مقالات رئيس التحرير
2013/08/16 (22:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1566   -   العدد(2867)
عودة إلى إنتاج الإرهاب أميركياً:من القاعدة في أفغانستان إلى خيمة وحاضنة لأخونة العالم العربي
عودة إلى إنتاج الإرهاب أميركياً:من القاعدة في أفغانستان إلى خيمة وحاضنة لأخونة العالم العربي


 فخري كريم

أسفرت الولايات المتحدة الأميركية عن وجهها الخفي، غير المعروف على وجه عام، المتورط في تدمير بُنى الدولة المدنية في مصر والعالم العربي، فقد انكشف مخططها المتواطئ مع الإخوان المسلمين في مصر وتنظيمهم الدولي، ليس بمعزل عن إسرائيل كما تؤكد الوقائع الدامغة، خلال عام واحدٍ من رئاسة المعزول محمد مرسي.
والاستراتيجية الأميركية، كما تفضحها السياسة المعادية للشعب المصري، والممالأة للإخوان والسلفيين التكفيريين، الذين لم يخف أحد من قادتهم، وهم يتناوبون الخطابة على منصة رابعة العدوية والنهضة، استعدادهم لتدمير مصر وتحويل كل "واحد من عشرة" من أنصارهم الى "جهادي" يتزر بالأحزمة الناسفة، ليفجروا أنفسهم بين المصريين والمؤسسات المصرية! وان لم يكن توصيف هذا هو الإرهاب والتكفير، فكيف يكون ذلك من وجهة نظر القيادة الأميركية؟

وواضح ممّا يجري في مصر وردود أفعال القيادة الأميركية في البيت الأبيض أو في الحزب الجمهوري "المعارض"، ان هذه القيادة استطاعت خلال السنوات الماضية، وليس بعيداً عن مأزقها بعد ١١ ايلول وتفجير برجي التجارة العالمية، عقد صفقة سرية مع تنظيم الإخوان الدولي، مجسدا في مشروع إخوان مصر، ومعبّراً عنه في وصول اخوان تركيا، وقبل ذلك تكريس حكم مشيخة قطر المرتهنة إرادتها كلياً بإسرائيل. وجوهر الصفقة يتمثل في دعم اعادة اصطفاف سياسي يؤدي الى استيلاء التنظيمات الاسلاموية على السلطة في البلدان المقررة استراتيجياً، وفي مقدمتها مصر. ويمكن التعرف على هذا التطور في نهج الولايات المتحدة من مسار الحياة السياسية التي شهدتها مصر، منذ حكم السادات الذي اعتمد على اطلاق مساحات مفتوحة أمام نشاطات الإخوان والتجمعات الإسلامية الحليفة لهم، ثم ارتداده عليهم، مروراً بمراحل تطور دور الإخوان في ظل حكم حسني مبارك، وتصاعد دورهم في الحياة السياسية العلنية، باتفاقات سرية مع جهاز المخابرات المصري، على التزامهم بالحصة المقررة لهم في الانتخابات التشريعية، حيث بلغت قبل آخر انتخابات "مزورة" في عهد مبارك، اكثر من ثمانين نائبا إخوانياً. ويتضح المخطط الأميركي بشكل صارخ وعلني، من الضغط الذي مارسته الإدارة الاميركية بكل مراكزها، بدءاً بالبيت الأبيض والخارجية والبنتاغون والسي آي أي، لإمرار فوز محمد مرسي والإقرار بفوزه حتى قبل إعلان النتائج النهائية للانتخابات.
وفي خطٍ بياني عربي واقليمي دالٍ على الاستراتيجية الاميركية، الحاضنة للاسلام السياسي في المنطقة، تظهر قطر "بعد انقلاب الولد على ابيه" الذي قيل حينها انه كان بدعم مباشر من اسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة ومخابراتها، وتحول الجزيرة "النانوية" مساحة وسكاناً، الى اكبر قاعدة للولايات المتحدة في العالم، وأهمها وأخطرها من حيث التجهيز والعدد والقوة النارية والجاهزية. بالاضافة الى احتضان الجزيرة لمنصة استخبارات وتنصت، لها ولإسرائيل. ولابد في هذا السياق تحديد الدور الإعلامي والسياسي لقناة الجزيرة التي اصبحت محرضاً ومعبئاً، في اتجاهين متلازمين تحت شعار مخادع اصبح الآن مكشوفاً لمن كانوا عوناً لها، تجاه "فضح الانظمة الدكتاتورية الشمولية"، لم تنج منه المملكة العربية السعودية وبلدان خليجية، مقابل تسويق مباشر للتيارات الاسلاموية، الإخوانية بالدرجة الرئيسية، واعتماد الشيخ المنافق الطائفي "القرضاوي" رمزا تبشيريا في حملة التسويق، وبناء قاعدة سياسية ومالية وشبكة علاقات واتصالات له في المشيخة بمباركة أميركية - إسرائيلية، بصفته رئيس التنظيم الدولي للإخوان.
وهل يغيب عن البال، أو يمكن غض الطرف عن مكونات أخرى في إطار الاستراتيجية الأميركية الإسرائيلية، مثل دور قناة الجزيرة في ترويج بيانات ورسائل زعيم القاعدة بن لادن، والسبق الذي كانت تحظى به او انفرادها في الوصول اليه وإجراء المقابلات معه، ومع اخرين من دعاته وانصاره؟ وهل تغيب عن هذا المخطط الاستراتيجي، صورة ادارة الجزيرة والقيمين عليها، الذين ينتمي جلهم إلى الاخوان وانصار الجماعة؟
وقد تساق مواقف ومشاهد مناقضة لهذا التوجه، في ما قامت به قناة الجزيرة في العراق اثناء وبعد سقوط نظام صدام حسين وفرض الاحتلال الاميركي دولياً على العراق. ولكن هل في تلك المواقف التي حرضت على الفتنة والارهاب والقتل على الهوية والنقل المباشر للعمليات الارهابية، والتحريض على الحرب الاهلية وتقسيم البلاد على اساس طائفي، لاول مرة والترويج لها.. هل في تلك المواقف تعارض فعلي مع الاستراتيجية الخفية للولايات المتحدة، ام العكس تماماً، اذ هي تكريس لمفخخات سياسية تعتمد التفريق والفصل الطائفي والمكوني في العراق، كما في البلدان العربية الأخرى؟
إن عشرات الاسئلة الممضة طرحت آنذاك، ومنها: كيف يمكن الجمع بين انطلاق العمليات العسكرية الاميركية من قاعدتها في قطر لدك مواقع النظام في العراق، والسماح للوجوه الاخوانية القبيحة لمذيعي الجزيرة، بالتسلل الى الفلوجة والانبار، وترويع العراقيين بعرض مشاهد التحريض على الفتنة والقتل والتفجير، والمواجهات الطائفية؟
ولا يكتمل تفكيك الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، دون تسليط الكاشف على وثوب الإخوان المسلمين في تركيا إلى السلطة، في "مهرجان شعبي" يبدو كأنه حامل أمين لدولة مدنية، بزعامة اخوانية "وسطية"؟
ولنأخذ في هذا السياق موقع اهم مفصل في أولويات المصالح الحيوية للولايات المتحدة واسرائيل في المنطقة، المتمثل في حماية امن اسرائيل وتسويق التطبيع معها ومقارنة تأمين ذلك، من قبل "حكم اسلامي اخواني" له امتداد عربي وإسلامي، ويتفنن في البراغماتية "المخادعة"، وحكومات مكروهة عربياً واسلامياً، لكونها متحالفة مع إسرائيل.
واذا ما عدنا الى المشهد المصري المتأزم للغاية، بسبب تعرض الدولة والجيش المصري الى مؤامرة خطيرة تستهدف الاجهاز عليهما وتفكيكهما، لصالح الاستراتيجية الاميركية الاسرائيلية، بتمكين الاخوان على تنفيذ ذلك، فان الحملة الانكشارية الجارية الان في واشنطن، والعواصم الاوربية السائرة في فلكها، تحاول امرار خديعتها المكشوفة بالدفاع عن حقوق الانسان، وحرية التظاهر والاعتصام والدعوة الى المصالحة الوطنية، دون ان تلتفت الى اكثر من ثلاثين مليون متظاهر مصري غطوا شوارع وميادين القاهرة والمدن الاخرى، وهم يفضحون نهج الرئاسة الاخوانية في قتل المتظاهرين والمعتصمين في الاتحادية والتحرير والميادين الاخرى، ويطالبون برحيل مرسي واسقاط حكم المرشد. واذ يطالب اوباما باطلاق سراح المعتقلين بأحكام قضائية تخص جرائم جنائية، ينسى ملاحقته لـ"إرهابيين" في سائر انحاء العالم، بشبهة تخطيطهم لعمليات إرهابية مفترضة. كما يتناسى ما كانت تفعله قواته في بغداد والمدن العراقية وهي تتجول في الشوارع وتدوس بآلياتها على سيارات المواطنين، وتطلق النيران عليهم بحجة أنها تعيق حركتهم، وتشكل مصدر خطر على حياة جنودها.
إن المبعوث الرئاسي الفاشل ماكين، عبر عن جهل مميت في معرفة الخارطة السياسية في مصر، كما افتضح هذا الجهل حين قيامه بنفس الدور في العراق، ومحاولته املاء مواقفه على العراقيين، اكثر من مرة. وتبدو سياسة البيت الابيض في ظل زعامة اوباما، الذي اظهر "وجهاً ديمقراطياً" اثناء وبُعيد نجاحه في الانتخابات، ابعد ما تكون عن "الواقعية" المبنية على مبادئ حقوق الانسان والامم الحرة، وسيادة واستقلال وحرية الدول وخياراتها في التطور والتقدم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وربما يتجاهل اوباما معايير التوازن بين مصالح الولايات المتحدة واحترام مصالح الشعوب والدول الاخرى، وتجنب الاملاءات عليها. كما يتجلى في رصيد سياسة اوباما في العراق واليوم في مصر، استدراجها الى اخطاء استراتيجية قاتلة، لفشلها الاعتماد على قاعدة معلوماتية دقيقة في رسم سياساتها ونهجها في الخارج، وهذا ما اكتشفه العراقيون بوضوح عبر احتكاكهم بالأساليب والوسائل والأدوات التي كانت السفارة الاميركية وممثلوها، وقبلهم الحاكم المدني بريمر، يعتمدونها في اتخاذ قراراتهم في العراق. والخراب الذي يتخبط فيه اليوم يعود في جانب أساسي منه الى مخلفات ذلك النهج وتلك السياسة.
على البيت الابيض ان يدرك بأن ظروف مصر، ليست مماثلة لظروف العراق، ولا قطر ولا حتى تركيا. وان الشعب المصري اثبت في ٣٠ يونيو (حزيران) بأنه اقوى من التطويع، وان وهم تركيعه بتهديدات "قطع المعونة العسكرية والفتات" عنه، إنما هو تعبير عن سياسة "دولة فاشلة" لا تعرف معنى ارادة الشعوب والامم المصرة على تأكيد ارادتها وسيادتها وحرية خياراتها التاريخية. وامام مصر خيارات مفتوحة، اقلها علقم على الادارة الاميركية وحلفائها في الغرب.
ومثلما تحولت استراتيجية الولايات المتحدة في تبني "الجهاد الاسلامي" في أفغانستان، إلى مصدر قلق دولي على أمنها ومصالحها الحيوية، فان أوهامها في الاعتماد على "الخيار الوسطي الاخواني"، سيشكل نقطة تحول في وجودها الاستراتيجي في المنطقة، ومهما حاولت فان العد التنازلي لنفوذ تيار الاسلام السياسي قد بدأ بقوة، لان أياً من أحزابه وتكتلاته لا تمتلك اي برنامج للاصلاح والبناء ومعالجة الخلل البنيوي في المجتمعات العربية والاسلامية، سوى العودة بها الى القرون الظلامية وتجريدها من إرادتها وتدمير نسيجها الوطني، وتحويلها الى كانتونات وولايات على عدد المذاهب والفرق التكفيرية.



تعليقات الزوار
الاسم: علي عبد علي
بعد ان هاجمت القاعدة - وهي امريكية الصنع طبعا - امريكا في عقر دارها، تصور الكثيرون بضمنهم انا بان امريكا قد تعلمت درسها في عدم جدوى دعم الارهاب الاسلامي في العالم. و لكن هيهات ثم هيهات! ان الدعم الامريكي للارهاب الاسلامي في العالم قد تضاعف مئات بل الاف المرات بعد الحادي عشر من سبتمبر. و ما المواقف الحالية لامريكا و ذيولها في اوروبا في دعم الاخوان و غيرهم من فروع الاسلام السياسي بشقيه السني و الشيعي، الا دليلا قاطعا لذلك. و ليس هناك اختلافات واضحة بين الاحزاب الامريكية و الغربية بشكل عام في ذلك، فالكل يؤيد الارهاب الاسلامي في العالم. السؤال المهم في هذا الصدد هو : لماذا كل هذا الدعم - غير المنطقي ظاهريا على الاقل - للاسلام السياسي و قوى الارهاب الاسلامي في العالم من الغرب؟ الجواب الساذج على هذا السؤال هو المصالح. و لكن الامر اكثر تعقيدا بكثير، فالغرب يحاول منذ عقود تسويق الاسلام و انصاره و افكاره في العالم في بلدان الغرب قبل غيرها من بلدان العالم. الغرب ببساطة يحاول اسلمة العالم منذ قرن و ما المواقف الحالية للغرب الا جزءا ضئيلا من سياسة الغرب الشاملة في مشروعه الكبير - مشروع اسلمة العالم- المشروع الذي خطط له مخططي الاستراتيجيات الغربية منذ عقود و ينفذه اوباما و الغرب حرفيا منذ سنوات اعتقادا منهم بالاتفاق الكامل بين الاسلام و الرأسمالية التي وجدت في الاسلام ملاذها الاخير قبل ان تلفظ انفاسها الاخيرة بشكلها الكلاسيكي المعهود!!
الاسم: علي العراقي
احسنت والله انت فخر وكريم عشت لنا وللمدى وتشفي صدورنا رغم المأساة التي نعيشها
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون