مقالات رئيس التحرير
2015/09/08 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 9343   -   العدد(3451)
سفرُ محفوفٌ بالمخاطر بحثاً  عن وطن ..!
سفرُ محفوفٌ بالمخاطر بحثاً عن وطن ..!


فخري كريم

يوم وجدنا زمن الهجرة القسرية في بلدان مجاورة يمتد، تجرّعنا السم "الوطني" الزعاف وقلنا لمن يريد البحث عن ملاذٍ آمن في دول اوربا: رافقتكم السلامة، لا تجعلوا من الملاذ الجديد وطناً بديلاً، وتذكروا أن الوطن ينتظر عودتكم ..!
كان ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، يوم أصبح ايواء آلاف العوائل والمناضلين عبئاً يفوق الامكانيات الشحيحة التي كانت في طريقها لأن تجف مصادرها .
لم يكن القرار سهلاً، فهو يمس صميم القيم الوطنية التي تشرّبنا بها، منذ تعلمنا ابجديات العمل الوطني، والكفاح لاعادة الاعتبار للمواطنة كحاضنة لتغييرٍ من شأنه بناء جنة أرضية تحترم سويتنا كبشرٍ، وتجعل من الوطن قيمة تسمو على القيم كلها، ترتقي بزهونا فيها ونفخر بانتمائنا لها.
في تلك الايام وما قبلها، كنا نتغنى بالوطن، ونفتدي رايته ونشيده بكل غالٍ ونفيس، لا نفكر بخلاصنا الشخصي، أو نقبل الخيار بين الحياة الرغيدة والموت في سبيل الوطن. وحين كان الواحد منا يخطو خطوته الاولى ليصبح منتمياً، يحمل تعويذة لا تفارقه: الاستشهاد دفاعاً عن الوطن وفداءً للشعب.! وكان ذلك " تعهداً" شخصياً، ذاتياً يردده المنتمي مع نفسه دون ان يهمس بكلماته خشيةً من متلصصٌ أو صديق، يرى في الهمس إدعاءً بالبطولة، وتيهاً مبكراً مع مجدها. وكان الهمس يردد تلك المقولات التي ارتقت فيها قامات الوطن أعواد المشانق، وهي تهتف للوطن المستلب، وتعيد استذكار عذابات من تجرعوا التعذيب الوحشي، ورفضوا القبول بخيار حياة الذل مجرداً من قيم الوطن والذود عنها، خلاصاً من تعذيب لا طائل لاحتماله دون أن يكون الانسان قد سما فوق ذاته وكل ما يتعرض له من مسخ انسانيته ..!
قلنا يومها، لا بأس فالوطن سيتعافى، والاستبداد سيسقط تحت ثقل ما يرتكبه من استباحات يندى لها الجبين، والوعي سيصبح واحة تتفجر فيها المعجزات، والعراقي سيغدو مثلاً يحتذى به. حينها سيعود هؤلاء، وهم يتركون وراءهم ملاذاتهم التي ليس فيها طعم الوطن، ولا تفوح منها رائحة أمجاده ووعده وسمو قيمه ومآثره .
كان اللجوء بمعايير ذلك الزمن الجميل الواعد، "عيباً" بالمعنى الاخلاقي قبل المعايير السياسية. حتى ان أفقر معدمٍ تفوح منه رائحة الجوع كان يرفض أن يكون خلاصه تخلياً عن فكرة الوطن.! وقد بكى الناس في نهاية الخمسينيات بدموعٍ غزيرة، وهم يتابعون مأثرة سجينة شيوعية يهودية انهت محكوميتها وتقرر تسفيرها الى بلد وسيط ينقلها الى اسرائيل، بعد ان انهت سنوات السجن. رفضت المغادرة، وتشبثت بسلم الطائرة، لم يستطع رجال الأمن ثنيها، وظلت على حالها الى أن اعيدت الى السجن متمتمة، وهي تواجه جلاديها: انتم غرباء عن وطنكم، لهذا ليس غريباً ان لا تفهموا تشبثي لانني ارى بوابة سجني على ارض بلادي كوة أمل ورجاءٍ على رحاب الوطن .
بقيت "عميدة" سجينة الى ان أطلق سراحها بعد ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨.. بقيت متعلقة بوطنها، ورفضت أن تذهب الى اسرائيل او تبحث عن وطن بديل، حتى وان كان وطنها العراق سجناً كبيراً لا يحمل سوى الوعد بالمزيد من العذابات والمكابدات والمهانة ..
أكنّا مهووسين بافتراضٍ مكانيٍ لا معنىً قيمياً له.؟ أكان الوطن محض حدودٍ، وارض ممتدة تُحسب بآلاف الكيلومترات وهوية احوالٍ وجواز سفر..؟
وما الذي جرى حتى صار ذاك الذي كان يوماً زهواً وافتخاراً ومدعاةٍ للافتداء والتضحية" طارداً للأمل" مسكوناً باشباح الفاقة والموت المجاني، مثيراً للريبة والشك في امكانية ان يكون العراق، بل كل دول "الوطنية الزائفة" و"القومانية المتعجرفة" مجرد ملاذٍ آمن دون اي امتياز؟.. كيف انقلب الوضع لنستبدل النشيد الوطني في ساحات الاحتجاج وفي بيوتنا بالتغني بانسانية ميركل التي تستحق ان تكون كذلك بجدارة انسانٍ سوي، تذرف دموعها أمام الملأ وتحني قامتها لطفل مات غدراً على شواطئ غريبة، وحكام دولنا الاسلامية، يتعالون على مهانتنا ويتراكضون لحجٍ ثانٍ او رابعٍ او سنوي، في حين يتخلى مدير شركة وثلة من موظفيها عن اجازتهم السنوية ويتبرعون بمصاريفها للاجئين، بل ويقضون الاجازة بالتفرغ لجمع التبرعات لهم .؟!
اهذا وطن نتغنى به ونفتديه، وحكامه يتفننون بنهبه وتدمير نسيجه الاجتماعي، ويديرون ظهورهم لمآسيه، ويتعاركون صراخاً وعويلاً على ما سيفقدونه من امتيازات وحظوة ومصادر للنهب والسرقة؟!! ..
قلت لأمجد الذي يستعد للحاق بحبيبته التي عبرت البحر: ارجوك لا تفعل، انه سفرٌ محفوفٌ بالمخاطر والموت والاغتراب ..
قال: أهو موت يختلف عن موتنا اليومي المجاني الذي لا يحمل وعداً بغدٍ آمن؟..
ثم استدرك قائلاً: إمنحني أملاً لأبقى ..
لم يكن لي ان اتبادل معه خديعة تصلح لسياسيي الصدفة، ولم أعد قادراً على تحمل وزرٍ مضافٍ على آلاف ضاعت آمانيهم من فرط وعودنا التي استلبت كينونتنا نفسها ..
قلت له: انها بقية من أمل لن افرط بها، وهي بالكاد تكفيني شر هواجس اليأس ..!
قال لي بحكمة شابٍ لم تخدعه الشعارات: انا ذاهب للبحث عن وطن، ليس حدوداً ولا مساحة ولا هوية أُقتل عليها، ولا جواز سفرٍ لا استطيع التجول به! . .. أرحل عن وطنٍ يعيد لي اعتباري كانسان، لا يقوى فيه قاتل "وطني" على امتهان حريتي وكرامتي ..
لم أجد كلماتٍ تعبّر عني سوى ان اقول له: رافقتك السلامة، تذكر ان وطنك ينتظرك ليتعافى، وانا اعيش على هذا الأمل المحتقن..!



تعليقات الزوار
الاسم: الشمري فاروق
لقد كان وطننا!!!؟؟؟ وحوله السفلة من اشباه الرجال و محترفي السياسه وسياسيي الصدفه الى مقبرة؟؟ كل من فيه ينتظر يوم موته اما بعبوة ناسفه اوسيارة مفخخه او وههووس بالحور العين يفجر نفسه في جامع اومطعم اوخيمة عزاء اومقهى لينفه عن كبته الجنسي في العالم الاخر..لقد حول المئمنون السراق ومدعي الايمان كذبا الوطن الى مقيرة للاحياء..اما هم فقد وجدوا اوطنا غير العراق في عمان والشارقه ودبي ولندن وباريس وهولندا والدنمارك وامريكا وكندا اما من بقي ...من سياسيي الصدفه وجهلة السياسه لم يكن العراق بالنسبة لهم سوى البقرة الحلوب الذين يسرقون خيراته ليودعوها بحسابات الدول التي اشتروا فيها شققا وفللا ومزارع ومصانع وتركيا وعمان خير شاهدا على ذلك...ولكننا سنبقى.....في ايام الشباب ؟؟؟ كتبت يوما في دفتر مذكراتي ( اننا سنبني وطننامن اغنيات) ولكن خريجي مواخير السياسه وجهلتا حولو الوطن الى بيئة طارده والى جحيم لا يطاق...ولكن يوم الحساب أت لا ريب فيه
الاسم: مهند البياتي
احسنت، يبقى الامل في غد سعيد، يعيش الجميع في الوطن متنعمين بالعداله الاجتماعيه و الحريه و الديمقراطيه، من دون طائفيه و هدر كرامه الاخرين.
الاسم: طارق الجبوري
الاستاذ الفاضل ابو نبيل اكتب وانا ابكي لان قصة امجد هي نفس قصة غالبية شبابنا ان لم اقل كلهم وواحد منهم ابني الذي اصحطب شقيقته المهندسة زوجة الشهيد مع طفلهابعمر اربع سنوات .. جلست معهما طويلاً اناقشهما واتحدث عن تضحيات العراقيين وعن المتظاهرين الشباب ..فقال ابني اي وطن انتجته التضحيات والمباديء الوطنية والقومية التي دفعنا ثمنها غالياً ؟ هل تصدق ان المتسلظين والسراق بعد كل المليارات واغراءات السلطة يمكن ان يسمحوا لنا بشيْ من الاصلاح وليس التغيير ؟ اسئلة كثيرة ومحرجة بالنسبة لي انا السياسي والصحفي حيث لم املك غير شعارات وكلمات عن القيم وحب الوطن .. اخيراً حسم ابني النقاش وقال سامحني لم نعد نحتمل القلق والخوف وضياع القانون وتسلط اللصوص ..الحديث طويل وغير مجدي مع عقلية سياسية لم تجد تبريراً لشناعة جريمتها بحق العراق وشبابه غير رفع شعار هذه الهجرة صهيونية !! مثلنا يسعى للحفاظ على ما بقي من امل لذا اتظاهر كل جمعة فعسى ولعل .
الاسم: عراقى
صدقتم بكل كلمه,وهذا ما عانيته عند رجوعي في نهاية السبعينات بعد ١٨ عاما من الغربه,كنت فخورا لئنني لم اتنازل عن جنسيتي العراقيه, -رغم ملحة ادارة البلد الغريب-, انتطرت التغيير ولكن طال الانتظار ,في مطلع الثمانينات اضررت للرجوع الى -البلد الغريب- مباشرة بدون انتظار,- كي لا اغير رئيي-.. تنازلت عن جنسيتي العراقية. وانا مكسوف ومطاطئه الراس استلمت جنسيه البلد الغريب-, ولحد الان احتفظ بالجنسيه العراقيه في مجر مكتبي واترقب الامل ....., وانظر من بعيد الى ما حدث ويجدث .....للبلد الحبيب.......
الاسم: د عادل على
اليست الوقايه خير من العلاج؟؟؟لمادا لم نهاجر فى العصر السعيدى؟؟؟حتى الشيوعييون الدين كان يحسبهم نورى السعيد الخطر الاحمر لم يهاجروا؟؟الوطن كان غاليا ولم يفكر العراقييون بتركه والمغادرة الى بلاد الغربه حيث الصعوبات الكبيرة والخطيرة التى قد تؤدى للامراض النفسيه او الفقر والجوع والعزلة الاجتماعيه-------تعلم اللغه ليست بهده السهولة وهى ضروريه لمعركة الوجود او اللاوجود ----كلنا باستثناء البعث والقوميين العرب كنا سعداء بالرغم من فقرنا فى الربيع الكريمى الممتد من 14 تموز الى 8 شباط الاسود فى سنة 1963 ولم يهرب احد غير صدام حسين بعد اشتراكه فى محاولة اغتيال القائد الاسطورى عبدالكريم قاسم-----مادا جرى كان غير قابلا للتصور------زعيم محبوب من الاكثريه الساحقه للشعب ومسند من احزاب جماهيريه كالحزب الشيوعى العراقى والحزب الديموقراطى الكوردستانى يفقد السلطه فى اقل من 48 ساعه الى اقليه نازيه عربيه جاهلة التى اصبحت يدا لقوة عظمى اصرت على محو الربيع الكريمى بسبب سياسته النفطيه والمد الشيوعى الدى حسب نظرية الدومينو الكيزنجريه كان خطرا على دول الخليج وعاملا مساعدا لوصول الاسطول الاحمر الى المياه الدافئه وسقوط دول النفط كلها فى ايادى السوفيات- البعثييون الدين هم خبراء فى التعاون مع الاستخبارات الاجنبيه لغرض الانقلاب العسكرى كانوا مصممين على اسقاط عبدالكريم باية وسيله ولقد جربوا حظهم مع تمرد الشواف ففشلوا فشلا دريعا من دون ان يرسل عبدالكريم جيشا الى الموصل-----القائد الكوردى الملحمى مصطفى بارزانى ارسل البيشمركه الى الموصل وحرروها فى ساعات اما عبدالكريم ارسل طيارة حربيه لترمى صاروخا الى داخل غرفة الشواف عن طريق النافدة ومات الشواف فورا-------وقبل دلك كان عبدالسلام عارف ينوى الانقلاب بعد رجوعه من بون التى كانت مقرا لعبدالسلام كسفير العراق فيها-------والانقلاب البعثى كان متوقعا والاستخبارات العراقيه اعتقلت فى 6 شباط 1963 مهدى صالح عماش رئيس الخط العسكرى للبعث وعلى صالح السعدى رئيس القيادة القطريه لحزب البعث والاثنان اعترفا بان هناك خطة انقلاب عسكرى للاطاحه بعبدالكريم قاسم واخبر عبدالكريم عن الخطه الانقلابيه وهم كانوا يعرفون عناوين كل القياديين البعثيين وطلبوا من عبدالكريم امر الاعتقال ولكن كريم قال تريثوا-------ثم وبعد يومين تحركت فقط 8 دبابات وطارت طائرتان فقط-----الجماهير ملات كل شوارع بغداد الرئيسيه------الجماهير اوقفوا الدبابتين رقم 1 ورقم 2 فى المقدمه واخرجوا منها سائقيها ومزقوهما----ثم جاءت الدبابه الثالثه التى سمعت نصيحة الاستخبارات الاجنبيه ولصقت صور عبدالكريم قاسم وهم كانوا يهتفون ماكو زعيم الا كريم كواويد بعثيه فمشت حيلة معاويه عند رفع المصاحف وعبرت ال 6 دبابات الجماهير بالصور الملصقه لعبدالكريم وهتافات ماكوا زعيم الى كريم-----السؤال الاكبر هو لقيادة الحزب الشيوعى لمادا لم تكن هناك خطه مضادة للانقلاب الدى دمر العراق من 1963 الى 7 نيسان 2003 المبارك؟؟؟ عبدالكريم كان نائما فى بيت امه عندما جاء اليه وصفى طاهر فاضل عباس المهداوى وطه شيخ احمد وعبدالكريم الجدة واخبروه بالانقلاب-----عبدالكريم اقترح التوجه الى معسكر الرشيد وهدا القرار كان صائبا لانه على الاقل كل الجنود والعرفاء وضباط الصف كانوا معه---لكن طه الشيخ احمد قال فقط فى الدفاع الاتصالات موجودة وكدلك الخطط------انها كانت الخطا القاتل لانهم دهبوا الى المصيده ----فاصطيد كل الشعب العراقى فى هده المصيدة وتدمر العراق من وراء هده المصيدة البعثيه----الم تكن الوقايه خيرا من العلاج
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون