مقالات رئيس التحرير
2015/08/31 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 10040   -   العدد(3444)
يا زوارق النجاة مهاجرونا مُذَلّون مُهانُونَ في وطنهم، فلا تخذليهم ..!
يا زوارق النجاة مهاجرونا مُذَلّون مُهانُونَ في وطنهم، فلا تخذليهم ..!


فخري كريم

في لحظة انتباهة، حيث أغيب عما حولي بعيداً عن مشاهد قطيع الفساد وهو يفترس وطني، أشعر أنني مسلوب الارادة ومعطوب الأحاسيس، كل ما أتظاهر به من وازع للضمير، ورهافة إنسانية ، يتجرّد من معانيه ويفقد دلالاته أمام هول مشاهد المعابر البحرية وهي تبتلع العراقيين وأطفالهم الرضّع ونساءهم المفجوعات وشبيبتهم الهاربين من جور وضيم وطنهم الذي استباحته حيتان الكفر بالمواطنة والانتقاص من قيمها، التي جعلت البلاد نهباً لاطماع ثُلّة من لصوص المال العام، تتلذذ بعذابات ملايين العراقيين وتستمتع برحيلهم المؤشر لتراجع اي بارقة للامل في نفوسهم وانسداد ابواب الرجاء، مهما كان مؤجلاً، لنهاية المأساة التي حوّلت كل مساحة في بلادهم الى مسرحٍ للغنائم من السحت الحرام ولاغتصاب ارادتهم، بعد أن جردتهم حتى من الامل والرجاء ..!
اكاد انا الآخر، إذ انتقل في كل لحظة من تتالي مشاهد جثث عشرات العراقيات والعراقيين ممدة على الرمال في بلاد تحتكم الى الضمير الانساني لا الادعاء بالتقوى الزائف، أن "أستقيل" من ادعاءاتي كلها واذهب الى حيث تلك المعابر لعلّي استطيع انقاذ من رمته امواج البحر الى سواحله قبل أن يغيّبه الموت، أو أنتشل جثة طفلة غاصت أمها في غياهب البحر، أو اتعرف على الاموات فأخبر ذويهم، ولعلي أغطي اجساد امهاتنا واخواتنا وبناتنا عن أنظار "الكفار" وهن "حريم" حكامنا الذين لا يرف لهم جفنٌ لهول المأساة التي تحل بنا، ولا يعنيهم انكشاف اجسادهن وهي "عورة" هؤلاء الذين اغتصبوا ارادتنا وانفردوا بعورات نسائنا البتولات ..!
لا صدىً لكل ما يجري تداوله من مشاهد الموت والفجيعة والهول كل يوم. لا يقظة تحرك ضمائر ونفوسٍ تآكلت بفعل الاعتياد على مشاهد الموت اليومي على الهوية. ولا رحمة في قلوبٍ تحول نبضها الى مجساتٍ لاشاعة الكراهية وفنون الاستئثار والانانية بلا حدود ..
كيف لنفوس اعتادت على اغتصاب الارواح والاموال، وجعلت ابناءها و"حريمها " في حرزٍ أمينٍ بعيداً عن الحرائق التي تحيط بالعراقيين، تتمتع بخيرات وحماية دول اوربية "كافرة"، كيف لها ان تتحسس محنة المهاجرين وهم ادوات قهرهم في وطنهم؟ من اين يمكن أن يأتي الاحساس لهؤلاء الحكام، كبار مسؤولي الدولة العراقية المتصدعة الاركان، وتظهر علامات الفجيعة على محيّاهم التي "تعفّرت" من شدة التقوى والسجود، وبان الايمان الملفق في ملامحهم وهي تسخر من سذاجتنا؟ متى نستيقظ من احلامنا العجاف وننفض اوهامنا لندرك انهم يريدون ان نموت بغيضنا، ويدفعنا اليأس والمهانة الى حافة "الكفر" والانسلاخ من هويتنا وتقوانا، ونضيع في حُمّى شكوكنا وهواجسنا، فلا نعود لنفرق بين ايمان الضمائر والتقوى الزائفة التي يشيع في اوشامها البهتان والرذيلة، والايمان مجرداً من الرحمة وقيم التكافل، كفرٌ لا تتكفل برده كل كتب السماوات والقوانين الوضعية؟ ..
أي سخرية ومقاربة لها تتلبسنا، إذ كنا نهرب ونهاجر ونُقسر على الهجرة من الاستبداد، فإذا بالتغيير والعراق الجديد والنظام الديمقراطي يصبح طارداً لمواطنيه بامتياز، فتتعدد اسباب الهروب والنجاة والهجرة، بعد ان اغتنت قواميس السياسة بمصطلحاتٍ مبتكرة للعراق المهزوم من داخله: "المحاصصة الطائفية"، "التوازن الطائفي" ، "الفيدرالية بضلعٍ أحادي"، وهي تعابير وابتكاراتٍ اصبحت حوامل لنهب منظم ولفسادٍ حسب الطلب، فساد للتصدير، وإفسادٍ للاستيراد ..!
اننا فرحون بيقظتنا اذ نتظاهر مطالبين بالاصلاح، متناسين ما يتهددنا من عوامل إفقارٍ ليست أقل شروراً مما بات ملازماً لحيرتنا وغيبوبتنا التي سلبتنا القدرة على امعان الفكر في حجم مصائبنا.
أي إصلاحٍ يعيد الى العراقي كرامته وغيرته ومواطنيته التي تفككت ولا يُراد لها الا أن تزداد اهتراءً وتمزقاً وانسلاخاً عن دلالاتها؟
نحن نتظاهر، وهم يتظاهرون ، والكل يتظاهر، والرهان على من يتعب اولاً ..!
نحن نتظاهر، وكلما اتسعت مساحة مظاهراتنا ازدادت شعاراتنا وتعددت اهدافنا، تتقاسمنا وتتجاذب اهواءً ومشارب تتخفى وراء بعضها كمائن تراهن على أن نتعب ونضيع وسط خرائبهم ..
أي اصلاحٍ ومساحة الامل تتضاءل كلما غرق مركبٌ تضيع آثار مهاجرين عراقيين فيه؟ ..
أي إصلاحٍ ، والمشهد لم يختف منه ولا وجه فاسدٍ واحد؟ ..
ايها المنادون بالاصلاح في الساحات والميادين ، لا تنسوا مهاجريكم الهاربين من الفقر والقلق على مستقبل اولادهم والعسف ..
ايها المبادر بقبول نداء الاصلاح، المهاجر لا ينتظر الدعوة بالرحمة، بل قبساً من الامل يفتح امام ذويه باب الفرج ..
نعم للخبز والحرية والعدالة الاجتماعية
لكن الامل هو الطاقة المتجددة للتغيير والاصلاح ..
فاي زورق نجاة سينجو من الاعصار :
زورق المهاجر المهزوم، أم زورق الاصلاح والتغيير..؟



تعليقات الزوار
الاسم: ابو سجاد
هذا ليس غريبا على العراقيين خصوصا وعلى العرب عموما تلك الهجرةاذا اردت ان تلوم هؤلاء ماتسميهم برلمانيون وحكومة فلك الحق ان هؤلاء او غالبيتهم ذاقوا ذل ومهانة الهجرة ولكن هؤلاء ليس بشرا لو كانوا كذلك لما ارتضوا للعراقيين اعادة ذل المهانة ولكنهم ليس بشرا انهم مجموعة خنازير برية قذرة فاللوم لايقع على هؤلاء المجردين من الانسانية ومن الاخلاق التي يتصف بها المسلم وانما على من يحمل اسم القومية العربية او الهوية الاسلامية الكل يلام ولايستثنى منهم احدا كل الحكام العرب والمسلمين وشعوبهم الذليلة فاللعنة على العرب واللعنة على المسلمين الذين ارتضوا ان يكون هذا حالنا وليحيى الغرب العظيم المليْ بالانسانية والنبل والاخلاق والعدالة وسيكتب التاريخ عن العرب والمسلمين في صفحته السوداء والله لايستقيم وضعنا ولايستقيم ديننا ولاتتحسن اخلاقنا الا بزوال هؤلاء المعممين من ساحاتنا ويتوارو عن انظارنا وعلينا بثورة لازالة تلك الاوساخ النتنة من بلادنا ولكن من سيقوم بتلك الثورة ياترى
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون