المرأة
2015/02/18 (04:20 مساء)   -   عدد القراءات: 15611   -   العدد(3292)
شبعاد: (قوى خفية)
شبعاد: (قوى خفية)


فــرح ســالــم

بغض النظر عما اذا كان تمثال "تسواهن" للراحل أحمد البياتي والموجود حالياً في مدينة العمارة مركز محافظة ميسان، يمثل حقاً قصة امرأة بطلة عاصرت الحرب العراقية- الايرانية مطلع الثمانينات او انها تمثل رمزاً فقط لصبر وصمود المرأة الجنوبية وقدرتها على التحمل والصبر، إلا انه في الحالتين يمثل حقيقة واحدة لا يختلف عليها اثنان ربما، وهي القوة التي تتحلى بها هذه الشريحة من المجتمع العراقي، وأعني نساء الأرياف والأهوار، ممن يذللن أية صعوبة من الممكن ان تواجههن او تواجه مجتمعهن الذي لا يقدم حلولاً جاهزة مترفة للنساء عموما.ً.
كافن يونغ الرحالة الانكليزي الذي جاء إلى العراق ليعمل كاتب حسابات لدى شركة شحن بريطانية في ميناء البصرة، استغرق في قراءة كتب المغامرات الصحراوية، مما حرك لديه الرغبة في اقتفاء أثر مواطنيه بروتروم ثوماس وجيرتود بيل وجون فيلبي تشارلس دوتي وويلفرد، وسواهم من الرحالة عبر البراري، لكن وبدلاً من الانطلاق نحو الصحراء، اتجه إلى الأهوار في مصادفة نادرة..
لقد وصف في كتابه "العودة الى الأهوار" المجتمع الأهواري بالكثير من الأوصاف، الا انه خص المرأة بكلمات عبر صفحات كتابه تبدو بديهية لمن اعتاد السكن هناك في ظروف مماثلة، لكنها ستكون غريبة لو سُردت على لسان مستشرق او رحالة أجنبي تحدث في اكثر من صفحة من كتابه الشيّق عن الدور العظيم الذي تلعبه المرأة في حياة الرجل هناك..
لا يوجد عمل إلا وقمن به بأيديهن، عدا حلب الجاموس، واعمال اخرى اقتصرت على الرجال مثل صب القهوة في المضايف، كل الأعمال يقمن بها بطيب خاطر منذ طلوع الفجر..
طاقة وبراءة وجسارة شجعان وقوة بنية وشكيمة ووفاء يجعل أنينها اذا مافقدت زوجاً او أخاً ونواحها في سكون الليل معتاداً ومألوفاً.
لن تنسى الأهوارية حبيبها حتى الموت ولعل قصص العشق التي خلدتها الأشعار المحلية والحكايات بما فيها خير دليل على ذلك..
حاذقات وإن ظهرن بسيطات ولمّاحات مهما جارت عليهن الأيام وصانعات بسمة حتى في أوقات الحزن!.
إنها الأيقونة والملهمة التي تصنع كل شيء بيديها ولا تدخر وسعاً من اجل اسعاد عائلتها، هي المسؤولة عن إطعام الحيوان قبل الانسان، هي التي تجمع غبار الطلع من رؤوس البردي والمسمى بـ"الخريط" لصنع حلوى خاصة. هي التي تستخرج الخبز من تنورها الساخن بأصابعها من دون خوف من لسع اللهب وغدره، هي تلك المنظومة الاقتصادية التي تعمد الى الذهاب بالمشحوف الى مناطق بعيدة من أجل استبدال النقود بأشياء تعود بالنفع على افراد أسرتها..
انها حفيدة السومريين الذين استوطنوا هذه الارض لآلاف السنين، فهل تستحق تمثالها هذا؟ إننا مطالبون بإقامة نصب اخرى تماثل "تسواهن" وتدانيه في تكريم وتبجيل هذه السيدة العظيمة..
لاشك ان لكل النساء في هذا الوطن خصوصية وهوية تميزها عن غيرها، لكن ما من شك ايضا ان لسيدة الهور وملكته دوراً شائكاً وصعباً لا يُضاهيه دور آخر.. هذا ما أكده الوصف الذي جاد به يونغ حين قال "المؤكد أنهنّ لسن الخادمات المسحوقات المحتقرات المهملات المستغلات كما یتخیلهن، باعتقادي، بعض الأوروبیین، إنهن یشتغلن أجل لكن الرجال یشتغلون كذلك، فالعمل قدر كل سكان المنطقة، إنهن القوة الخفیة في مجتمع الأهوار!

[email protected]



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون