مقالات رئيس التحرير
2013/08/24 (22:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1811   -   العدد(2874)
زمن الأصالة والتوهّج الثقافي: في حال مثقفي ذلك الزمن المضيء في ظل سلطة الإنكار..
زمن الأصالة والتوهّج الثقافي: في حال مثقفي ذلك الزمن المضيء في ظل سلطة الإنكار..


 فخري كريم

لست مع أولئك الذين يترحّمون على الملكية، مع إنني ممتعض من بعض ما ارتبط بإزاحة عهدها.
لكنني إذ أتلفت حولي وأسترجع خمسة عقود، هي بعض ما تلا العهد الملكي، يلمّني الأسى والحزن على ما آلت إليه حالنا، وما استنزفته من طاقتنا البشرية وثرواتنا وآمالنا العريضة. ومع أن ما فقدناه يصعب تعداده وحصره، بالأرقام والمعطيات، فان ما بقي من أطلال زمن النهوض، يكاد يشي بعمق المأساة وفداحة الخسارة، ليس فيما هو مادي يمكن تعويضه، بل في تلك المسامات التي يستنشق المجتمع منها رحيق الحياة والتطور والجمال والأمل.

لا سبيل أو فائدة من البكاء، أو التوقف بصمت مُكَدر أمام حطام ما بنته سواعد أسلافنا الأقربين، في الثلاثينيات وما بعدها، حتى وقتٍ ما من انحسار ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨، التي امكن عبر سنواتها القصار، استكمال ما بُني في العهد الملكي الغابر. وقد يكون ذلك الزمان آخر عهدنا بإقامة صروحٍ في العمران والبنى التحتية التي مهّدت لتراكم لاحق يحقق النمو والازدهار، اذا ما صادفت رعاية حاضنة في الدولة، ترى في الحاضر استمراراً لدورة المضي وممراً للمستقبل.
ليلتفت كل واحد منا حوله، ويُحصي آثار ما بقي ممّا تحقّق في تلك السنوات، ويقارن ما أُنفقَ فيها، مع كم الخراب والدمار الذي أصابنا بموازاة ما اكتنزته خزائن الحكومات التي تعاقبت على سلب كرامتنا حتى اليوم، إذ يكفي ذلك ليُظهر عمق الفاجعة، ومتاهة الفجيعة التي تحيط بنا حالياً.
ولأن الدالة في ما يشكل الفجيعة، مثلبة قد تمتد ولا مجال لإحصاء خرائبها، فلا بأس من تناول ظاهرة منها، تتوارى اليوم وراء خيباتنا، وتبهت أشكالها وتتداعى، وهي تتسلل بحسرتها لترحل عن دنيانا الفانية، بأكبر قدر من الإهمال ونكران الجميل، على ما أسهمت فيه من عطاء في تشكيل صورة الزمن المتوهج الذي نتحسر عليه، ونعود إليه بين آونة وأخرى، كلما ضاقت بنا السبل، وحامت في مناخاتنا الشكوك والظنون بالمنتهى.
لم نعد نبخل باستعادة الذكريات حول الأطلال، في معرض التباهي والتمجيد، لكننا نتذاكى، او لا نجد ما نفعله، اعترافاً بجميل من بقي يعايشنا، من جيل الإنجاز والحداثة وتقويم مسارات التطور. ربما لم نجد ما نفعله لهم لضيق ذات اليد، وانكفاء كل منا على حاله، الذي لا يختلف عن أحوالهم بالشيء الكثير.
من ذاكرة زمن البناء والإعمار والتحديث، عبر ثلاثة عقود من عمر الملكية، واقل عقد من عمر الجمهورية الأولى، يكتظ المشهد الثقافي بالرموز والقامات الفكرية والإبداعية، التي ارتقت بالعراق إلى مصاف الدول الطامحة بالسير في الركب الحضاري الإنساني. ولم يكن غريباً في ظل التناقض السياسي والثقافي يومذاك، أن تجد نوري السعيد يسعى لكسب ود الجواهري الكبير، او يراود رجال الدولة بمختلف مشاربهم، فنانين او كتابا او مثقفين بارزين، ليتخلد معهم في صورة تذكارية. يكفي ان الرئيس المياوم في العهد الملكي نوري السعيد، يقول للجواهري "انا اكبر بك وبالتعرف عليك، لا انت..!".
جاءت الانظمة المستبدة منذ ٨ شباط الاسود حتى يومنا هذا، لتصفي حساباتها الصغيرة، مع المنجز الثقافي والمثقف، فجند البعث كل ادواته القمعية، وما يمتلك من اغراءات المال والسلطة، ليحاول تجريد المثقف من انتمائه لعملية الخلق الابداعي، وجعله يستكين ويتحول الى مجرد مداح او ردّاح، سواء عبر التسقيط السياسي والجسدي، الذي واجهه المئات من المبدعين.
ثم يأتي عهد الانفصام الطائفي والمذهبي، واشباه رجال الدولة، ليواصل، ما شاء وفعله البعث، فيحيطوا المشهد السياسي الثقافي، بكل ما يُحط من قيمه وطاقة الخلق فيه، وليمعنوا في تشويه التراث الثقافي الوطني، املاً في اعادة انتاج ما هو رث وبال ومتخلف.
لم يعد للثقافة من مكانة في المشهد السياسي. وكيف يمكن ان يكون له، والفساد والتخلف وانحطاط القيم خيمة هذا المشهد؟
ومن اين يستطيع العراقي ان يستمد الأمل والرجاء، للخروج من دوامة العنف والتعديات والأزمات المتلاحقة، حين ينفصل السياسي الحاكم والمقرر، عن الثقافي والحياة الثقافية، ويتحرز منهما بأيقونة الفساد والنهب والجور والتخلف والإنكار؟
بين الماضي والحاضر، مقارنة لا تغيب عن لبيب:
فتشوا عن محمد خضير، وخليل شوقي، وحسب الشيخ جعفر وياسين طه حافظ، ومحمد سعيد الصكار، وعلي الشوك، ومحمد جواد أموري، وفؤاد سالم وقبلهم وبعدهم ممن رحلوا وكانوا بحجم هذه القامات الإبداعية، تظهر لكم فداحة ما نعيشه اليوم من خراب وإنكار.


تعليقات الزوار
الاسم: خالد علوكة
سببان لاثالث لهم في انهيار البلد هو : انعدام الثقافة والمثقفين وانعدام الرياضة والرياضيين في سدة الحكم والسلطة ، في الاولى تفهم مايقوله غيرك لك ولاتصبح مثل الناس اعداء مايجهلون . وفي الثانية الروح الرياضية الجمة فيها تسامح ومحبه عن الاخطاء حال وقوعها .
الاسم: mohammad
والله كلام صحيح الثقافه الان بالعراق بمنحدر خطير خصوصا مع الاسلاميين الطائفيين الذين يعتبرون كل هذه الامور كفر ...... الحل المناسب للعراق الاطاحه بهذة الحكومه والاتيان بحكومه مدنيه لا علاقه لها بالدين وخير مثال مصر لناخذ منها نموذج للتغيير .
الاسم: الشمري فاروق
ايها العزيز ابو نبيل...شكرا والف شكر لمقالتك هذه التي اثارت اشجاني وذكريات جميلة غادرتنا نمذ زمن لقد ذكرت مقولة السعيد للجواهري الكبير..ان دلت على شيئ تدل على التواضع لهذا الرجل...اقولها بحق وانا في العقد الثامن من عمري ان الفتة التي حددتها منذ بداية تأسيس الدوله العراقيه حتر شهر حزيران 1959 هي الفترة الذهبيه للتأسيس...ان هذه الفتره كانت فعلا زمن الاصاله والابداع والتوهج مقارنة بما تلاها من فترات وما نحن فيه الان من التخلف والظلاميه..لقد اخطأ نوري السعيد رحمه الله.. ولكن لا يمكن محو زمنه وعمله من ضمن الؤسسين للدولة العراقيه.. وسؤال اخير الايستحق هذا الرجل تمثالا يوضع في احدى ساحات بغداد...شكرا لك ايها العزيز وتقبل تحياتي .و شكرا للمدى وصاحبها وكتابه الرائعيين
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون