لأي مصري .
ما اريد قوله , هو ان المثقف العراقي كأي مواطن في العراق تعرض هو الاخر الى هدم انساقه ومكونات بنائه العام , فما حصل من قتل وتهجير لأعلام الثقافة العراقية بدأ بهجرة الرعيل الاول منذ السبعينات مثل الجواهري وسعدي يوسف وغيرهم من رموز الثقافة العراقية وحتى الان بدون استثناء , اسهم في غياب الوعي النقدي وكرس النموذج المهادن والضعيف تحت طائل مبررات لا نهائية للسقوط بين براثن الموت وتفريغ الخطاب الإبداعي من محتواه الإنساني , وفي هذه الرواية المهمة للروائي حمزة الحسن وجدنا المثقف العراقي وهو يمارس جلد الذات ويحاول ان يقول كلمة حق في نهاية الخراب العراقي ( أنا اكتب كي لا أموت موتا تافها وكي أظل بريئا وكي اعري هؤلاء لانهم وحوش وحثالات وقتلة ) 183 نعم انهم القتلة الذين يمارسون ذات اللعبة التي وضعتنا في الجحيم .


اضف تعليقك
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون