سينما
2013/12/26 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1904   -   العدد(2967)
فيلم تحت رمال بابل.. للانتفاضة المنسية
فيلم تحت رمال بابل.. للانتفاضة المنسية


كاظم مرشد السلوم

يتوفر المخرج العراقي الشاب محمد الدراجي على حرفة إخراجية عالية ، لا تقل مستوى عن العديد من المخرجين الكبار ، ليس هذا فقط ، بل أن صبره وأناته في غرفة المونتاج ، يشكلان  عاملا مهما في  أن تأتي أفلامه متماسكة من الناحية الفنية ، خاليا من الهفوات ، حتى اختياره لممثيله ينم عن إمكانية عالية في التعامل مع الممثل، حتى أولئك الممثلين الذين يقفون أمام الكاميرا لأول مرة .





العرض العالمي الأول للفيلم كان في مهرجان أبو ظبي السينمائي السابع ، الذي دعم الفيلم من خلال صندوق سند لدعم الأفلام ، وهو أمر ساعد الدراجي كثيرا في استكمال فيلمه وخروجه بهذه القيمة الفنية العالية .
يمزج  الدراجي في فيلمه بين الوثائقي والروائي ، ليقدم حكايته عن الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في آذار عام 1991 عقب انتهاء الحرب العراقية وقوات التحالف ، إثر دخول القوات العسكرية العراقية   الكويت واحتلالها  ، الانتفاضة التي قمعت بقسوة لامثيل لها ، ونتج عن ذلك القمع العديد من المقابر الجماعية الممتدة على مساحة واسعة من مدن الفرات الأوسط ، وسط صمت عالمي ، ربما ساعد كثيرا في قسوة النظام هذه .
مشهد وثائقي مؤلم ، من تلك المشاهد التي توثق للعمليات الإجرامية التي شنها النظام السابق ضد المناطق التي انطلقت منها تلك الانتفاضة ، ذلك هو مشهد العسكري الذي يسحب احد فلاحي منطقة الفرات الأوسط من عقاله الذي ألبسه له في رقبته بدلاً من رأسه وينهال عليه بصفعات مستمرة ، ومن ثم يلقي به على الأرض فيعالجه احد أركان النظام بركلات على وجهه بحذائه العسكري .
هذا المشهد ربما لم يفارق ذاكرة الكثيرين ، وبالتأكيد كان الظن ان هذا الرجل في عداد الأموات ، لكنه يظهر بطلا حقيقيا في فيلم محمد الدراجي ، وشاهدا حيا على ماجرى ،مؤكدا صدقية هذا الفيلم .
الفيلم هو بداية لحكاية المرأة الكردية في فيلم ابن بابل ،التي تبحث عن ابنها إبراهيم وتنتهي رحلتها بالموت دون ان تراه تاركة حفيدها إلى الأقدار التي يمكن ان تصادفه في أرض بابل .
الابن إبراهيم الخارج من أتون محرقة كبرى تعرض لها الجيش العراقي أثناء انسحابه من الكويت ، يسير مع جندي جريح آخر في المنطقة الواقعة على الحدود ، لا يريد ان يتخلى عن رفيقه الجريح ، في هذه اللحظات تظهر سيارات الانضباط العسكري على الطريق العام ، التي يعتبرها إبراهيم طوق النجاة له ولرفيقه الجندي الجريح .
لكنها القوة العسكرية التي ستتسبب برحلة العذاب التي سيمر بها في سجون النظام العسكرية ، متهما بالمشاركة ب في الانتفاضة الشعبية ، ليجد العديد من الجنود الآخرين والكثير من المدنيين يشاركونه نفس المصير ،مصير التعذيب والقتل والقمع الوحشي .
محمد الدراجي يقود حشود الممثلين ببراعة عالية ، وسط أداء متميز لسمر قحطان ،وأمير الدراجي ، حسن بخيت ، حيدر جمعة ، وعبد الرحمن حمد .
كاميرته تتحرك وفق مستوى الحدث ، ربما يكون وقوفه خلف الكاميرا سببا في هذا التميز ، وحتى كتابته للسيناريو قد تكون هي الأخرى عاملا مساعدا في تماسك المشاهد ، التي تتحرك فيها جموع السجناء مساقة من حشود العسكر .
بين الحين والآخر يقطع الدراجي ليأخذ شهادة حية لضحايا الانتفاضة ، على شكل مقابلة ، والدراجي هو الذي يوجه الأسئلة أيضا .
معظم مشاهد الفيلم جاءت عنيفة وقاسية تتمثل بالتعذيب ، وهو امر أراد الدراجي ان يؤكده على طول مسار الفيلم ، وربما تكون بعض المشاهد لأفق الصحراء هي المتنفس الذي تركه الدراجي للمشاهد ليستردّ أنفاسه .
بعض النقاد السينمائيين اعترض على الفيلم كون الدراجي لم يشر من قريب أو بعيد إلى ما فعلته قوات التحالف في المدن العراقية ، حتى ولو إشارة وثائقية ، خصوصا وأن هناك العديد من تلك المشاهد التي تدين أفعال هذه القوات ، وكلنا نتذكر مشهد الدمار الذي لحق بالجيش العراقي على طول خط الانسحاب في طريق صفوان الرابط بين الأراضي العراقية والكويتية ،  التي اعتبرها الكثيرون جريمة حرب ضد جيش منسحب . والإجابة على هذا الاعتراض قد تكون متوفرة لدى المخرج الدراجي.
وأعتقد ان فيلم تحت رمال بابل هو إدانة مهمة للأنظمة الدكتاتورية ليس في العراق فقط بل في كل دول العالم ، والتذكير بها أمر مهم ، خصوصا وان العديد من البلدان العربية شهدت وتشهد انتفاضات شعبية كبيرة ، وربما نشاهد في القادم من السنين أفلاما سينمائية تتحدث عن جرائم أنظمة عربية عديدة ، قمعت شعوبها ، أفلاما تكشف قباحة وجه هذه الأنظمة ومن تعاون معها ، بل ومن يدافع عنها لحد الآن .
تحت رمال بابل قدّم وثيقة سينمائية عن انتفاضة منسية ، هذا النسيان قد يكون متعمدا أو غير متعمد ، لكنها كانت الانتفاضة الأولى التي قالت"  لا "  للدكتاتور ونظامه ، وربما كانت هي الفاتحة لبداية سقوط هذا النظام ، وربما سقوط أنظمة عربية أخرى لا تقلّ دكتاتورية عنه .
بحسابات التقنية السينمائية ، فإن محمد الدراجي قدم فيلما سينمائيا عراقيا متميزا ، كصنعة ، متوفرة على المادة الدرامية ذات الحبكة العالية ، مضيفا إلى رصيد السينما العراقية فيلما مهما جديدا ، بشهادة لجنة تحكيم مسابقة الأفلام الروائية الطويلة في مهرجان أبو ظبي السينمائي السابع ،التي منحته جائزة أفضل فيلم عربي لعام 2013 ، ومضيفا إلى رصيده الفني فيلما رابعا ، يؤكد أن في جعبة الدراجي الكثير ليقدمه للسينما العراقية مستقبلا.



تعليقات الزوار
الاسم: سميح خذنصر
قراءة مميزةفعلا لكن اود القول باختصار بان الفيلم ايضا دعم من اجل ابراز الدور الدموي للانظمة الشمولية السابقة كما ان الفيلم والدراجي اعتقد بانه وقع على دعم الفيلم مقابل عدم التطرق لاي موضوع يمس البنية الانسانية للمحتل الاميركي .. وحتى قسوة دول الخليج على الشعب العراقي لا على النظام شخصيا كعراقي هذا الفيلم لا يمثلني اطلاقا توجد افلام قصيرة تطرقت لموضوعة المقابر لكن بمهنية وطنية واضحة بعيدة كل البعد عن التأثيرات البدوية والقبلية الخليجية .
الاسم: علي فياض
خلي يسوي فلم على الطائفية الحاقدة في عراق اليوم.. فالطاغية الراحل لا سلطة ةلا تأثير له.. أما الذين استلموا الحكم فهم يقصفون الفلوجة والرمادي بشكل عشوائي.. من يخرج فلما عن معاناتهم؟
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون