تحقيقات
2013/09/17 (01:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1809   -   العدد(2894)
المدى تزور بيت صانعة أشهر إفطار عراقي..قصة قيمر السدة..نكهة فريدة دخلت الأغاني ووصلت إلى لندن
المدى تزور بيت صانعة أشهر إفطار عراقي..قصة قيمر السدة..نكهة فريدة دخلت الأغاني ووصلت إلى لندن




ينشقّ نهر الحلة عن الفرات في جانب من منطقة سدة الهندية غربي بابل، مانحاً لنفسه فسحة عميقة بين الأشجار والنخيل، وعلى مبعدة أمتار منه يدلّك طريق ضيّق بين الأعشاب إلى بيت أم عبد الله المحاط بثروة حيوانية سواء على اليابسة حيث الأبقار والجاموس أم في النهر حيث تتقافز الأسماك عبر شبك حديدي يحجزها، هذا البيت الذي كان ليبقى بيتاً عادياً جداً لولا قيمر السدة ونكهته الفريدة.ناحية سدة الهندية التابعة إلى محافظة بابل إدارياً تتوسط المسافة بين الحلة جنوبا وغربا، وكربلاء شرقاً، وترتبط بقضاء المسيّب الذي يقطع شمالها، مدينة أخذت طابعاً ريفياً مائلا إلى المدنية، تعتز بالقبة المبنية بالزمن العثماني كتحفة أثرية سجلت لدى دائرة الآثار وتمتلك مشروع خزن الماء المعروف الذي أخذ اسمها "سدّة الهندية"، وهي بهذا أحيطت بالمياه من كل جانب، تتوسطها سوقٌ شعبية حيّة عامرة بالحركة والنشاط.
أشهر فطور
هذه البيئة ذات المناخ المعتدل تروي حكاية أشهر فطور عراقي على الإطلاق، دخل في الأمثال وتنغّم في الأغاني ووصل إلى لندن، وتحكي قصّة امرأة عشقت مهنتها وعاشت نصف قرن بين الدخان والحليب والنار لتقدم النكهة الفريدة، هي أم عبد الله التي غفت عن الحياة في تسعينات القرن المنصرم لكن لم يغفُ طعم (كيمر السدة) وبقي خالداً تتذوقه الألسن وتلهج به.
وأمام بيت ريفي عتيق يجلس عبد الله كاظم حسن، 60 عاماً، بجانب أغصان كثيرة من نبات دوار الشمس مستذكراً والدته (أم عبد الله) صانعة أشهر قيمر عراقي وهو يطيل النظر في سنوات طفولته التي عاشها وهو ينظم طوابير صباحية تصطف لشراء الإفطار قرب بيته منذ سنوات خلت، كما يذكر حسن.
تعب وضيم!
يقول حسن لـ(المدى) إن بإمكان ذاكرته أن تسترجع أحداثاً مذ كان في السابعة حيث تستيقظ والدته منذ الثالثة صباحاً لتقسيم ما أعدته منذ مساء اليوم الماضي "كان الحليب يأتي إلى المرحومة أم عبد الله في الساعة السادسة عصراً وتنشغل بإعداد القيمر حتى يكون جاهزا بعد ثلاث ساعات.. يتعرض بعدها للتبريد، ومن ثم تستيقظ في الساعة الثالثة صباحاً لتقسيمه في أوانٍ، بحسب الطلبات"، هكذا يقول نجل صانعة القيمر الذي انطلقت شهرته بعيدا، ويضيف مستذكرا مشقة تحضير القيمر، أن "صناعته كانت تختلف كليا فيما سبق عما هي الآن، فغالبا ما كان يتم غلي الحليب بواسطة الحطب والنار وهو ما يشكّل أساس "التعب" و"الضيم" الذي كانت تقاسيه والدتي، فلم تكن موجودة وسائل الطبخ والغاز، وبالإمكان تفهّم ما قاسته أم عبد الله وهي تعيش بين الحليب والدخان والنار منذ أن كانت في الثامنة من عمرها عندما أخذت صناعة القيمر عن والدتها حتى توفيت في التسعينات".
وعن الكمية التي تنتجها أم عبد الله يقول "غالبا ما نبيع من 25 إلى 30 كيلو غراماً، وبالرغم من تلك الكمية الكبيرة، إلا أن أم عبد الله بقيت حريصة على جودة منتجها، فإذا شابت الكمية المصنوعة رائحة دخان، تصر على عدم بيعها رغم قبول معظم الزبائن، واعتقد أن هذا الاهتمام الذي أبدته أم عبد الله على مهنتها وحبها لها من الأمور التي ساهمت في أخذه شهرة واسعة وانتشاره إضافة إلى "النَفَس الطيّب" في التحضير لدى المرحومة".
وصل إلى لندن!
ولم تقتصر شهرة قيمر السدة داخل العراق فقط، فكما يروي حسن لـ(المدى)، أن منتج والدته عبر الحدود إلى أوربا ودول الخليج. وعن ذلك يقول "أتذكر الكثيرين ممّن كانوا يأتون لشراء القيمر، لأخذه كهدية، حتى أن تلك الهدايا وصلت إلى الإمارات، بالبداية خرج عن طريق أقارب ثم ازدادت الطلبيات"، ويتابع حسن أنه في "إحدى المرات طلب أحد الألوية في الجيش العراقي أن يجلبوا له قيمر ام عبد الله وهو في لندن إبان سبعينات القرن الماضي، وهو ما تم فعلاً بواسطة أحد أقاربه الذي ظل يسافر باستمرار حاملاً أواني القيمر.. إلا أن هذه الطلبيات غالباً ما يتم إيصالها في فصل الشتاء لانعدام وسائل الحفظ والتبريد كما موجود الآن".
طوابير صباحية
ولا غرابة في أن تصطف طوابير الزبائن صباحا عند دار أم عبد الله لشراء الفطور، لكن الغريب أن أحداً لو أراد كمية من القيمر عليه أن يسجل اسمه في دفتر الحجز قبل أسبوع من تسلمها، كما يروي نجل أم عبد الله ويضيف "كانت أم عبد الله تساوي بين المسؤولين والمتنفذين فلا تحابي أحداً على حساب آخر، إذ أن كل عائلة تتسلم حصتها في الموعد، وأن الحجز لمدة أسبوع لا يعني أن من يريد إفطارا ينتظر هذه المدة، لكن هذا الحجز كان لمن يطلب كمية كبيرة يأخذها كهدية أو يبيعها".
حماية صدام
ويتذكر أنه في إحدى المرات في زمن النظام السابق جاؤوا حماية قصر صدام، (وهو مبنى كبير قابع إلى الآن في المدينة، وبإمكان الزائر أن يشاهده وهو يلتف حوله شاطئان وينعم بخضرة جميلة، وتسكنه عائلات متعففة)، جاؤوا مخالفين في الطابور إلا أنهم قفلوا خائبين أمام صرامة أم عبد الله وشجاعتها".
ورداً على سؤال بشأن إذا ما استمر بيت أم عبد الله في صناعة القيمر وحول ما إذا تغيرت النكهة أجاب "أننا الآن ننتج كيلو غرامين أو ثلاثة على الأكثر وهو منتج مواز لما نمتلكه من مواشٍ، فلدينا الآن حوالي اثني عشر رأس جاموس، بينما كنا نمتلك في حياة أم عبد الله من 70 إلى 80 رأس جاموس وننتج من 20 إلى 30 كيلوغراماً".
الطعم باقٍ
ومع هذا الانخفاض الكبير في نسبة المبيعات إلا أن طعم القيمر لم يتغير كما يقول حسن، ويؤكد "إن نساءنا أخذن صناعة القيمر من أم عبد الله وتعلمن على يدها، لذلك فأن النكهة لم تتغير وهذا ما أضمنه شخصياً"، إلا أنه شكا من بعض "باعة القيمر الذي ينسبون بضاعتهم لنا، وهو ما سبب فهما خاطئاً في أن طعم قيمر أم عبد الله تغير"، ويقول أيضاً إن معظم بضاعة هؤلاء مغشوشة فهم يبيعون الكيلوغرام الواحد بستة عشر ألف دينار، بينما نبيع قيمرنا بخمسة وعشرين ألفاً، فكيف يدعون أنهم يأخذونه منا"؟!.
وعن كيفية الغش، شرح حسن قائلاً إن "حليبنا الذي نصنع منه القيمر، من الجاموس إذ لا يمكن أن نصنعه من الأبقار، وهذا ما يفعله هؤلاء، وإذا أردت أن تميّز ذلك فأن اللون يدلك على الغش، فالصفرة الواضحة تعني أن القيمر مصنوع  من حليب الأبقار، وفرق كبير بين الاثنين".
كرادة بغداد تكذب!
وبعيدا عن سدة الهندية، تشير لافتة مكتوبة في أحد المحال التي تبيع الإفطار في الكرادة وسط بغداد إلى أنه "يوجد لدينا قيمر السدة"، نقلنا هذا إلى حسن، لكنه نفى صحة الأمر بشدة قائلا "نحن ننتج كمية محدودة ونعرف لمن نبيعها، وأجزم تماما أن منتجنا يصل الآن إلى بغداد، ما زلت اذكر أهل بغداد عندما يأتون لأخذ القيمر.. إلا أن هذا لم يحدث منذ وقت طويل".
الوصفة السحرية
وعن كيفية تحضير القيمر أردف حسن "كنت أراقب والدتي خطوة بخطوة؛ كانت تأتي بالحليب في الساعة السادسة مساء في إناء حديدي كبير وتتركه على النار الموقدة من الخشب وتتركه حتى يغلي، ترفعه عن النار ثم تقوم بتغطيته بواسطة سلة مصنوعة من أعواد الرمان ومن ثم تكشفه في الساعة الحادية عشرة مساء، وتقوم بتبريده بوضع قطع الثلج تحت الإناء، وتتركه لتنام وتستيقظ في الساعة الثالثة صباحا لتقطيعه وتوزيعه في أطباق".. ويتابع حسن "لا يمكنني القول إن أم عبد الله لديها وصفة سحرية جلبت لمنتجها الشهرة سوى أن نفسها  طيبة وكانت تهتم وتحب مهنتها".
سياحة وقيمر
ولا يمكن نسيان أن الطبيعة ووفرة الماء منحت مدينة السدة فرصة لا بأس بها من السياح، وقد عدت ناحية السدة من نواحي العراق التي امتازت بأنها كانت ميناء للقطارات القادمة من بغداد وإحدى المحطات السياحية، فكان المسافر اليها ينعم بجمال الطبيعة فيها، وتذكر الروايات التاريخية ان مدينة سدة الهندية نعمت بالتيار الكهربائي منذ عام 1922 اذ سبقت في هذا الشأن مدناً عراقية كبيرة وذلك لحاجة السد للتيار الكهربائي من اجل رفع بواباته وإنزالها.. كل هذا ما ساهم بشكل كبير في نقل شهرة القيمر إلى مناطق البلاد المختلفة، حيث كان السياح يتوافدون إلى دار أم عبد الله لشراء القيمر، كما يروي حسن.
وتعد المنطقة، إضافة الى ذلك، من أشهر مناطق صيد السمك وتشتهر ببساتينها الكثيفة ويطلق على احد بساتينها ام الحمام بسبب الأعداد الكبيرة من الحمام التي تعبث فيه، وثمة نهير صغير يطلق عليه المسعودي، ونتذكر هذا الاسم في الأغنية البغدادية القديمة "واكف على المسعودي".
"خدك كيمر السدة"
وعلى ذكر الأغاني، فأن الكيمر كثيرا ما استعمل كناية عن الوجه الجميل في الموروث الشعبي العراقي وحتى المصري إذا ما استبدلنا كلمة القيمر بـ(القشطة)، لكن قيمر السدة اشتهر وذاع صيته في الأشعار الشعبية العراقية والأمثال، وتحول أيضا إلى أغنية أنتجت في تسعينات القرن المنصرم، وأدتها المطربتان نجود وسمر في دويتو رائع تقول بدايته "تهدّه ياحلو تهده.. خدك كيمر السدة"، هذه الأغنية التي ما زال يذكرها عبد الله كاظم نجل أم عبد الله جيداً.
وعلى مبعدة من دار أم عبد الله سألت (المدى) رحيم نعمة 65 عاما ويعمل معلماً، عن قيمر السدة فأجاب "أن بإمكاني تمييزه من بين آلاف الأطباق، قيمر أم عبد الله ذو نكهة فريدة، مازالت موجودة بالرغم من وفاة المرحومة أم عبد الله منذ سنوات عديدة"، وأضاف "منذ زمن طويل ونحن معتادون على الإفطار منه".
هدايا!
وإلى هذا ذهبت جنات عادل التي كانت تأخذه إلى شقيقاتها في بغداد حيث يكون وجبة لا مثيل لها مع الكاهي البغدادي، تقول جنات لـ(المدى): "دائما ما تذكرني أخواتي قبل زيارتهن في بغداد بألاّ أنسى جلب كمية من قيمر أم عبد الله، وهذا ما أقوم به قبل كل زيارة إلى بغداد".
وأخيراً طالب عبد الله كاظم حسن نجل صانعة أشهر إفطار عراقي بدعم الدولة فكما يقول "إن سبب انخفاض نسبة المنتج هو ارتفاع أسعار العلف حيث يصل سعر حب القطن الذي يستعمل كمادة علف أساسية للجاموس إلى مليون دينار تقريباً، والدولة تزودنا بنسبة قليلة جدا".

قبل مئة عام افتتحت سدة الهندية
منذ أوائل القرن التاسع عشر ، أخذ نهر الحلة الذي يأخذ مياهه من نهر الفرات عند منطقة الهندية بالتضاؤل تدريجيا . وفشلت المحاولات العديدة لإعادة المياه حتى جف تماما في عام 1885 .  وأخذت العشائر التي تسكن حوله وأغلبها فلاحية بالانتقال إلى مناطق أخرى . وفي عام 1890 أنشئت سدة على نهر الفرات ، سميت نسبة إلى مهندسها الفرنسي شونديرفر ، ومن المؤسف أن الطابوق المستخدم في بنائها جلب من خرائب بابل الأثرية القريبة منه ! .غير أن هذه السدة سرعان ما بدأت بالتهدم يوما بعد يوم حتى عاد الأمر كما كان سابقا وأكثر .
وفي أواخر عام 1908 استدعت الحكومة العثمانية المهندس البريطاني الكبير وخبير الري السير وليم ويلكوكس ، لبحث موضوع الإصلاح المائي في العراق .وبعد الدراسة والبحث الميداني توصل ويلكوكس إلى عدد من المقترحات الكفيلة بحل مشكلة الري ، ومنها إقامة سدة حديثة على نهر الفرات في موضع يقع أعلى السدة القديمة بثمان مئة متر . أخذت الحكومة العثمانية بالرأي واتفقت مع شركة جاكسون الإنكليزية لبناء السدة الحديثة ، وبدأ التنفيذ في شباط 1911 ، وجرى العمل بدقة متناهية واستخدم نحو 1500 عامل محلي ، وبلغت التكاليف ربع مليون ليرة .
لماذا سميت الهندية؟
سبب تسمية هذه المنطقة بالهندية له روايات عدة ، تناولها كتاب /تاريخ الحلة/ ، الرواية الاولى ترجع تسميها بسدة الهندية الى والدة السلطان عبد الحميد الثاني وكان اسمها /هندية/ او تكنى بالهندية. فعند زيارتها للمنطقة طالبها السكان بإيصال الماء الى الحلة والقرى المجاورة فاستجابت وامرت بالتنفيذ ، فكان السد الذي أنشئ من حجر الطابوق المستقدم من آثار بابل. وقد اقيم بعد ذلك نصب تذكاري عند افتتاحها عبارة عن حجرها الاساس الذي ما زال احد الشواهد في المنطقة ، وقد سطرت عليه كتابات منقوشة على الحجر بطريقة الحفر البارز تشير الى تحويل نهر الفرات عن مجراه وبناء السد لاحياء ارض الحلة وما يليها.
اما الرواية الثانية فتشير الى انه في اواخر القرن الثامن عشر قدم الى العراق رجل هندي من طائفة البهرة جاء لزيارة العتبات المقدسة في العراق اسمه (اصف الدولة) وكان ثريا ذا مكانة في دولته. ولفت نظر الرجل ، افتقار المنطقة الى المياه ، فأمر بشق جدول يأخذ مياهه من نهر الفرات جنوب مدينة المسيب /50 كم شمال الحلة/.ولما شق الجدول اخذ مجراه يتوسع يوما بعد اخر ويستولي على مياه الفرات ، ما حرم مدينة الحلة وقامت الحكومة العثمانية في عهد الوالي علي رضا باشا بمحاولات شتى لاعادة المياه الى الفرات الاصلي المار بالحلة.
وفي عام 1885 تحول مجرى الفرات بالكامل الى جهة فرعه المار بكربلاء .ويقول يوسف كركوش في كتابه /تاريخ الحلة/ انه ( .. ولما رأت الحكومة العثمانية ما حل بالحلة وقراها من الاضمحلال حتى اثر على خزينة الدولة حيث كانت تستفيد من اراضي الحلة اموالا طائلة ، اهتمت بالامر اهتماما عظيما فاستدعت المهندس شندفير الفرنسي عام 1885 الذي بدأ العمل بها عام 1889 وللاسف من خلال تدمير قصر بخت نصر الاثري في مدينة بابل الاثرية ..).وقد عدت ناحية السدة من نواحي العراق التي امتازت بأنها كانت ميناء للقطارات القادمة من بغداد واحدى المحطات السياحية ، فكان المسافر اليها ينعم بجمال الطبيعة فيها ويتزود بأهم منتوج غذائي الا وهو/القيمر/ الذي ذاع صيته لما يمتاز به من مذاق طيب وجودة عالية حتى جعل الشعراء يذكرونه في شعرهم وشبّه خد الحبيب به لصفاته ونصاعة بياضه !
وفي عام 1986 شيدت سدة حديثة بدلاً من السدة القديمة وهي عبارة عن نواظم لتوزيع المياه في الانهار/شط الحلة/ ومشروع ري حلة ـ كفل ، ونهر الحسينية ، ونهر بني حسن ، ومشروع المسيب.



اضف تعليقك
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون