مقالات رئيس التحرير
2016/02/23 (20:47 مساء)   -   عدد القراءات: 3369   -   العدد(3582)
كلّنا تكنوقراط...!
كلّنا تكنوقراط...!


 فخري كريم

شاع مصطلح التكنوقراط بعد أن طلب السيد حيدر العبادي من البرلمان تفويضاً بتشكيل حكومة تكنوقراط خارج دائرة المحاصصة، حتى بات المصطلح بحدّ ذاته همّاً يُشغل الرأي العام ويتخذ له أبعاداً شعبية "مُلهِمَة"، حول ما قيل إنه حلٌ سحريٌ شافٍ سيفكك كل أزمات البلد، ويستجيب لمُراد المغلوبين من العراقيين.

وتحوّل هذا الانشغال إلى سببٍ آخر للمنافسة على مقاعد الوزارة "التكنوقراطية"على نطاقٍ أوسع مما كانت عليه مذ صارت كراسي الحكومات المتعاقبة، حكراً على القيادات الطائفية المتنفذة باختلاف مذاهبها وأعراقها. فما دام قادة الكتل وأعضاء الأحزاب الحاكمة وذووهم خارج دائرة المنافسة، فالطريق بات سالكاً ليجد كل عراقي فرصته في أن يصبح وزيراً لأول مرة منذ ظهور الدولة العراقية في أوائل عشرينيات القرن الماضي.
وتركز جانبٌ مهمٌ من هذا الانشغال على معنى التكنوقراط. وليس المهم، حسب ما يتداوله المواطنون، المعنى كما يرد في الويكيبيديا أو قاموس معارف " كوكول" المتاحة لكل من يكتب ويقرأ، وإنما كما يرد في قاموس قادة العملية السياسية ورؤساء الكتل البرلمانية والمستشارين الذين عينهم السيد مقتدى الصدر أو من أشاروا عليه بأسمائهم. ولم يتوقف المواطنون وهم يتبادلون الرأي والمشورة حول "الصرعة " السياسية الجديدة التي نزلت عليهم فجأة دون مقدمات، عند مفهوم المصطلح من وجهة نظر السيد العبادي، لأنه في نهاية المطاف سيرضخ لما سيقرره قادة التحالف الوطني والكتل الأخرى التي بإرادتها سيصوت البرلمان بالقبول او الرفض على التشكيلة التكنوقراطية.
وقد لا يعرف المواطن المنشغل بالوقوف على الأسرار الدفينة للنازلة التي حلت به دون سابق إنذار، إن القيادات السياسية المقررة، وهي تطرح اشتراطاتها و"توصيفها" لمن تنطبق عليه الصفة المطلوبة في "التكنوقراطي"، لا تُدرك أن أول ما يعنيه الانتقال من حكومة المحاصصة الى حكومة التكنوقراط، هو انتقالٌ مفهومي، منهجي، يزيح ما له علاقة بمفاهيم المنظومة الطائفية المحاصصية " التوافقية"، لأنه من حيث الجوهر يشكل انتقالة من خيارها كمنظومة ما قبل المدنية، بالمفهوم الديمقراطي، الى فضاء مناقض لها كلياً، حيث يجري اختيار الوزراء على أساس المعرفة العلمية التخصصيّة والقدرة على وضع الستراتيجيات المطلوبة للخروج من واقع " مُخَرب"، ومن دوامة الأزمات بكل تجلياتها واستخلاص الحلول "العلمية" والعملية لما تطرحه الستراتيجيات المقرة من إشكاليات ومهام وحلول آنية على ضوء ما تمليه خصوصيات الواقع. والحكومة التكنوقراطية لا تتشكل استجابة لرغبة ذاتية او خارج بيئة التطور، ولا بمعزلٍ عن الظروف الموضوعية، وليس من الممكن اعتمادها على آلياتٍ وأدواتٍ تتناقض من حيث الاساس مع نزعتها التحديثية الإرتقائية في أساليب التفكير وفي منهج الحكم وفي مناخ حرية التفكير والاجتهاد والاستفادة من التجربة في الدول المماثلة من حيث الظروف والمهام.
وتحسباً لارتكاب أي خطأ منهجي، لا بد من القبول بخصوصية مفهوم " حكومة التكنوقراط " مطبقاً على واقعنا العراقي، شديد التخلف، عميق التورط في مسارات أدت الى تفكيك الدولة وإعادة بنائها على فضلات نظامٍ استبدادي متجذر مسؤول عن تمزيق نسيج المجتمع وتبديد ثرواته، بالإضافة الى ما جرى من تفريطٍ بالكفاءات الموصوفة، وبالخبرات، وتعريضها للهجرة القسرية، أو للانكفاء تحت ضغط الاساليب المتخلفة الطاردة لها المتعشّشة في كل اركان الدولة المتصدعة ومؤسساتها. وبهذا الفهم علينا الأخذ بالاعتبار أن ما يُراد أن تكون عليه الحكومة المفترضة " التكنوقراطية " لن تنطبق عليها المواصفات " التاريخية " التي انبثقت من رحم التجربة عام ١٩٣٢ في الولايات المتحدة، في ظروف التطور التكنولوجي العاصف الذي جعل من الآليات الحكومية وقادتها في حالة عجزٍ من فهم ذلك التطور والاستجابة لنزعتها " التقدمية، التحديثية " وتمكينها للنفاذ الى مسامات المجتمع والدولة على كل صعيدٍ وميدان، بل والأخذ بما تتطلبه من امكاناتٍ ومالٍ وأبحاثٍ ومناهج تدريسٍ وبيئة علمية متاحة من شأنها اطلاق طاقاتها وتفعيل قوتها الإبداعية الخلاقة والنهوض بها الى مستويات اكثر تطوراً وأبعد مدياتٍ.
وما تفرضه " خصوصيتنا " يندرج في باب السياسة والتكنوقراطي المطلوب لكي يستجيب للمهام الملحة في عملية البناء والتحديث. لكن المُفترض، كمقدمة لذلك، معرفة وتحديد المهام وتراتبيتها من حيث الأهمية والمنطلق.
وأول تلك المهام، الانتقال من الاقتصاد الريعي وحيد الجانب، الى الاقتصاد متعدد المصادر والتنوع. وهذا يفرض استيزار كفاءاتٍ تخصصية مجربة في كيفية إنجاز هذا التحول لإحياء حقول الزراعة والصناعة والسياحة وتطوير القطاع الخاص والمختلط، وتحقيق اكبر قدرٍ من الاكتفاء الذاتي " غذائياً " و " دوائياً "، واعتماد كفاءات قانونية تشريعية لإعادة النظر في القوانين المعرقلة، وتشريع قوانين جديدة " تحفيزية " لخلق بيئة ملائمة لخلق منافسة استثمارية داخلية وخارجية مع تدابير حماية مشجعة. وفي خطٍ متوازٍ متجانس، ضم الكفاءات القادرة على إصلاح السياسة المالية - النقدية وعلى وقف هدر الموارد والفساد المالي والإداري وإعادة هيكلة جهاز الدولة البيروقراطي المتضخم وتخليصه من تقاليد وأساليب الروتين واحتقار الوقت، عبر الركون الى اساليب الادارة في " الحكومة الإلكترونية"..
ويبقى بعد ذلك أن نعرف معاً، وأصحاب القرار أولاً، ان الحكومة التكنوقراطية في الوقت الذي ينبغي ان تكون على أعلى مستوى معرفي في كل ما هو لازم من اختصاص، لا يشترط عليها أن تكون سياسية، وفي ظرفنا المقصود تحييدها قدر الإمكان من التجاذبات الحزبية والطائفية طبعاً..!
قال مواطن ظريف إنّ العديد من الأصدقاء والمعارف متفائلون في ان الحظ قد يمنحهم فرصة اللحاق بحكومة السيد العبادي، خصوصاً وانهم كلهم من ذوي الاختصاص الذين يحتاج إليهم لإصلاح ما تخرب، وليس في العراق ما لم يطاوله التخريب، فأحدهم نجار ماهر والآخر ميكانيك سيارات يصلح للمرور، والثالث لديه "جمبر" ويستطيع ان يشارك بكفاءة في مزاد العملة ويتشارك في الربح الوفير مع وزارة المالية، إضافة إلى العشرات الآخرين ممن صاروا يعرفون لأول مرة انهم من طبقة التكنوقراط المغيّبة عن الدولة ومصالحها..!



تعليقات الزوار
الاسم: محمد سعيد
في ظل ممارسه سياسه بائسه و سفيه طبقت ميدانيا منذ عام 2003 ولغايه يومنا الحاضر, وادخلت العراق في سرداب مظلم حسب تعبير الصحفي علي حسين , ظلت تحوم في درابين الطائفيه والتزمت الديني واالتعصب الاثني والمناطقي , بعيدا عن مهنيه الادارة وعقلانيه الحكم الرصين , خصوصا وان هموم النخب المسيطره انصبت في كيفيه استغلال الظروف للاستحواذ علي خيرات البلد وتمكينها في السرقه الشرعيه او والمبرره باعتبارات تاريخيه واهيه مثل المظلوميه ,وغيرها من تفاهات واوقاويل وبمنهج محكم . بعد الافلاس السياسي والاخفاق في وضع سبل واليات حكم رصينه تحاول هذه القوي الان استخدام تراهات جديده من امثال حكم التكنوقراط . اي تكنوقراط يستطيع لملمه تخريب كامل حصل في البلد وكيف يمكنه العمل بصدق ونزاهه واخلاص في ظل بيئه فاسده قومت اركانها علي خطا مستديم ومتعمد , عليه لاتوجد امكانيه لخلق نظام حكم مخلص ونزيه وفاعل الا ان يتم اولا تغيب كافه القوي الفاشله وتقديم اركانها الي العداله, كله ان اريد بناء بلد المواطنه الحقه . اي بكلمات صريحه يجب منع اي تنظيم سياسي يعتمد الطائفيه او الدين او الاثنيه المتشدده المقيته , وان تفتح ابواب الاحزاب والتكتلات لكافه ابناء البد , غيره نظل نلوك ترهات "الاصلاح" وا"لتكنوقراط" وغيرها من ادوات التخدير الفكري ومن دون جدوي ملموسه
الاسم: علي رحماني
تحية لك استاذ وضعت النقاط على حروف السياسة والماء على حروق قلوبنا ياليتهم يسمعون ....اتمنى ان يختارك وزيرا للثقافة لكي تسير على طريقها الصحيح وترقى الى مؤسسة المدى ....
الاسم: الشمري فاروق
العزيز ابو نبيل لتعب نفسك... بعد كل هذي الهوسه والخبصه ...فعلا ستشكل حكومه تكنو.. قراطيه!!! ينطبق عليها المثل القائل.(الزمال زمالنه..يس أجلاله مبدل) والايام بيننا؟؟!!
الاسم: موسى الخميسي
انت ادرى بالباب الكاذب لخروج كاذب، فمثل هذا الامر يثير فينا السخرية والتعاطف في هذه اللحظة التي توشك فيها عقولنا ان تنفجر بكاملها. كل ما يطرح بشأن التكنوقراط لايفضي سوى الى الفراغ، وبالذات الى باب كاذب، خطوة الى الامام، خطوتان الى الوراء، دعونا نرجع الى الاستهلال الذي تبدأ به الحكومة، فهو توجه الى المواطن لتضمن حسن نيته، وهو إجراء بروتوكولي، الحاكم يقدم مقترحه، هذا الابن من ذاك الاب، مجرد طريقة في الكلام، فنحن نعرف بهدوء واثق انه لاعلاقة لذلك المقترح بواقع اللحم والعظم الطائفي المستفحل في الحياة العراقية، وانما هو مجرد تشبيه يكفله إجراء مألوف.سوف لم يتم المساس بالمراتبية الحزبية الطائفية القائمة. وشكرا لك ايها العزيز
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون