مقالات رئيس التحرير
2013/08/21 (22:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2936   -   العدد(2872)
مثلث تجفيف منابع الإرهاب
مثلث تجفيف منابع الإرهاب


 فخري كريم

تتخبط السلطة السياسية العراقية، في تدابير وإجراءات عشوائية الطابع، تفتقر الى رؤيا شمولية وستراتيجية توحد العناصر المكينة، وهي تتصدى منذ سقوط الدكتاتورية السابقة، لمحاصرة الإرهاب وتصفية المنظمات الإرهابية المسلحة، وتجفيف منابع إنتاجها.
فالمنطلق لكل القرارات التي اتخذت على هذا الصعيد، منذ هيمنة الإدارة الأميركية للاحتلال، حتى بزوع فجر السلطة القائمة منذ سبع سنوات عجاف واكثـر قليلاً، تُركز على عسكرة البلاد ووضع مدننا كما لو أنها في حالة حرب وشيكة. وتمثلت على الأرض في تضخيم غير مسبوق لقوام الجيش والقوات المسلحة والأجهزة الأمنية والمخابراتية، وتحصين مناطق بكاملها كثكنات وقلاع مسيجة بكل أنواع الحراسات البشرية والأجهزة الكاشفة، وان كانت "فالصو"، ومحاطة بالجدران الكونكريتية والحواجز الثابتة او الطيارة، التي يستفيد منها احياناً بعض الخاطفين واللصوص.

وفي تدابير موازية، جرى ببراعة تخريب السياج الأمني الوحيد، الفعال والكفيل بردع الإرهاب، وتحقيق السلم الأهلي والاستقرار. وتَخَرّم ثم تآكل هذا السياج الواقي مع تصاعد الصراعات والتنافس على جني المكاسب السلطوية، والانخراط بلا رادع سياسي او أخلاقي او وازع من ضمير، في حُمّى الفساد المالي والإداري ونهب ثروات البلاد، عبر مختلف الصيغ التقليدية والمبتكرة. 
وفي مجرى هذا الصراع المحموم، غفلت قوى العملية السياسية المقررة لوجهة تطور البلاد، عن ان تعميق الصراع وتدويره وفتح أبوابه على نهايات مبهمة، لن يجعل من الممكن استمرار الوضع على ما هو عليه، ولن يؤدي الى تسكين حالة الاستياء والتذمر الشعبي، وبالتالي لن يوفر القوى مجتمعة ومنفردة، من النتائج التي تتمخض عنها دون ادنى شك، ومهما تباطأ الزمن السياسي، وبدا في حالة تواطؤ وتعويم. 
واذ يرى ساسة البلاد، لا فرق كثيراً بين من هو متسلط او مشارك سلبي، وبين من يتبادل المواقع والمواقف في الردح المعارض، شلل الإدارة العامة وعجزها عن تطويع الآليات الكفيلة بمعافاة الحالة الحكومية، المشمولة بحماية دستورية طائفية، فانهم يتغافلون عن رؤية المخاطر الاستثنائية للتدهور الأمني، وانفلات اذرع الإرهاب وعبثه بحياة المواطنين وممتلكاتهم وأقدارهم، في كل الاتجاهات. وان الإرهاب وأدواته ووسائله، لا تشكل منصات نجاة سياسية لأي منها، زعماً بإمكانية تطويقها ووأدها حال الانتهاء من استخداماتها في الصراع على السلطة، سواء في كسب التعاطف لمن هو صاحب القرار ويدعي استهدافه من الآخرين، او للرادحين في المعارضة غير المبالين بما يشكله تمدد الارهاب وتعدد مواقعه وأساليبه وأهدافه، التي تنوش في كل الحالات الناس الأبرياء المدعوين الى يقظة ووعي، ولو جاءا متأخرين.
ان انفلات الإرهاب وتحوله الى لاعب أساسي في الصراع السياسي، على طرفي المواجهة، لم يعد من حيث الأسباب والدوافع والمعالجة، خافياً على ابسط المواطنين ممن علمتهم الفطرة السليمة وتوالي النكبات على مر العهود والدكتاتوريات، السياسة وأساليبها الملتوية، وزلّاتها ومكائدها. وهم من ذلك يستخلصون اليوم ان المشهد السياسي المتكون، لا يجمعه مع مصالح كل المكونات المجتمعية العراقية جامع. ويدركون بهذه الفطرة الشعبية، ان القتلة بالمعنى السياسي، لا يحملون هَمَ الطائفة السُنّية ولا يعبرون عن مصالحها ومستقبلها، وان كانوا من حيث الانتماء المذهبي سُنّة، مثلما ان من يدعون التصدي لهم من موقع السلطة بالمعنى السياسي، ليسوا حملة الهمّ الشيعي او مدافعين عن المصالح الشيعية، بل هم مجرد مهووسين بكرسي السلطة وامتيازاتها ومباهجها. وبات كل عراقي وطني مهموم، منزه عن الدوافع الدفينة لهذا الصراع الملوث بالفساد، يعرف أن ما يُدار في سياق عمليات التصدي للإرهاب، لا علاقة له بما ينبغي اعتماده من أساليب ووسائل مكينة وقادرة على ردعه واجتثاث جذوره. وان مظاهر الاستنفار العسكري والأمني وخلافه من الأساليب البوليسية المنتهية صلاحياتها، لن تستطيع تحقيق سوى المزيد من الإخفاق والإحباط والتضييق على حياة المواطنين الآمنين اليومية، وتكريس ترويعهم، وهم يتلمسون كل لحظة سمعاً وبصراً ومتابعة، كيف ان الدولة بكل جحافلها وأجهزتها ومعداتها ووسائل إعلامها، تتحول في كل منازلة مع خفافيش الإرهاب، الى خرقة بالية وفزاعة مكشوفة، لا تأثير ولا قيمة لها.
الإرهاب المنفلت كما يرى الناس، يعيش على فساد ذمة الحاكمين، وإصرارهم على البقاء في مواقعهم. ومهما توسع قوام وعديد وعُدّة الجيش وقوات الأمن، فإنها عاجزة عن كسر شوكة قواه ومصادر استمراره، وتعزز مواقعه وحواضنه. لان المواجهة الحقيقية تبدأ وتنطلق من معالجة "مثلث" تدميره، المتمثل في إجراء مصالحة وطنية مجتمعية، وانعاش اقتصاد البلاد، بوقف نهب الثروات، وتصفية جذور ومظاهر ومصادر الفساد بكل تجلياته. وبتحقيق ذلك يمكن ان يصبح المجتمع بكل فرد فيه، عيناً وذراعاً وقوة مطاردة متحركة ضد الإرهاب. وحين يتعافى المجتمع، وليس عبر استدراج اللصوص والقتلة الى مرابض السلطة وفسادها، يصبح بالإمكان تحول الأدوات المطاردة، من الجيش "بأقل عددِ كافِ" والجهاز الأمني الكفوء، الى أداة قهر للارهاب وتنظيماته ومصادر تغذيته.
وسيظل الإرهاب خلافاً لذلك، طاقة تخريب وقتل تستمد القوة من تدهور حالة الناس المعيشية، وانعدام الخدمات الضرورية، ويتسلل الى مرافق الدولة وأجهزتها الخطيرة من البوابة المشرعة للفساد، واستفحال ظاهرة البطالة والنقمة الشعبية من أشكال التمييز والتهميش والإقصاء والتعدي على الحريات.
ومن الغريب ان يظل العمى يغشي ابصار وبصيرة أصحاب القرار، وهم لا ينتبهون الى ان كل تدابيرهم تصطدم بالاستحالات السياسية التي تحول دون التنفيس عن المجرى المتوسع للنقمة، التي تشكل بحد ذاتها اكبر خيمة وحاضنة للإرهاب، دون افتراض الانحياز اليه.
ثم هل يمكن حقاً إلحاق الهزيمة بالإرهاب، في دولة يخيم على ربوعها الظلام الدامس في الليل، والمرارة في اطراف النهار؟
هل يصدق عاقل ان هؤلاء جديرون بتحقيق سلم أهلي او خيمة امان دائم..؟


تعليقات الزوار
الاسم: ابو علي
كيف يمكن محاربة الارهاب....ومدير استخبارات الرصافه كان عريف شرطه بعثي قبل سقوط النظام السابق ثم اعيد الى الخدمه كنقيب دمج والله انه لا يجبد القراءة والكتابه...ابمثل هؤلاء يمكن مكافحة الارهاب؟؟؟؟؟؟؟
الاسم: آريين آمد
شكرا للاستاذ فخري كريم لهذا المقال الجميل والدقيق في تحليله لحقيقة الارهاب وسبل مكافحته.... والمقال تجسيد حي لمقولة عسكرية يعرفها اغلب القادة العسكريين العراقيين (بطريقة درخية... يعني حفظ بدون استيعاب المعنى)... هذه المقولة تقول (لا يمكن للتعبية اصلاح ما يفسده السوق).... السوق هنا بمعنى الاستراتيجية والتعبية بمعنى التكتيك... اي لا يمكن للتكتيك مهما كان بارعا اصلاح ما تخربه الاستراتيجية....
الاسم: علي
لو كان في سيارة مجرم وحرامي واخر شريف ماذا يحدث ؟ اكيد يتفق الحرامي مع المجرم لسرقة او قتل الرجل الشريف فهؤلاء الثلاثة هم الذين يكونون ما يسمى بالعملية السياسية في العراق فلا نتوقع اي حل لما يجري في هذا البلد الا ان تحدث معجزة مادام لكل هذه الاطراف مؤيدين ومناصرين من هذا الشعب الغير متجانس . اذا المعمل ينتج هذه الاصناف من البضائع فما العمل ؟! . . تقبلوا تحياتي
الاسم: nazar
لا والله لم ولن يستطيعوا تحقيق شيء حنى وان امتد بقائهم عشرة سنين اخرى يجثمون فيها على صدورنا ويكتمون انفاسنا بعقائدهم المتخلفه ونظرياتهم الفاسده وسلوكهم المشين
الاسم: وجيه الفريجي
ان الارهاب يستمد قوته من الاعلام المزيف الذي يصف رجال الحكومة بانهم جائوا بمحض الصدفه ويسفه كل العمليه الانتخابيه والديمقراطيه في العراق لالشيء الا لارضاءاولياء نعمتة . ان الغربال لايمكن ان يحجب ضوء الشمس الذي اشع على الاغلبيه التي كانت في غياهب كهوف الحرمان
الاسم: محمد سعيد
مقاله اصابت كبد الحقيقه في محاولتها تفكيك طلاسم الاخفاق السياسي والفشل العام في العراق بعد " التحرير" من هنا تثار تساؤلات حقه ...هل فعلا ان الطبقه السياسيه المستجده يكافه تضاريسها الملونه و المجهوله .. المسؤول الوحيد عن الخراب المستمر الذي يعاني منه الوطن " الذي يسمي الان جزافا دوله العراق "؟ام ان استمرار تخدير الفرد المواطن بمسكنات ومعالجات انيه مثل استلام راتب تقاعدي مجزي لاصحاب الشان والتاثير من دون اعتبار لسنوات خدمه او جداره في عمل , حينما تم منحه فقط لخلق التوازنات الموهومه او لارضاء قوي سلطويه او مدعيه وزبانيه لارباب الجاه والنفوذ حتي وان لم يعملو ليوم واحد او اسبوع او شهر , علاوه علي منح رواتب لوظائف حكوميه مدنيه او عسكريه او امنيه غير ضروريه او علي الاقل من دون ناتج او عمل حقيفي فعلي ( معدل عمل الموظف العراقي الحقيقي والفعلي في مناصبه المختلفه وعلي كافه المستويات ( 20) ساعه في الشهر حسب تصريح السيد عادل عبد المهدي نائب جمهوربه سابق ( تشير الارقام المتداوله ان العراق لديه الان اكثر من 1.5 مليون شرطي وجندي ورجل امن وهي من اعلي المستويات في العالم مقارنه بعدد السكان , علاوه عن وجود جيش جرار في الخدمه المدنيه تجاوز عدده اكثر من 4 مليون موظف مدني لايعلم الله سبحانه ونعالي عن المهات الحقيقه والاعمال الفعليه التي يتم اداءها ) او ان منح الاراضي لشيوخ العشائر و"زعماء الصحوه" او غيرها من التنظيات الكثر المستجده او منح قروض زراعيه( في ظل مقولات تنميه القطاع الزراعي ) لمن يدعون بفلاحين من دون حاصل او ثمار معلوم او ريع مجزي, كله علامات ليس فقط انهيار معادله الاجر لقاء المشقه بل توكيد الفشل العارم لسلطان الحكم والدوله , او كما يقال علامات مميزه للدوله الفاشله . كل ذلك لم يحصل جزافا, بل خططت له هذه الحفنه من الساسه غير المسوؤله, لانها عمدت ان نجعل منه فقط وسيله واداه من اجل الديمومه والبقاء في التسلط والتحكم غير المشروع والمطلوب برقاب العباد, خصوصا حينا استمرت تدعي بانها تقوم بذلك في ظلال "التغيير والديمقراطيه " "وصناديق الاقتراع " "وبناء العراق الجديد ". بالطبع تمكنت هذه الشله من تحقيق كل ذلك نتيجه تدفق او فيضان سيول عوائد النفط غير المعهوده التي ظلت خارج سيطرتها , وتتحكم بها عوامل وارادات خارجيه, كما ظلت مغيبه تماما في التاثير علي مساراتها او تحديد سياقاتها المستقبليه , بالتالي يمكن اعتبارها "مجرد" متلقي او مستلم غير مسوؤل للمقسوم من هبه سماويه منحت من رب العالمين لاولياء الامر في العراق "التي هي القوي المسيطره المتنافسه والمتصارعه . من هنا ضاع الالتزام الاخلاقي والادبي, كما غابت المسووليه الخاصه والعامه حينما تحول الجمع الي عبده الدرهم . ان تغييب الانسان في اطار منظومه قاهره مثل المكاسب المادبه وشراء الذمم وعمليات اللطم وتنظيمات الزيارات الميدانيه المتكرره ساهمت هي ايضا في جعل الفرد مجرد اله تحركه عواطف الذات والغيبات لاغير , خصوصا عندما تمكن مدعي حمله التطوير "القوي المسيطره والحاكمه في ابتداع مثل هذه الاليات الجهنميه بما فيها عمليات الارهاب والقتل المستمر المنظم والمقنن في ظلال اجواء مفروضه من الخنوع اوالرضي المغيب من لدن العامه في مجتمع مقهور وغائب الوعي الجماعي العام
الاسم: العراقي
ايهاالعزيزالغالي ابانبيل الى الامام من اجل كشف الحقيقه للشعب تحياتي وتمنياتي لك بالمزيدمن التقدم و النجاح
الاسم: نبيل
ظول ما في ارهاب الدولة موجود سيبقى الارهاب المثابل كردة فعل لارهاب الدولة
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون