الاعمدة
2016/02/13 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 27587   -   العدد(3573)
عالم آخر
الخارج ضد "اصلاحات دارون"
سرمد الطائي




وأنا اتصفح كتاب تشارلز دارون "اصل الانواع" ووصفه لقواعد صراع البقاء وانتخاب الاصلح في تاريخ الطبيعة، رحت اقارن بين قواعد عمل الطبيعة، وقواعد عمل السياسة في الشرق الاوسط، وفشل محاولات الاصلاح الكثيرة. محور نظرية النشوء والارتقاء لصاحبنا، يقوم على ان الطبيعة دقيقة جداً في اختيار الاحسن. ومترجمو عصر النهضة العربي الاوائل، كانوا يستخدمون مفردة "انتخاب الاحسن". والانتخاب الذي تقوم به الطبيعة، يفترض انقراض صور الحياة الاقل امكانية والادنى ملاءمة للظروف، وبقاء الاصلح الاقدر على التطور. وقبل ان اسأل نفسي: اذن مابالنا ننتخب احياناً نطيحة ومتردية لأخطر المناصب، فإن دارون (وكأي عدو للعملية السياسية) اخذ يوضح ان الطبيعة لا تكون "حرة" دوماً في اختيارها، بل هناك "تدخلات خارجية" تستدعي بقاء الاغبى وانقراض الاذكى. نعم، ان دارون يسمي هذا الاستثناء ب"الانتخاب عبر التدخل الخارجي"، ومثاله على هذا، انقراض فصيلة كلاب ذكية وسريعة، وبقاء فصائل اقل ذكاء وأبطأ في الجري، ويعزو ذلك مثلا الى اقبال الهنود في آلاسكا القديمة على تربية النوع الغبي، مفضلين بنيته القوية المفيدة في جر العربات، على الذكاء والسرعة التي انقرضت في كثير من الاحيان او لم تتكاثر وظلت نادرة.ان التدخلات الخارجية في قوانين دارون، تلعب دوراً خطيرا، وتؤدي الى تقديم الاغبى، على الاذكى. لكن الاثارة لا تتوقف. فمن قواعد دارون الاخرى، اختفاء بعض اعضاء الحيوان نتيجة قلة استخدامها. فالأصل ان كل من له جناحان يمكنه الطيران. لكن بعض الطيور اعتادت تناول الديدان وطأطأة الرأس فنسيت اجنحتها، مثل الدجاج الذي نسي الطيران. وهذا ما أرعبني اكثر وجعلني اخشى ان الانشغال بالعاطفة والانفعالات في بلداننا، يؤدي الى ضمور العقل والتعقل والاعتدال الذي نسينا استخدامه، لا سمح الله. اذ في باب آخر يقول دارون ان الدماغ لدى جنين القرد يشبه دماغ الكلب البالغ (الاغبى). ودماغ جنين الانسان في شهره السابع، نسخة مشابهة لدماغ قرد عمره عشر سنوات. ولعله يفترض في وصف سلسلة الارتقاء ان بعض القرود كانت تستخدم عقولها بكثرة فتطورت وأصبحت انسانا. ولكن ماذا سيحصل لو انقلبت الآية، وتركنا استخدام العقل بضعة قرون؟ هل تعني يا شيخ التطور ان عقولنا يمكن ان ترجع صغيرة حمقاء مثل قرد عمره سنتان، كالدجاجة التي انشغلت بالديدان فتصاغرت اجنحتها المهملة وعجزت عن الطيران؟الله يستر، لكنني لا أشعر بالقنوط، فالعظماء يدخرون حكمتهم القصوى لخواتم كتبهم. وفي آخر صفحات "اصل الانواع" يصوغ دارون عبارة كأنها نص صوفي فيها دواء لليأس، ورسالتها عندي، انه رغم اخطاء تطبيق قانون "البقاء للاحسن" ورغم "تدخلات الخارج" مثل نموذج انحياز هنود آلاسكا الى الانواع الغبية من الكلاب، ورغم ضمور العقل في بلاد كانت حكيمة، الا ان "حرب الموت والجوع" حسب تعبيره، لابد ان تحصل على نهاية مناسبة، وتؤدي الى انقراض الاكثر غباء والاقل تطوراً، وليس تسلط الحمقى سوى تاريخ عابر، فحركة الكون قادرة على ان تكنس الحمقى. ولنأمل ذلك حقا.عبارة دارون الاخيرة في الكتاب ببلاغتها ورومانسيتها مضبوطة على ايقاع التأمل الطويل لساعة الكون وآثار اقدام الصانع، يكتب: "ان أسمى هدف في هذا العالم هو نشوء الحيوانات الراقية، وهو يتحقق من حرب الطبيعة ومن الجوع والموت. ان هناك جمالاً وجلالاً في هذه النظرة عن الحياة، بقواها العديدة التي نفخها الخالق لأول مرة في عدد قليل من الصور، او في صورة واحدة. وبينما ظل هذا الكوكب يدور، كانت وما تزال صور الحياة تتطور، من مثل تلك البداية البسيطة، صور لا نهائية، غاية في الجمال وغاية في العجب".



تعليقات الزوار
الاسم: د.شيرزاد
فقط للإيضاح ان الاختيار الطبيعي للحيوانات والنباتات ينبع من تكاثر النوع الذي عنده قابليه للعيش في ضروف طبيعية ، مثلا اذا اختفى الاكل الطبيعي مثلا لبعض الحيوانات التي تعيش على الأغلب على منتوج معين واذا اصبح هذا المنتوج اقل وفره فسيجوعون ولايصل معضمهم الى سن التكاثر وقليلا قليلا ينقرض ذلك النوع من الساحه ، ولكن بعض أفراد هذه المجموغه المهددة بمصادر أكلها لها قابليه ولو قليله في أخذ مصادر الاكل من مصدر اخر وهناك لهاذا السبب احتماليه الإنجاب ، وهنا " الأولاد" قسم كبير منهم سيحمل نفس الجين المختلف الذي ساعد والديهم في العيش والقسم الاخر من " الأولاد " سيحمل كثير من الجيل السابق قبل التغير وهولاء سوف لايصلون الى سن البلوغ وربما يموتون قبل الإنجاب وهكذا روويدا رويدا يضهر نوع جديد قابل للعيش في البيءه الجديده. اما في الانسان كان هذا صحيحا قبل الألوف من السنيين ولكن لنأخذ مثل على الانسان العراقي الان ، اذا كان عدد كبير من رجال السلطه في جينهم حصاءص حب السرقه في مايسمى طبيعته وهولاء لوضعهم المالي الجيد سييتكاثرون وينقلون الجين " اللصوصي" الى ابناءهم. واذا كان عدد كبير للغايه من الناس لا يصططيعون ان يتزوجوا وطبعا يقل إنتاجهم لللأطفال ، الان، اذا استمرت الحاله لعده اجيال فبدون اي شك الجينات "اللصوصية " ستكون اكثر انتشارا في المجتمع. وهذا بلضبط مختصر نظريه دارون في التطور، بعباره اخرى قد يكون إيجابيا او قد يكون سلبيا.
الاسم: ali
السيد كاتب المقال اظافة لما ذكرت في بلدنا هناك مؤسستان لانتاج القيادات الجامع والحزب فالجامع يقوم بتلقين العامه مفاهيم ساميه حسب فهمه للدين ولكن الواقع لا الجامع ولا عامته(حتى ولو كانوا بدرجات جامعيه)قادرين على بلوغ هذه الدرجات فيهبط الجميع للحظيظ اما الحزب سواء كان اسلامي او علماني سيقوم بحشو عقول العامه(حتى لو كانوا باعلى الدرجات الاكاديميه) بافكار كونفسيوشيه على راي الجعفري وهنا لا الحزب ولا عامته قادرين على تطبيق هذه الافكار فيهبط الحزب ومريديه الى مزبلة التاريخ وهنا نستنتج ان الدجل والافكار المنحطه هي السائده في مجتمعناوالاغبياء هم السائدين مع هكذا حال ولكن هل سيستمرون طويلا هنا افكار دارون ستتدخل لتحدد المستقبل
الاسم: عزيز علي حسين العراقي
استاذنا العزيز اين انت الآن , فقد طالت غيبتك علينا وارجو ان يكون الباعث خيرا وان لاتكون مثل غيبة الاستاذ هاشم التي جاءت ليس في موعدها .
الاسم: salam salman
لكل قاعدة شواذ والنظرية يبدو بعيدة عن واقعنا العراقي لذا يكون البقاء ليس للاحسن بل للاسوء \ ليست متشائمة بل الواقع يتكلم
الاسم: ناظر لطيف
جميل جدا شكرا لك
الاسم: طه ياسين
منظروا النشوء يرفضون مصطلحات مثل تطور وارتقاء لتضمنهما حكما مسبق. إذ إن الإنتقاء الطبيعي من وجهة نظرهم تحدّر مع تحوّر، ومن وجهة النظر هذه لا يوجد كائن اكثر "تطوراً" من كائن آخر لأن مقياس نجاح الكائن في الطبيعة هو لياقته التكيفية في بيئته الطبيعية. علماً إن هربرت سبنسر وليس داروين صاحب القول "البقاء للأليق" وليس للأصلح كما ترجم خطأ الى العربية.
الاسم: ابو يوسف
شيء عجيب ان المؤلف في مقالته هذه لم يتعرض للسيد نوري المالكي.
الاسم: ابراهيم العقل
هبايب العراق الجميله تبرد علينا حر نجد جميلة مقالاتك ايها الجميل زدنا حبا ايها الحبيب
الاسم: سعد عبدالعزيز
مقالتك اثارت شجونا احداها ان اصحاب العقول النيرة والالباب الكبيرة باتوا منزوين لا يعينهم منطق القوةالغبية السائد على اظهار ما تكتنزه عقولهم من افكاروبرامج علمية ترفع من شان بلدنا علميا وحضاريا...والخوف كل الخوف بما تفضلت به من ان يؤدي هذا الانزواء الى اضمحلال علمهم وافكارهم فيرضون بما هم عليه من اهمال وامتهان ..
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون