مقالات رئيس التحرير
2015/09/05 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 9957   -   العدد(3449)
مسؤولية الحفاظ على زخم المظاهرات ووطنيتها..
مسؤولية الحفاظ على زخم المظاهرات ووطنيتها..


فخري كريم

كتب لي العديد من الاصدقاء عن سبب عدم توقفي عند مظاهر ملفتة سلبية أحاطت بالمظاهرات خلال الاسابيع المتتالية. كذلك الامر بالنسبة لبعض من سمح لنفسه بادعاء قيادتها رغم الشبهات التي تحوم حول سلوكه ودوافعه واغراضه، التي يمكن ان تكون من بين اسباب تراجعها واضعاف زخمها.
ببساطة شديدة، ان المظاهرات هي سيدة نفسها، وكل متظاهر هو راية من رايات الاصلاح، اذا ما حرص على التعبير عن مضامينها وهمومها وعبر عنها بسوية سياسية واخلاقية تجنبها ما يخدش مصداقيتها وارتباطها بقضايا الناس ومصالحهم المستباحة. وفي كل ما يتعلق بالشأن العام، والحركات الاحتجاجية من بينها، يمكن ان تتعرض الى ما يُشبه "الهكر" أو الالتفاف عليها من داخلها، واظهارها ودفعها خارج سياقاتها الوطنية العامة، سعياً لاخضاعها لمصالح فئوية وشخصية وغيرهما من المطامع والاغراض المشبوهة. لكن مثل هذا الاستلاب او الالتفاف لن يظل بعيداً عن الانكشاف للقوى الحية المعنية بالحراك، وصاحبة المصلحة الحقيقية بانجاز اهدافها ومهامها. وهذه المصلحة لا تتوافق مع من يريد تحجيم الحراك والمظاهرات، ولا تحويلها الى منصات شخصية.
لقد نسي البعض او توهم بان المظاهرات جاءت تلبية لـ"بوست" في الفيس بوك، أو تجمع من بضعة اعلاميين، بينهم من يحمل الهم العام ويريد خلاصاً حقيقياً، ولم يُدرك ان الناس لا تخرج الى ميادين الاحتجاج لارضاء رغبة شخصية أو دعوات مجردة، دون ان تكون الظروف الموضوعية والذاتية قد نضجت، وجعلت من استباحة كرامتها وامتهان حياتها وانتهاك حرياتها منطلقاً للاحتجاج والرفض والخروج بما يتاح لها من وسائل لاصلاح احوالها ووضع حدٍ لكل انتهاكٍ واستباحةٍ وامتهان.
إن مثل هذه المظاهر تشكل عاملاً من عوامل انهاك الاحتجاجات وتراجع الالتفاف حولها، اذا ما شابت الحركات الاحتجاجية، او حاولت العناصر الحاملة لوبائها الاندساس فيها وإضفاء شعارات لا تعبر عن صميم اهدافها، على تجمعات تنفرد بها، في محاولة لابراز ما هو ثانوي على ماهو مطالب واهداف اساسية.
وللاحتجاج والتغيير والاصلاح "لغتها" المعبرة عن سوية المحتجين الاخلاقية والسياسية التي تنبذ لغة الرثاثة والشتائم والتعريض حتى بالفاسدين او من هم المسؤولون عن خراب البلاد ودمارها ونهب ثرواتها، ووضع ثلث البلاد تحت سلطة قُطّاع الطرق وقطعان داعش وكل فصائل الارهاب والجريمة المنظمة.
فالاصلاح، اذ يُريد الاحتكام الى الدستور والقانون والعدالة، يضع المتهم امام سلطة الشعب الممثلة بالسلطات الثلاث، التشريعية والقضائية والتنفيذية، حتى اذا كان ثمة عِوٓر في الدستور أو في القوانين ما لا ينسجم مع الحقوق والعدالة والمساواة، او شابت البرلمان ما يعتبرها البعض او الكل مثالب ونواقص، تجعل بعضاً من اعضائه او كلهم مجردين من تمثيل الارادة الشعبية، او تحوم حولهم الشبهات بالفساد او ضعف الارادة. كذلك الامر بالتعامل مع السلطة التنفيذية او شخص العبادي. فرغم فساد الطبقة السياسية المهيمنة على سلطة القرار، فان الكيفية التي تُصار اليها ادارة العملية الاصلاحية تتطلب قدراً من الاعتماد على الدستور ومراعاة الصلاحيات وتطويع ما لا يستجيب لدعوى الاصلاح بما يمكن من حدود دنيا للالتزام بالشرعية القائمة التي فقدت شرعيتها في نظر المتظاهرين، لكن فقدان الشرعية هو الآخر بحاجة الى آليات وقوى دافعة.
خلال تطور المظاهرات من اسبوع الى اسبوع، جرى التشويش على المتظاهرين من خلال رفع شعارات ثانوية تارة او تعجيزية تارة أخرى. ان المطالبة بالغاء الدستور او تعطيله، وحل البرلمان والحكومة، واعلان حالة الطوارئ، تثير اشكاليات وقلقا حتى بين صفوف المطالبين بالاصلاح، بل والاخطر من ذلك من شأنه توحيد المناوئين للاصلاح واعادة ترتيب تحالفاتهم والبحث عن اساليب
"شرعية" في ظاهرها لتفريغ عملية الاصلاح من محتواها وجوهرها.
ومثل هذه المطالب تثير تساؤلاً مشروعاً عن الجهة التي توكل اليها سلطات التشريع والقضاء والتنفيذ في ظل احكامٍ عرفية وغيابٍ لاي سلطة لها طابعٍ "شرعي" ولو بالحدود الدنيا.! وحتى لو افترضنا ان مثل هذه الشعارات ممكنة التطبيق، الا يصبح ضرورياً التوقف عند متطلبات اجراء انتخابات مبكرة، حرة ونزيهة ومعبرة عن ارادة المطالبين بالاصلاح والتغيير.؟ ومن بين الشعارات العاصفة، تلك المطالبة بملاحقة القضاة الفاسدين. واكاد أجزم وانا مهتم منذ التغيير بمتابعة اوضاع القضاء وشؤونه، ان اصلاح القضاء يحتاج الى احدى وسيلتين، أما جراحة قيصرية او خطة اصلاحية محكمة تعيد بناء قضاء عادل يستطيع الاسهام في بناء دولة مدنية ديمقراطية، دولة مؤسسات وحقوق انسان وعدالة اجتماعية.
كل هذا لا علاقة له بأي شعارٍ ثأري، او يعكس الرثاثة وفساد اللغة والشعار، ويتعارض مع مطالب تعكس مصالح ونزعات شخصية معزولة..
قد يجوز ان المظاهرات الاخيرة لم تكن عددياً مرضية، لكن هذا يجب ان لا يكون مدعاة للشعور بالاحباط والتراجع او اي مستوى من اليأس..



تعليقات الزوار
الاسم: ابو سجاد
حسب فهمي البسيط ان التغييرات وليس الاصلاحات التي قام بها العبادي هي ليست تنازلا لرغبة الجماهير ولكن تلبيتا لضغط المرجعية ليس الا والمرجعية بدورها حاولت ان تثبت وجودها بعدما ضعف دورها في قيادة الناس وتراجعت شعبيتها بين اتباعها حرظت على التظاهرات وهنا ارادت ارسال رسالتين احداهما الى الشعب انها اي المرجعية مسؤولة عن دم ومال وعرض المؤمنيين وهذا الزام شرعي وانها ليست بعيدة من ناسها واتباعها ورسالة ثانية الى الحكومة والبرلمان والى جميع المسؤولين في الدولة اياكم والتجاوز على المرجعية او تجاوزها فالشعب بيد مرجعيته وهي التي تحركه متى شائت وتستطيع ايقافة متى شائت ونحن نعلم جيدا عمق الازمة بين الحكومة والمرجعية خلال السنوات الاخيرة وخاصتا مع دولة الفافون وعليه ان نكون حذرين بما تخطط له المرجعية بعد التغييرات التي ابدتها الحكومة بما تسمى الاصلاحات ان تحاول المرجعية بعد اعادت جزء من هيبتها التي داست عليها الحكومة ان تغير خط سير التظاهرات وتقنع الجماهير انها راضية عن عمل الحكومة بعد تلك الاصلاحات اوعلينا ان نعطيها الفرصة من جديد لاثبات صدق ماوعدت به المتظاهرين ولربما هذه الفرصة تكون حتى الانتخابات القادمة وهذه مصيبة كبرى اذا صح ذلك
الاسم: طارق الجبوري
استاذي الفاضل تشخيص دقيق لممارسات تبدو عفوية وخاصة ما يتعلق بالشتائم وضرب صور بعض المسؤولين بالاحذية لكني ومن خلال مشاهداتي ارى صعوبة التحكم والسيطرة لان اي اعتراض قد يدفع الى مشكلات داخل التظاهرات وهو ليس لصالح دعوات التغيير .. الحراك المدني من شيوعيين وليبراليين كان الانضج في الهتافات والشعارات واعتقد ان غياب بعض التيارات في هذه الجمعة كان لصالحه برغم ان عدد الحضور ليس كالجمع السابقة لكنه اتاح الفرصة للمواطنين ان يتجمعوا حول شعارات الحراك المدني مع خالص اعتزازي
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون