المزيد...
آراء وافكار
2015/06/04 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2735   -   العدد(3377)
الفصلية في نظام دعاوى العشائر 1918 وما بعده


هادي عزيز علي*

 أثارني الموضوع الذي كتبه الاستاذ علي حسين في عموده اليومي في جريدة المدى بعنوان: (البرلمان يضع تسعيرة للنساء)، وكذلك الموضوع الذي كتبه في اليوم التالي الاستاذ عدنان حسين في عموده اليومي عن الموضوع ذاته، المتعلق بنزاع وقع بين عشيرتين في البصرة وتم الفصل فيه من قبل شيوخ العشائر المتضمن دفع مبلغ 650 مليون دينار، بالاضافة إلى عدد من النساء (فصليات) .

 
الفصلية في نظام دعاوى العشائر: أصدر القائد البريطاني للحملة العسكرية لاحتلال العراق نظام دعاوى العشائر لسنة 1918 - باللغة الانجليزية، والمترجم إلى العربية ترجمة غير دقيقة – الذي بموجبه تم تحويل الأعراف والعادات العشائرية المتعلقة بالمنازعات إلى قواعد قانونية، وخوّل وزير الداخلية آنذاك تطبيقه، واكتسبت نصوصه صفة القانون بموجب المادة 114 من القانون الأساسي العراقي الصادرسنة 1925، التي تنص على: (جميع البيانات والنظامات والقوانين التي اصدرها القائد العام للقوات البريطانية في العراق .... التي مضت بين اليوم الخامس من تشرين الثاني سنة 1914 وتاريخ تنفيذ هذا القانون تعتبر صحيحة من تاريخ تنفيذها...). 
إلا أن حركة المجتمع وتطوره المستندة إلى العمل الدؤوب للشعب العراقي، دفعت المشرع إلى إلصاق الكثير من الذيول في النظام المذكور. والذيل في المصطلح القانوني آنذاك يعني التعديل. فيقال ذيل القانون أي تعديله. ومن تلك الذيول المهمة هو ما صدر سنة 1933 الذي حصر تطبيقه خارج حدود البلديات، أما داخل حدود البلديات فتتولاها المحاكم النظامية. واستمرت مواده بالسقوط الواحدة تلو الأخرى انسجاماً مع المطالبات المستمرة، وزيادة وعي المواطنين، وشعور الدولة بأن هذا النظام لا ينسجم مع الادعاء بأن الدولة تنزع نحو التقدم والحضارة، وعلى اعتبار ان النظام المذكور قد سُنّ في ظروف استثنائية تتعلق بالمحتل البريطاني ورؤيته السياسية.
إن الأعراف العشائرية، وفي جرائم القتل، وكجزء من الفصل في النزاع، وتعويضاً لما لحق ذوي المجني عليه من ضرر، ان تُعطى البنت من ذوي القاتل زوجة إلى من ينسبه العرف إلى ذوي المقتول ومن دون مهر (فصلية). التبرير الذي تضعه العشائر لهذا النوع من حسم النزاع هو التقارب بين العائلتين (المعتدية والمعتدى عليها)، ورفع الضغائن بينهم، التي لا تزول إلا بالمصاهرة بين الطرفين، من دون الأخذ بنظر الاعتبار كون البنت ضحية للإكراه المفروض عليها، ومدى الاجحاف الذي يصيبها جراء ذلك. الأمر الذي دفع وزارة الداخلية حينئذٍ – باعتبارها الجهة المكلفة بتطبيق النظام – إلى إصدار المنشور المرقم 3170 والمؤرخ في 19/9/1929، الذي تم بموجبه اقتصار التعويض في هذه الحالات على أداء مبالغ من المال عوضاً عن النساء، على اعتبار ان ذلك الإجراء لا يتفق مع وضع العراق الذي يعلن عن نفسه باعتباره دولة متمدنة. وقد شكّل المنشور المذكور انعطافاً هاماً في التعامل مع الموروث العشائري محسوب لصالح المرأة. وبذلك فقد أسدل الستار على موضوع (الفصلية) قدر تعلق الأمر بالجانب التشريعي. واستمرت مواد النظام بالسقوط الواحدة تلو الأخرى بفعل حركة المجتمع، حتى جاءت ثورة 14 تموز 1958 وقضت على البقية المتبقية من أحكامه.
التعويض عن القتل تحكمه نصوص قانونية حازمة: وتعزز هذا المبدأ بصدور قانون العقوبات البغدادي، الذي نصّ على أحكام محددة حول الحكم الذي يناله مرتكب جريمة القتل والتعويض المالي المناسب لذوي المجني عليه. وترسخ المبدأ المذكور بصدور قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969 الذي افرد باباً خاصاً للجرائم الواقعة على الأشخاص، وكان القتل العمد فصله الأول، الذي نصّ في المادة 17 منه على: (لا تمس أحكام هذا القانون في أية حال ما يكون واجباً للخصوم من الرد أو التعويض). كما ان القانون المدني نصّ على: (كل فعلٍ ضار بالنفس من قتل أو جرح أو ضرب أو أي نوع آخر من أنواع الإيذاء يُلزَم بالتعويضات مَن أحدث الضرر) - المادة 202 منه. لذا فإن النصوص القانونية منذ منشور وزارة الداخلية، المشار اليه أعلاه، قد غادرت موضوع الفصلية وأصبحت حالة في الخلف، واقتصر الأمر على التعويض المالي، الذي ترسخت مبادئه في النصوص القانونية اللاحقة وفي كافة فروع القانون.
الإكراه على الزواج جريمة: اعتبر قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل: الإكراه على الزواج جريمة معاقب عليها سواء جاء ذلك الإكراه من الأهل أو الأقارب أو الأغيار، إذ نصت المادة التاسعة /1 من القانون المذكور على: (لا يحق لأي من الأقارب أو الأغيار إكراه أي شخص، ذكراً كان أم أنثى على الزواج دون رضاه، ويُعتبر عقد الزواج باطلاً إذا لم يتم الدخول ..). (يُعاقب من خالف أحكام الفقرة (1) من هذه المادة بالحبس مدة لا تزيد على ثلاث سنوات وبالغرامة، أو باحدى هاتين العقوبتين). ومع ضعف الردع العقابي في هذه المادة، إلا أن المشرع اعتبر الاكراه على الزواج باطلاً على وفق الصيغة أعلاه. وقد كان المشرع في اقليم كردستان أكثر حزماً في هذا الجانب إذ اعتبر عقد الزواج باطلاً إذا لم يتم الدخول وموقوفاً على إرادة الزوجة إذا تم الدخول.
العقوبة شخصية وقضائية: نصت المادة 19/ ثامنا من دستور 2005 على: (العقوبة شخصية)، هي من خصائص العقوبة ومبدأ أساسي في كل دساتير الدنيا. وهي مبدأ دستوري وليس قانونيا حسب، وهذا يعني ان العقوبة يجب أن توقع على مرتكب الجريمة وحده، ولا يجوز أن يتعدى ذلك إلى أفراد أسرته لأنهم ليسوا شركاء معه في الفعل المنسوب اليه. وهذا المبدأ الدستوري ينسجم مع الآية الكريمة: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) 164 الأنعام، والآية الكريمة: (كل نفس بما كسبت رهينة) 38 المدثر. فضلا عن كون العقوبة شخصية فانها قضائية، أي لا يجوز فرض العقوبة إلا من قبل جهة قضائية مخولة قانونا بتطبيق القانون، من أجل ضمان حماية الأشخاص وحقوقهم وحرياتهم. وهذا يعني ان ايقاع العقاب ينحصر في المحاكم ولا يحق لأية جهة أن تنتحل صفة القضاء وتفصل في النزاع، المادة 87 من الدستور. 
عقد الزواج في المذاهب الإسلامية: اتفقت المذاهب الاسلامية على أن عقد الزواج يتم بالإيجاب والقبول. واتفقوا على ان العقد يصلح إذا وقع بلفظٍ مشتق من الزواج أو القبول أو الرضا، إلا أنهم اختلفوا في الصيغة. فالأحناف قالوا يجوز العقد بكل ما دل على ارادة الزواج. وقال المالكية والحنابلة ينعقد الزواج بلفظ النكاح والزواج وما يشتق منهما. وقال الشافعية يجب أن تكون الصيغة مشتقة من لفظ التزويج والنكاح فقط. أما الإمامية فاشترطوا أن يكون الإيجاب بلفظ زوجتُ وانكحتُ بصيغة الماضي. ومع اختلاف الصيغ لتلك المذاهب واختلاف التسميات، إلا ان المذاهب تلك متفقة على ان عقد الزواج من العقود الرضائية المتمثل باقتران الإيجاب بالقبول، ولا محل للاكراه في عقود الزواج.
القرآن الكريم -[ومن آياته ان خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون] الآية 21 من سورة الروم. وقد تناولت كتب التفاسير هذه الآية بالمزيد من الشرح والتفصيل، والأسس المطلوبة لبناء العلاقة الزوجية بين الزوج والزوجة. ولوضوح قصد المشرع في هذه الآية من دون الرجوع إلى كتب التفاسير، فلا سكينة بين الزوجين إذا بُني الزواج على الاكراه والبغض وكونه أثرا من آثار جريمة القتل، ودافع الثأر وحب الانتقام الذي يستعر في قلب الزوج تجاه الزوجة المرغمة على تلك العلاقة، ومن أين تأتي الرحمة إذا كانت قلوب ذوي المجني عليه تنظر إلى الزوجة باعتبار عائلتها سبباً في فقدان ابنهم. فهل تستقيم المودة في هذا الوضع المأزوم؟ فيكون الزواج بطريق الفصلية مخالفاً للنص القرآني الوارد في سورة الروم، لعدم امكانية تحقيق السكينة والمودة والرحمة ضمن الوضع المشحون بالكراهية والانتقام.
العشائر في الدستور العراقي: تنص المادة 45/ثانياً من الدستور على: (تحرص الدولة على النهوض بالقبائل والعشائر العراقية، وتهتم بها بما ينسجم مع الدين والقانون، وتعزيز قيمها الانسانية النبيلة، بما يساهم في تطوير المجتمع، وتمنع الأعراف العشائرية التي تتنافى مع حقوق الانسان). في هذا النص وضع المشرع ثلاث مرشحات لمرور العادات العشائرية إلى موضع التطبيق. الأول: أن تكون منسجمة مع الدين، والثابت لدينا من السطور المتقدمة ان موضوع الفصلية لا ينسجم مع أحكام الفقه الاسلامي والشريعة الاسلامية. والثاني – ان موضوع الفصلية مرفوض قانوناً اعتباراً من تاريخ منشور وزارة الداخلية سنة 1929 والتشريعات اللاحقة. أما الثالث: فان مفهوم الفصلية يتعارص تماماً مع حقوق الإنسان، وخاصة أحكام المادة 23 من العهد الدولي الخاص للحقوق المدنية والسياسية، التي تعتبر عقد الزواج لا يتم إلا برضا الطرفين. ومعلوم ان العراق قد انضم إلى هذا العهد بالقانون رقم 193 لسنة 1970 المنشور في الجريدة الرسمية بالعدد 1927 في 7/10/1970، والمادة 5 من اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي صادق عليها العراق بموجب القانون رقم 66 لسنة 1986، المنشور في الجريدة الرسمية بالعدد 3107 في 21/7/1986، وكلا القانونين أصبحا ضمن النسيج التشريعي العراقي.
مما تقدم يتضح ان موضوع الفصلية يخالف الأحكام العامة للقوانين وحسبما مبسوط أعلاه، كما انه يخالف اجراءات السلطة القضائية في قانوني العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، اضافة لمخالفته لحقوق الإنسان الواردة في الاتفاقيات الدولية المصادق عليها من قبل العراق، فضلاً عن مخالفته للأحكام الدستورية، خاصة الباب المتعلق بالحقوق والحريات. وأخيراً فان الموضوع المذكور لا محل له في أحكام الفقه الاسلامي والشريعة الاسلامية والآيات البينات في القرآن الكريم، لذا فان هذا الفيض الكبير من النصوص التشريعية التي تتصدى لهذا الموضوع تُلزم السلطات الثلاث باتخاذ ما يلزم للوقوف بوجه من يمارس هذا العرف حفاظاً على كرامة المرأة وحريتها ومنجزها التشريعي.

* قاض متقاعد



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون