مقالات رئيس التحرير
2016/04/27 (21:03 مساء)   -   عدد القراءات: 5702   -   العدد(3636)
يوم انتصرَ "الشعب" فأسقطَ بقايا "الدولة اللّا دولة"..!
يوم انتصرَ "الشعب" فأسقطَ بقايا "الدولة اللّا دولة"..!


 فخري كريم

دخل يوم الثلاثاء المصادف ٢٦ نيسان ٢٠١٦ في سجّل التاريخ العراقي، كيومٍ مشهودٍ بين أيام العراق "الجديد". فيه أُعلنت مراسيم إسقاط ما تبقى من كيانٍ مهزوزٍ، متصدّعٍ، متضعضعٍ لم يكن له مُسمّىً جديرٌ به أدقّ تصويراً من"الدولة اللا دولة". وهذه هي المرة الأولى في تاريخنا الدامي التي تجري فيها مراسيم "إسقاطٍ" من دون سفك الدماء، وتخلو فيها من المراسيم البروتوكولية المعتادة، وهو حدثٌ فريدٌ استطاعت صُنعه "جماهير" استولت على ساحات وشوارع بغداد وتزاحمت أمام بوابات "حارة السلطة" الخضراء، مع أنها "رمادية" كاحلةٌ تصدر عنها أصواتٌ أشبه ما تكون بالفحيح لشدة ثقل وقعها وأفعالها المشينة على الناس، منذ لحظة الإعلان عنها منطقة آمنة، الدخول إليها والخروج منها مرصود بسبع عيون وأكثـر.

وفي الحدث العراقي شَبَهٌ بأحداثٍ مروّعةٍ في الجوار وفي الإقليم العربي، تماثل معه في عملية إسقاط الدولة، وتميّز بطابعه الدموي وتفكيك كياناتٍ دُمّرت بناها وصدّعتها الأنظمة الاستبدادية الشمولية، في ليبيا واليمن وسوريا، ولم تظهر فيها معالم الدولة البديلة.
وإذا أخذنا مقاربة لبنان، المطبوع شرعاً بالطائفية والمحاصصة المرسومة، خلافاً للعراق الطائفي "غير المُشرعَن"، فإن الفراغ الرئاسي، بسبب التطاحن بين أمراء الطوائف، جعل "غيبة" رئيسٍ منتخبٍ، يقترن بصراعٍ مريرٍ حول مصير "قمامة" بيروت وأحيائها، جعلهما معاً، دلالة إشكالية لم يسبق لها مثيل في تاريخ التجاذب الطائفي و"تقاسم المغانم" في لبنان. لكنَّ الدلالة المشتركة في جميع " الدول" المذكورة، تُنبئ بسقوط دولٍ أو كياناتٍ، كما أريد لها أن تتشكل في زمن مضى، وفقاً لاتفاقياتٍ بين الدول المستَعمِرة وحكومات الانتداب.
واللّافت في ما هو مشترك بين ما يجري في اليمن وليبيا وسوريا، يتمثل في الصراع بين أنظمتها ومعارضاتها، ويَدقّ إسفيناً في عمق المجتمع والدولة، يضع مصير كياناتها أمام مجهولٍ لم تتحدد معالمه، لأن ذلك لم يتبلور وهو في كلّ الأحوال رهنٌ بإراداتٍ من خارجها، جعلت منها ساحاتِ صراعٍ لخوض معارك بين أصحاب مشاريع وستراتيجياتٍ، في إطار مناطق نفوذ ومصالح لدولٍ كبرى وفي تخوم المنطقة المجاورة لكلٍّ منها. إنّ مصائر هذه الكيانات " الدول" كما كان عليه عراق قبل ٢٠٠٣ تحددت لحظة "انصهرت الدولة بالنظام السياسي وفرادة الزعيم القائد الضرورة" فتوحد المصير، ولم يعد ممكناً إسقاط أحدها دون إسقاط الكل. وفي كل هذه التجارب كان هدف "إسقاط" الدولة - الكيان يتحقق في غياب بديلٍ راعٍ لدولة مدنيّة، وقد خلقتْ هذا الفراغ السياسي الأنظمة المستبدة المعنية مباشرة في تغييبها، لأنّ وجود حركة وطنية مدنية، تتشكل من أحزاب وقوى تنشد إنهاء التبعية تُشكّل من وجهة نظرها خطراً مباشراً على سلطتها وتفرّدها في الحكم، وسدّ منافذ التغيير في مواجهة المجتمع.
خلال حراكٍ جماهيري تصدّره التيار الصدري وقائده زعيم التيار السيد مقتدى الصدر، تطوّرت التظاهرات خلال أسابيع ليتحوّل الحراك الى قوة مهيمنة في الشارع السياسي، استطاع ان "يُحيّد" جهاز الدولة العسكري والأمني، ويُعطّل أيّ فعل مُمانع له، وعرّى غيبوبة قيادته وعجزها، وأماط اللثام عن انعدام رؤية الحكومة ورئيس مجلس الوزراء. وتبيّن في مجرى هذا التطور الصادم، تشظّي إرادات ومصالح زعامات التحالف الوطني وانقسام الكتل الأخرى، وميوعة الرئاسات الثلاث و"تعويمها" تحت ضغط الرهبة وضعف كفاءتها السياسية، والعزلة عن هموم وهواجس المجتمع. وليس بمعزلٍ عن قلق بعضها من استهداف مواقعها التي طالب المتظاهرون والمعتصمون بإطاحتها مجتمعة.
لقد أذعن البرلمان الطائفي "حتى العظم"، تحت هاجس الخوف من اقتحامه وإطاحة مَن لا يرضخ، لمطالبة السيد مقتدى الصدر بالتصويت لمرشحي المغلّف المغلق "التكنوقراطي"، وقوامه كابينة اختار بعضها فريق العبادي " المُثقل" مَن عُرِف مِن أعضائه بآثام البعث وملفات الفساد، والبعض الآخر اللجنة التي شكّلها السيد، دون أن تسلم هي الأخرى مما وسم به الآخر، إذ لم تكن موصوفة، كما أراد السيد لها ان تكون، من المستقلين والمنزّهين عن الغرض. وإذا كان ما جرى يشكّل سابقة تُحسَب لحراكٍ جماهيري كسر إرادة "الدولة"، وأنهى أو مرّغ بالوحل ما تبقى لها من هيبة وحضور، فإن فرض الإرادة أزاح في الوقت ذاته ما تبقّى من سياقاتٍ دستورية وقانونية مُهلهلة. وهذه الإزاحة لا تعني، كما يتوهم البعض "إنهاءً قسريّاً" لنظام المحاصصة الطائفية، و"تضييقاً" لمساحة فعل أُمراء الطوائف وقادة الكتل البرلمانية الطائفية، بل إنها كرست حضورهم وسلطتهم في المشهد، ولم تغيّر سوى قواعد أدوارهم في العملية السياسية.
إنّ الشروع تحت الضغط بالتصويت على "كابينة جديدة" سُمّيت بالكابينة التكنوقراطية المستقلة، يعني وفقاً للدستور انتهاء ولاية الوزارة الحاليّة، بسقوطها أو استقالتها. ويترتّب على ذلك أن يُسمّي رئيس الجمهورية "مكلفاً" جديداً بتشكيل الكابينة الجديدة، ويمكن أن يكلف رئيس الوزراء الحالي أو غيره. وهذا التكييف الدستوري "قُبِرَ" مع مَن انزاح من قواعد الدولة وأركان الحكم!
ومحاولة إظهار التغيير المتدرج للوزراء باعتباره "تعديلاً" وزارياً وليس كابينة جديدة، إنما هو " تحايل مكشوفٌ" على الدستور المُفْترى عليه!
سجلت أحداث أول من أمس طائفة من المظاهر الإيجابية، دون شك، في مقدمتها تأكيد فشل تجربة حكم أحزاب الإسلام السياسي، وما أعلنته من مشاريع " إسلاموية"، وكرست فكرة قدرة "الجماهير" على مواجهة السلطة السياسية وجهازها القمعي، لكنها لم تستطع أن تطرح بديلاً قادراً على مواصلة زعزعة قاعدة النظام السياسي للمحاصصة، وتغيير موازين القوى في إطار الصراع بين القوى الطامحة لإقامة دولة مدنية ديمقراطية ومنظومة المحاصصة الطائفية.
إن إعلان سقوط الدولة اللادولة بالكيفية التي تمت، لا يؤسس لبديل مغايرٍ ديمقراطي مدني، بل يكرّس قواعد لأشكالٍ أخرى تطيح فكرة الدولة وسياقاتها الديمقراطية، ويضعف تأسيس ثقافة البديل الديمقراطي بالآليات الديمقراطية وما تفرضه من بديل متوافق مع تطلعات الناس.
لقد أعلن النائب حاكم الزاملي باعتدادٍ مهيب في جلسة التصويت على كابينة الظرف المغلق، سقوط " الدولة اللادولة "، في حين كان يريد إعلاء كلمة السيد باعتباره صاحب مأثرة تعبئة الحشد الجماهيري الضاغط، وشتّان بين الأمرين..
وبسقوط فكرة الدولة في العراق، يظهر على سطح الأحداث ما يجري في البلدان العربية الأخرى من إسقاطٍ للدول بوسائل ومبرّراتٍ وأهدافٍ أخرى، مع أنّ حروبها "طائفية - قبلية"، وهو ما يطرح تساؤلاً إشكالياً في غاية الالتباس: أهو إيذانٌ بسقوط الدولة بمفهومها التقليدي القديم، بعد أن فكّكت نسيج وحدة مجتمعها داخلياً بالإقرار بهويّات مكوّناتها المتنوّعة..؟



تعليقات الزوار
الاسم: د عادل على
ان التحول المفاجىء من اعماق دكتاتورية الشخص الواحد فى نظام استبدادى الى مايسمى بديمقراطيه لم ير العالم مثيلا لها وغياب كل الاحزاب المعارضه عن النشاط والفعالية لمدة عشرات السنين خلق فوضى عمت البلاد -----الاساس لكل ديموقراطيه حقيقيه هو وجود احزاب تختلف من بعضها البعض ولها ايديولوجيتها المختلفة------نحن فى البرلمان عندنا احزاب الطائفه واحزاب العشيرة واحزاب من جماعتنا-------الخلاف على المنصب والخلاف على مناصب اكثر والخلاف على نصيب الاحزاب من المال- فرق الشيعه ----اسلام عمار الحكيم لا يختلف عن اسلام نورى المالكى------اين الخلاف ليس ايديولوجيا بل خلاف الهنديه مع النجف الاشرف مثل مشجعى فرق كرة القدم هدا هو نهج البلاغه لايقراه احد ولا يريد احد تطبيقه لان نهج البلاغه هو كتاب المستضعفين والمظلومين والفقراء والانسانيين والديمقراطيين والاشتراكيين والتقدميين------التشيع الحالى يقوده ناس عندهم الثروة ويريدون زيادتها-----الخاف هو نحن اسلام الفضيلة البصريه او نحن مسلموا النجف الاشرف ونحن اسلام المثقفين نلبس القاط والبنطرون وكتابنا هو اقتصادنا ودولتنا وايديولوجيتنا الصدريه ولكن فى الحقيقه لايقرا احد كتب الشهيد الاعظم اية اللله العظمى محمد باقر الصدر قدس سره------المالكى يدعى الصدريه كمبدا والعبادى يدعى نفس الشىء ولكنهما على نقيض ---الزعامه هى مرض التشيع الحديث---ولا قائد شيعى واحد عنده الخبرة ولا الثقافه ولا القدرة او التخصص اللازم لاداء مسئوليته بشكل 30% لان الخبراء والمتخصصون والتكنوقراط كانوا مند 1920 لحد الان من اهل التسنن--------والخلاف بين الشيعه عائلية وعشائرية محضة-او الثورة ضد الشعله ومقتدى فى وضع عجيب وغريب-----هناك كلام يقول ان هناك خط مائل بعثى كبير فى حزبه وخاصة ان الدين قتلوا عمه وابيه هم البعثيون-------ادا يستمر الشيعه فى هدا التشدرم والصراع فلسوف يرجع البعث الصاعد ويدمر ما بقى من العراق------انتقلوا الى احزاب ايديولوجيه مثل العالم كله--وللشيعه طريق نجاة اخر وهو توحيد كل التنظيمات الشيعية تحت راية مولى المتقين وعلى خط نهج البلاغه--1------الديموقراطية----2 -----الاشتراكيه ------3 الانسانيه -----4 التقدميه او تزولون كلكم وتعطوا القيادة الى حزب البعث لان خط الشيعه سوف يفنى فى صراعات داخليه----- طريق البعث والداعش وصراع الشيعه يؤدى الى العوجه
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون