المزيد...
مقالات رئيس التحرير
2015/08/24 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 10012   -   العدد(3438)
دين السيستاني، وفساد أدعياء الدين...!
دين السيستاني، وفساد أدعياء الدين...!


فخري كريم

كلما واجهتُ سؤالاً يتعلق بالضمير، لم أتردد في الافصاح عن مكنونات ضميري، فالاديان والعقائد، وتجلياتهما التي يتجاذبهما الإيمان والشك، قضية ضميرٍ لا يجوز التسامح مع من يريد التطفل على مكنوناته، وإطفاء جذوة الحرية في مساحاته المضيئة، المفتوحة على إعمال الفكر والجدل على مشارف خطوط التماس بين القناعات المكتسبة، وحيرة العقل أمام اعجاز الكون وتصميمه العظيم.
لم يكن امامي، وانا أواجه سؤال الضمير سوى القول: انا لا أدعي الايمان المكتسب الذي لا يقوى على الرسوخ في مواجهة إعجاز العقل وتصميم الكون اللامتناهي، ولستُ في وارد المفاخرة بالالحاد والدعوة له، فالايمان والالحاد، كلاهما يتحركان على قاعدة من منظومة معرفة موسوعية، لا ينالها كل طالب كسول، يكتفي بالسؤال ليرد بجوابٍ مستلٍ لا يقين يسنده او بسؤالٍ لا يستقيم له معنىً.
واكثر الاسئلة التباساً وإثارة للكراهية، تلك التي تجعل من الدين والعقيدة لبوساً للسياسة ورجالاتها، وسُتراً لمباذلها اليومية، وانحيازاتها لأفرادٍ وجماعاتٍ لا حصانة اخلاقية أو قيمية أو ارتباطاً ايمانيٍاً عميقٍاً بهما، مبرأة من كل عيبٍ أو ادعاءٍ أو انسلاخٍ من مطامع دنيوية...
في التاريخ الانساني لحظاتٍ مشرقة من الانفتاح والتفاعل بين رجالات الدين، كل الاديان ومرجعياتها، وبين مصائر الناس والانظمة الاستبدادية والطغاة. واللحظات المشرقة في تاريخنا الوطني العراقي، ودور رجالات الدين ومرجعية النجف فيها، كثيرة، قد تشكل ثورة العشرين في اوائل القرن الماضي المَعلَم الأبرز فيه، والأكثر رسوخاً في الوعي الجمعي للعراقيين.
واليوم تستعيد اللحظة بهاءها، ويسترجع الناس الأمل في ان تتكامل ملامح المشهد السياسي الشعبي، وانطلاقة الحركة الاحتجاجية - المطلبية بمضامينها السياسية، مع صعود الدور المتفاعل الداعم والمحرك للمرجعية الدينية، ودور السيد السيستاني في بلورتها..
قد يحاول البعض إثارة شكوكٍ وهواجس، ارتباطاً بتسويق كتلٍ واصطفافات سياسية، أدت في واقع الحال الى تكريس المحاصصة الطائفية، والمنظومة السياسية التي انتجت هذا الخراب واشاعت بيئة الفساد ونهب المال العام والتسلط على مفاصل الدولة المهترئة التي باتت لا دولة.
لكن تلك كانت مرحلة شكوكٍ وقلقٍ وإفتراقٍ، خيم على اجوائها إرث اربعة عقود من الاستبداد، وأفرزت احقاداً وإقصاءً وتهميشاً طاولت جماعاتٍ وطوائف ومللاً، مما جعل للهويات الفرعية والدفاع عن مصالحها، في ظل تراجع الوعي، وتدهور القيم وتراجع المُثل الوطنية العليا، القيمة الأسمى..! وكان من شأن ذلك كله غياب الرؤى واعتماد المواقف الملتبسة اطاراً عاماً لما انحدرت اليه السياسة العامة في البلاد..
رغم كل ما يمكن استذكاره من تلك المرحلة، فلابد من التوقف امام تلك المحطات التي اتخذ فيها السيد السيستاني موقفاً تاريخياً بفضح الطبقة السياسية الفاسدة، وعزلها عبر رفض استقبال اي قطبٍ فيها، بل رفض جميع رموزها دون استثناء، وهو ما استمر حتى اليوم..!
تلك العزلة التي طاولت المسبب الاول للهزائم التي حلت بالبلاد، رئيس مجلس الوزراء السابق وشركاءه في السلطة، لعبت الدور الاهم في التغيير الذي اطاح بالحكومة السابقة وحال دون فرض ولاية ثالثة له.
واذا لم تتوضح صورة المشهد الذي تحركت فيه المرجعية خلال المنعطفات السابقة، لاعتبارات تتعلق بسياقات التقاليد التي تتحكم في ادوار السيد السيستاني ومكتبه، فإن الدخول المباشر له في المشهد الجماهيري الراهن وانحيازه بوضوح الى جانب مطالب الناس، والتشديد في دعوة رئيس مجلس الوزراء الى التعامل الحازم ضد الفساد ومظاهر انهيار المنظومة السياسية والاخلاقية للدولة والطغمة الحاكمة، يؤشر دون مواربة لاستعادة المبادرة لتجاوز اي شكوكٍ أو هواجس بشأن ما كان مضمراً في بيت المرجعية العليا في النجف الاشرف.
إن اصطفاف المرجعية مع المتظاهرين وتبني مطالبهم، واعلانها الصريحٍ بتبنيها مطلب الدولة المدنية، يكرس لحظة مشرقة مستعادة من تلك الثورة الوطنية الشعبية في اوائل القرن الماضي وامجادها.. ثورة العشرين..
إن هذا الاصطفاف الوطني للمرجعية الدينية وعلّامتها الابرز، يحتم على كل متظاهر في ساحات البلاد ان يكون امام مسؤولية تجنب وضع الدين من حيث هو عقيدة المسلمين بغض النظر عن مستويات ايمانهم وممارستهم لشعائرها، وبين رموز الفساد والتفسخ السياسي، ونهابي المال العام والمتسلطين على مقدرات البلاد في اطار المحاصصة الطائفية وتقاسم مغانمها.
وهذا الوعي بالتلازم بين المطالب والاهداف والشعارات، وضرورة اجراء فرز بين جميع الكتل والاحزاب والمجموعات، على اساس الانحياز الى صفوف المتظاهرين وتبني شعاراتهم ومطالبهم، بعيداً عن أي مساسٍ بالدين والمعتقد، وتجاوزاً للشخصنة والاستهدافات المفرقة للصفوف التي قد تدفع قوى متنفذة تطمح للانحياز الى الجماهير للتخلي عن ايجابيتها، ليس بمعزلٍ عن ضغوطاتٍ تتهمها بعدم الدفاع عن الاسلام والقيم الدينية ورموزها..!
الفاسد والطاغية واللص لا دين ولا مذهب له. ويتشارك في هذا العلماني والمدني الى جانب المنتمي الى فصائل الاسلام السياسي..
ليكن شعارنا: الدين لله والوطن للجميع..!



تعليقات الزوار
الاسم: خليلو...
على مدى تاريخ العراق السياسي كان التشيع فيه يمثل التيار الأكثر إشراقا في الميدان الفكري-السياسي قياسا إلى سواه من المذاهب باستثناء المجتمع الكوردي منه حيث يمكن تأشير الكثيرين من المنتمين أسر دينية خلافا للمجتمع العربي وتحليل السيس المنحدر من الأصول الدينية تقرر هذه الحقيقة إذن كان التشيع بشكل عام كان بؤرة للتقدمية في الوقت كان التمذهب الآخر بؤرة للرجعية بشكل عام الذي حصل أن هذا المشهد الفكري -السياسيً بدأ بالأفول بسبب السلوك الفاسد لممثليه .وعندما مارست مرجعيتها المذهبية دورها الإيجابي في مجرى الأحداث وتعديل مساراتها بالإتجاه الصائب أخذ الشارع يتراجع عن وصف الشيعة بفاقدي الأهلية لإدارة دولة وهي أصلا جديرة بها تاريخيا ومن يتتبع سيرة رجالاتها يتيقن من ذلك . اليوم وبعد أن نصح السيد في النجف انتقل الدور إلى السيد العبادي ليعيد الى وجه التشيع الراقي نصاعته شكرا للمرجعية السيلسية المتنورة صاحبة السيرة المشرفة أعني به الأستاذ فخري كريم صاحب المنار الفكري المدى .........
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون