المزيد...
مقالات رئيس التحرير
2015/09/10 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 10021   -   العدد(3453)
إصلاح القضاء يبدأ بتطهيره، وتحديد برنامج إعادة بنائه..
إصلاح القضاء يبدأ بتطهيره، وتحديد برنامج إعادة بنائه..


فخري كريم

 كل خطوات الاصلاح والتغيير، تبقى تدور حول نفسها، ما لم تتحرك على قاعدة اصلاح جذريٍ للسلطة القضائية بكل اركانها .

وليس اعتبار مركزية اصلاح واعادة بناء القضاء بنيوياً من باب المبالغة أو التقليل من اهمية الخطوات التي اتخذت حتى الآن، مع انها لم تعالج العقد المسؤولة عن منظومة الفساد ونخر أسس اعادة بناء الدولة .
وفي سيرورة بناء الدول، فان اكتمالها لكي تحقق لها ذاتاً أو كياناً موصوفاً، يرتبط جوهرياً ببناء منظومة القوانين والتشريعات التي تجسد مصالحها وتعكس مصالح رعاياها. ومسلة حمورابي شاهد حيٌ على انبثاق "دولة مكتملة الاركان" .
وخلافاً لذلك يتلقى التلاميذ في دراستهم الاولية، مفهوم "قانون الغاب"، اي تلك المساحة التي يغيب عنها القانون، فيفترس القوي الضعيف، ولا من مُجير .!
ومن أشهر ما قيل عن مركزية القضاء في جسد اي دولة ومجتمع وحضارة، ذلك الذي جاء على لسان تشرتشل، حين سأل عن حجم الدمار الذي حل بالمملكة البريطانية أبان الحرب العالمية الثانية وفوجئ بما سمع، ثم استدرك متسائلاً: وكيف حال القضاء؟ 
فكان الرد انه بخير . فما كان من تشرشل الا ان يردد، لا بأس كل شيء سيعود .!
لم تقتصر اعادة بناء الدولة التي انهارت في نيسان ٢٠٠٣، على خرائب وفضلات النظام الاستبدادي، بل ان العراق الجديد قام في كل مبناه على اعمدة ذلك النظام الخرب، ومن بين ذلك المبنى، الجهاز القضائي، بتشريعاته وقوانينه وقرارات "مجلس قيادة الثورة" وهو يشكل دليلاً بارزاً على انتهاك "الدستور" كذلك الامر بالنسبة لقانون العقوبات المعدل الساري، الذي يترفع على ضحايا ذلك النظام ويشكل "قاعدة قصور العدل" والمصدر الاساس لاحكامها وقراراتها، دون مراعاة للدستور المستفتى عليه شعبياً، وهو يتعارض مع ما ورد فيه من مواد ومنطلقات .!
لكن مركزية السلطة القضائية ودورها المحوري، لا يتكامل ويتخذ بعداً مقرراً في مصائر الدولة والمجتمع بمعزلٍ عن السلطتين التشريعية والتنفيذية، خصوصاً في أطار " دولة في طور التكوين " او اعادة البناء، مثل دولتنا التي باتت شبه دولة .
فالسلطة السياسية في دولة ريعية مشوهة، تمتلك نفوذاً واسعاً يمكّنها من التأثير على السلطة القضائية والعبث باستقلاليتها
وكذلك الامر بالنسبة للسلطة التشريعية " البرلمان" . فقد رهن الدستور تعيين المناصب العليا في القضاء بموافقة مجلس النواب، وبهذا المعنى فان قيامة السلطة القضائية مرتهنة هي الاخرى بالمحاصصة الطائفية " الحزبية "، وعبر ذلك تؤثر في تركيبتها وتجردها من شرط مقرر لاستقلاليتها، اذ تصبح محكومة بمرجعية اعضائها للكتل التي انتخبتهم ..! وربما تكون مرجعية الدستور في ظرفٍ طبيعي مشروعاً، لكنه يظل ناقص الحول والقدرة على المساهمة في اصلاح الاوضاع والتصدي للفساد المالي والاداري . فـ"دولة تقوم على المحاصصة الطائفية لا يمكن لقضائها ان يكون عادلاً مهما استقامت سيرة القاضي ونزاهته وكفاءته " !
ان المطالبة المتواصلة باصلاح القضاء تضيع سهامها، حين لا تجري الاشارة الى ان ادراج مجلس النواب تتوسد حزمة التشريعات المتعلقة بالسلطة القضائية: قانون المحكمة الاتحادية العليا، قانون مجلس القضاء الاعلى، قانون الادعاء العام، قانون التنظيم القضائي، قانون الاشراف القضائي ..
وقد لا يدرك المتظاهرون ان تلبية واحد من مطالبهم المتعلقة بالسيد مدحت المحمود لا تقتضي سوى تصويت مجلس النواب على قانون المحكمة الاتحادية وقانون مجلس القضاء الاعلى، اذ باقرارهما تحل احدى العقد التي يطالب بها المتظاهرون، دون حاجة للاثقال على حُزم السيد رئيس مجلس الوزراء!
ولا تنتهي مهام مجلس النواب عند حزمة التشريعات المذكورة، كما لا تنتهي عملية اصلاح القضاء عند هذه الحدود .
اذ لابد من صياغة رؤيا لـ"اصلاح القضاء" بدءاً من تطهيره وذلك باعداد قاعدة معلومات عن الجهاز القضائي تتضمن :
معلومات عن اداء القاضي، وفق المعايير المهنية المعتمدة تتناول سيرته المهنية وكفاءته ونزاهته، وتشخيص سويته وما اذا كان مؤهلاً مهنياً ومن حيث المواصفات المكملة لتوصيف القاضي .
وتتحدد خطوات الاصلاح الشامل في ثلاثة محاور مترابطة :
١ / قاعدة تشريعات القوانين منذ تأسيس الدولة العراقية :
٢ / جردة كاملة للاحكام التمييزية منذ تأسيس محكمة التمييز، مبوبة حسب فروعها :
- القانون المدني
- القانون التجاري
- قانون العقوبات
- قانون الاحوال الشخصية
- قانون المرافعات..... وغيرها من القوانين
٣ / قاعدة بيانات لكل ما كتب في فقه القانون مبوبة حسب فروع القانون :
- القانون الدستوري
- القانون الدولي العام
- القانون الدولي الخاص
- القانون المدني
- قانون المرافعات
- قانون العقوبات
- اصول المحاكمات الجزائية
- قانون الاصلاح الزراعي
- القانون التجاري
- القانون الصناعي
٤ / مراجعة كافة التشريعات العراقية ودراستها، دراسة مقارنة .
وفي هذا التوجه الاصلاحي يصبح لزاماً اعادة صياغة مفهوم الصيغة التعاقدية ارتباطاً بفلسفة الحكم ودستور البلاد . وتدقيق ما اعتمده النظام السابق المتضمن "تغليب العلاقة القانونية على العلاقة العقدية" الذي ينفي مفهوم "العقد شريعة المتعاقدين"، ومدى تطابقه مع المنظومة السياسية القائمة، وتعبيره عن مصالح المتعاقدين في ظل الظروف الراهنة .
وتنتظر عملية الاصلاح حل او اعادة النظر في قوانين " مجلس قيادة الثورة " المنحل، التي ما زالت في الغالب سارية المفعول .
كذلك الامر مع قانون العقوبات، اذ ما تزال اوامر الحاكم المدني للاحتلال " بريمر " نافذة . وهي اوامر علّق بموجبها الكثير من مواد قانون العقوبات، ولم يشرّع البرلمان حتى الآن قانوناً بالغاء تلك الاوامر .
وفي ذات السياق، قد يكون هاماً الغاء قانون " اعادة القضاة المعزولين " . وهو القانون " المخل " من وجهة نظر تطهير القضاء، الذي شرعه البرلمان ليس بمعزل عن " مراكز الضغط المتورطة بالرشى والفساد " واعاد بموجبه جميع القضاة الذين تم عزلهم من قبل " لجنة المراجعة القضائية " التي تشكلت عقب سقوط النظام السابق ..
وقد اتخذت اللجنة قراراتها بالعزل، بعد مراجعة ملفات جميع قضاة العراق . وتناول العزل جميع القضاة المرتشين والقضاة المرتبطين باجهزة النظام السابق القمعية " الامن والمخابرات " .
بعد انتقال السيادة الى العراق طرح النائب بهاء الاعرجي مشروع " قانون اعادة القضاة المعزولين " وتم تمريره واعادة المرتشين واعوان النظام في الاجهزة القمعية الى الخدمة ..!
قد نتوهم اذا ما اعتقدنا ان هذه العملية الاصلاحية الجذرية للقضاء ستنجز بسهولة، او انها تنتهي بشطب هذا القاضي او مجموعة قضاة. انها عملية موصولة تترابط مع اعادة نظر عميقة بالعملية السياسية وتصفية جذور المحاصصة، وبناء حياة سياسية حزبية، واستكمال بناء دولة المؤسسات والحريات والقانون والعدالة الاجتماعية ..


تعليقات الزوار
الاسم: ابو سجاد
لا ياسيدي اذا صلح القضاء صلحت الامةانك تضع مشروع بناء دولة وان القائمين عليهالايريدوا ذلك ليس بمصلحتهم انهم سراق وقتلة وعملاء هذا المشروع يطبق بعد الثورة والاطاحة بكل الرؤوس الفاسدة وغير ذلك لاقضاء ولااصلاح ولابناء دولة
الاسم: عبدالخالق الشاهر
تحيةعراقية..حقا هناك فرق بين من يريد ان يكتب وبين من يريد ان يصلح..بوركتم واتمنى عليكم تاسيس مركز دراسات رشيق وفاعل من المتطوعين مجانا وانا اول المتطوعين بلا مقابل..يكون العمل فيه (عن بعد)يسمى مركز المدى لدراسات اصلاح القضاءيظم اقساما مهمة كقسم الدراسات الدستورية فكل المتحدثين باسم الدستور لم يقرأوه،وكذلك معارضيه واقسام اخرى كثيرة كهيئة النزاهة وهيئة المسائلة وقانون الارهاب الذي رفضته الامم المتحدة وقوانين بريمر ومجلس قيادة الثورة وقانون العقوبات وغير ذلك الكثير ..اغتنم هذه الفرصة لاعبر لكم عن فائق الود والتقدير
الاسم: علي محمود
تحية وبعد السيد فخري كريم المحترم بدءً انوه ان شخصية سياسية واعلامية محنكة مثل سيادتكم على اطلاع واسع باهمية دور القضاء في بلدنا المتهالك الاركان للفساد الذي نخره مع الاسف وسيادتكم تتحدثون عن الفساد في هذا الجهاز رغم علمكم بانه بقي محافظاً الى حد كبير على نزاهته لحد الان .. فعنوان المقال يشير الى ضرورة اصلاح القضاء وبقرأة متأنية للمقال نجد ان ما طرحته من افكار لا يدخل ضمن اعمال القضاء بل يدخل ضمن واجبات واختصاص البرلمان فالتشريعات تصدر منه لا من القضاء .. وقاعدة التشريعات التي اشرتم اليها عملت السلطة القضائية على اصارها معززة بالقرارات التمييزية ومبوبة وفق القوانين النافذة وبامكان اي شخص البحث في محرك البحث تحت عنوان ( قاعدة التشريعات العراقية) سيطلع على الجهد الكبير الذي بذل بالتعاون مع الامم المتحدة لانجاز ذلك .. وختاماً كنا نأمل من سيادتكم طرح الموضوع بشكل يحافظ على هيبة القضاء ورجاله فبمقارنة بسيطة بين ما يطرح من وجود فساد في القضاء وبين باقي مؤسسات الدولة يتضح البون الشاسع بين مهنية هذه السلطة مع غيرها فأدعو الى نظرة منصفة ثاقبة للحفاظ على ما تبقى من الوجه الجميل لهذا الجهاز ونأمل الى مقالة من سيادتكم لتعزيز الثقة بالقضاء لا الحط من قدره فهو الامل الوحيد الذي يمكن به الخلاص من الفساد والله وراء القصد وهو ولي التوفيق
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون