مقالات رئيس التحرير
2016/05/09 (18:15 مساء)   -   عدد القراءات: 27601   -   العدد(3641)
ليس للموت في بغداد ما يُثير بعدما وجدتُ أبي في مسطر العمّال !
ليس للموت في بغداد ما يُثير بعدما وجدتُ أبي في مسطر العمّال !


 فخري كريم

تكاسلتُ اليوم، وشعرتُ بأنْ لا رغبة عندي للكتابة. وازداد هذا الشعور مع مطالعتي صحيفة اليوم، ووجدتُ أنها خالية من الإثارة. ليس فيها ما يُغري، فالتفجيرات تزداد وتيرة ، وأعداد القتلى هي الأخرى في تصاعد. ثم ليس بينهم شخصية لافتة، مثيرة للاهتمام.
حاولتُ أنْ أعثـر على ما هو هامّ ولافت وجديرٌ بالمتابعة، فانتقلتُ إلى التحركات السياسية في مكتب رئيس مجلس الوزراء  ومكاتب قادة التحالف الوطني والوطنية ومتحدون ومجلس النواب، فازداد شعوري بالعُزلة عمّا يدور حولي.

وللحظة توهمتُ أنني في حالة من اثنتين، إمّا أنني أحلم وتتلبّسني كوابيس، وهذا جائز بسبب تصفّحي قبل النوم فجراً كتابات لفرويد وحوله، وإمّا أنني بدأت أنزلق إلى عالم النسيان ، فأنا لستُ أنا أو أنني " أيّاً كان، وفي أيِّ مكان كان غير المكان الذي يُفتَرض أنّي ولدتُ فيه "!
ليس في شعوري هذا الذي وجدتُ نفسي فيه ما هو غريب ومُستهجن، وللحظة أخرى انتابني هاجسٌ غريب. أيُعقل أنني كنتُ مخدّراً طيلة السنوات التي مرّت عليّ ، منذ عودتي الى العراق ، في شهرٍ ما بعد نيسان ٢٠٠٣ ؟ كيف يمكن لي أن أكون مُخدّراً، وأن عودتي من الخارج كانت عادية ووسيلة نقلي إلى بغداد كانت سيارة عراقية يقودها صديقٌ فَرِحٌ بعودتي ، محاطاً بزمرة من الأصدقاء المغامرين الذين لا يخشون مكروهاً، وليس على ظهر دبابة أميركية كان من المحتمل أن أكون قد خُدِّرت لو كنتُ راكباً إياها.
لَهَوتُ وأنا أُحصي قتلى اليومين الأخيرين. حاولتُ تحديد مناطق التفجيرات والقتلى والبحث عن بعض أسماء الضحايا. لم أجد إثارةً في الأمر. عشرات من القتلى في كلّ تفجير، وأكثر منهم جرحى ، وعشرات السيارت والمحال وعربات الحمل اليدوية مُدمّرة. كنتُ مهموماً وأنا أُتابع الأخبار والأرقام والتصريحات وردود الفعل. لم أجد حولها سوى إشاراتٍ تُشبه ما آلت إليه أوضاعنا. لقد "تراجعتِ العمليات الانتحارية، وأصبحت تحت السيطرة " ،وخبرٌ يكاد يرتقي إلى مُنجزٍ صادم: كبس شبكة تابعة لـ" ولاية بغداد " الداعشية نائمة تُخطّط لاستهداف زوّار الإمام الكاظم  في بغداد، بعملية استخبارية استباقية نوعية، وعرضٍ لصور أعضاء الشبكة!
 لم يتغير مزاجي المتقلّب، ولم أشعر بالاستثارة، فمثل هذه المنجزات تكاد تكون يومية. كما لم أُفاجأ بخبرين آخرين في سياقٍ متصل، أولهما تفجيرٌ لاحق بكبسة العملية الاستخبارية، والثاني الإعلان عن انسحاب قوة تابعة للحشد الشعبي من إحدى مناطق بغداد، والإشارة إلى أنها تموضعت في موقعها لحماية الزوار، وانسحابها يرتبط بنجاح المهمة .! حاولت أن أستثير نفسي بأيِّ وسيلة، كيف نجحت المهمة، وماذا عن خبر التفجير والقتلى. لا مجال للاستثارة، فالتفجير كان بعيداً عن التموضع الحشدي. انتقالاتي بين الحوادث والأخبار لم تُجدِ نفعاً في الإثارة ولفت الانتباه، لكنَّ  اجتماع الوقفين السنّي والشيعي كان مثيراً. إنهما يطالبان بخطواتٍ عملية لمواجهة الإرهاب والدول الداعمة له. وفي العمود المجاور لخبر الوقفين وزارة التخطيط تكشف أنَّ حجم الخسائرالناجمة عن العمليات الإرهابية بلغ ( ٨ .٣٦ ) ترليون دينار منذ عام ٢٠٠٤، واحتلت وزارة الدفاع المركز الأول في حجم الأضرار. شعرتُ بوخز خفيف في مكان من وجداني، وماذا عن مئات آلاف القتلى والجرحى والمعاقين؟ وماذا عنهم، من يُبالي ، إنّهم مجرّد أرقام لبشرٍ في قاع المجتمع، على هامشه، لن يتركوا فراغاً ولا أحد يبحث عنهم. لم  يترك الوخز في نفسي أثراً مُمضّاً، فقد صرتُ واحداً منهم، أعيش بينهم وأتنفس هواءهم المُتخم بروائح العفونة المُصنَّعة وطنيّاً.  علينا جميعاً أن نتكيّف مع ما صار مع الأيام والسنوات عادة واعتياداً في "شُبه وطنٍ" بعد أن صرنا في شِبه دولة فاشلة، وشِبه حكومة مدوّرة، وشِبه عملية سياسية منتهية الصلاحية، وأشباه زعاماتٍ تجرّدت من الحساسية الإنسانية بعد أن طالها كلُّ ما في العالم السُفلي من شُبهات واشتباهات ..
الجبوري يتوعّد المتطاولين على مجلس النواب، ويُحدِّد من أربيل الثلاثاء موعداً لانعقاد البرلمان، والتحالف الكردستاني ينفي الحضور بلا ضمانات. العبادي يردُّ على القائلين بسقوط الحكومة إذا لم تعقد اجتماعاً لثلاث دورات ويُردّد مع نفسه "لنحتكم للدستور، والمحكمة الاتحادية خير حكم "، وهو يعرف أنَّ كلَّ شيء صار مباحاً في ظلّ وضعٍ لم يعد يُشبه أيّ وضع. ولم أجد نفسي ملزماً وأنا في حالتي النفسية غير المستثارة بأن أعرج على القصر الرئاسي، إذ ماذا يمكنني أنْ أقول على عتبته وكلُّ مَن فيه مشغولٌ  بالبحث عن أوليّات صياغة الدستور والفقرات التفسيرية لموادَّ حُذفت من متنه  دون أن يأخذ باله لِمَ حُذفتْ مع أنَّ المادة من دونها فقدتْ معناها، ولم يعرف مَنْ كان وراء الحذف مع أنّه لم يكن موافقاً عليه .
أنتقلتُ من الجريدة إلى التلفزيون. بعد دقائق وجدتُ نفسي وقد عادتْ لي الروح. عُدتُ إنساناً مرهف الحسّاسية، مشدوداً إلى صباي، وأنا أرقب أبي وهو متعبٌ مهدود الحيل مكدودٌ  يجرُّ عربةً مُحمّلةً بعد أنْ عاد من دوامه اليوميّ المرهق لكي يُوفّر لعائلته ما يحمي كرامة أفرادها، ويكادُ يسقطُ لشدّةِ التعب .
أجهشتُ ببكاءٍ حارقٍ على وطنٍ تلهو فيه الزعامات عابثة بحياة الملايين غير عابئة بمصائرهم، وأنا أُتابع وجوه عمال المسطر في بغداد وهم يُعيدون لي ذكرى أبي وقد انْحنى ظهره ليحميَ كرامة أُسرته، وأحدهم يجيب على سؤال مقدِّمة برنامج نبض الناس: لم أعمل منذ ثلاثة أسابيع، وقد تفضّلَ عليّ عمالٌ معي اشتغل الواحد منهم بضعة أيام فجمعوا لي خمسة وعشرين ألفَ دينار، بقي منها عشرة تكفيني لشراء رغيفين من الخبز إلى أنْ يأتيني الفرج ..!
جاءت شقيقتي وقد انتبهتْ إلى بكائي وأنا أُردّد: أبي ....
ظنّتْ أنني أبكيه، فانخرطتْ هيَ الأخرى في البكاء، فأشّرتُ لها نحو التلفزيون وصور عمّال المسطر، وأنا أُردّد : أبي ....، يا أولاد زِنى النهب والفساد ..!



تعليقات الزوار
الاسم: د عادل على
نوعية التفكير ما قبل النوم تولد الكوابيس والاحلام المزعجه---كلما كان التفكير متشائما اسودا كلما اشتدت كمية الكوابيس-------العراق مند 8 شباط ولحد الان يعيش فى دوامه والخوف منتشر فى بدن ودماغ العراقى والعراقيه وهدا الخوف يولد ضغطا عاليا الدى يقصر العمر ويضعف المناعه ويصبح منشا للامراض النفسيه والضغط العالى يولد السكته القلبيه والسكته المغزية وعمل الكليه يقل -------------مادا حدث فى هدا الشباط الدموى؟؟؟فئه مشردة وجائعه ومملؤة بالكراهيه ومجرمه من الصبا اصبحت مالكه لالاف القصور ومسيطرة على الدخل القومى ومحبه كثيرا لسفك الدماء والتعديب والتسميم وهواية هده الفئه الضاله كانت القيام بحروب بالنيابه للاخ الاكبر العائش وراء المحيطات---------لولا هدا الاخ الاكبر لما جاء البعث للحكم ولا انتصر المتخلفون عقليا وعاطفيا ولبقى الحكم الوطنى ------لولا الاخ الاكبر ما كان عندنا البعث والبكر وحردان وعماش وصدام وبرزان وصكبان و وطبان والسبعاوى وعلى الكيمياوى ولا ابو طبر ولا قطار الموت ولا قصر النهايه ولا الحروب النيابيه--------امريكا استاجرت البعث من ميشيل عفلق لقتل الشيوعيين والكورد والشيعه-----ونجح ابن الخنا لان الاخ الاكبر كان دائما معه الى ان اتى بن لادن----امريكا عملت فخا للارهابيين السعوديين الدين هم الاكثريه الساحقه فى القاعدة المجرمه------ ومشاكل العراق لاتنتهى لان القيادات السياسيه فشلت-هناك مجاميع كثيرة واكثرهم مسلحون والدعم المالى والسلاح ياتى من الجيران------والظاهر ان الصراع الشيعى شيعى بدا او يريد ان يبدا وادا بدا اقتتال الشيعه بعضهم لبعض فسيتحقق حلم امريكا ويعلن عن انقلاب عسكرى بقيادة ضباط بعثيين--------تيتى تيتى تيتى مثل ما رحت جيتى ---الكاسبون من هده الماساة هم اطباء الامراض النفسيه------المعلول نفسيا رقم 1 هو دلك الصبى الملود فى العوجه والدى دهب مع عمه ليلا الى مقر اقامة عبدالرحمن عارف ليصبح نائب الرئيس ----وهدا المريض نفسيا نشر الامراض النفسيه من زاخوا الى حد الكويت-------اين كانت قياداتنا فى 8 شباط 1963 وفى 17 تموز 1968--------هل ممكن ان بعثيا متخلف العقل والعاطفه يجعل مننا دميات ترقص للقائد الضرورة ويرسلنا بمئات الالاف الى الموت-----امريكا كانت تتدرب حيا وقبضت المال من الكويت-----ثم جاءت الحريه العراقيه والقصف بالطيارات والصواريخ كان اعنف من فيتنام وكان التلفزيون ينشر الصور بصورة مبالغ دفيها لاجل اثارة الوحوش القاعديه وتحريكها للموت فى الفخ الامريكى------الامراض النفسيه ازدادت مع القصف الامريكى والانتحارات الجاهليه--------اين كانت قياداتنا فى 8 شباط؟؟؟؟؟؟فى 17 تموز 1968-------والان قياداتنا كلها فاشلة عربا وكردا وتركماننا ومسلمون ومسيحيون واسلام غرب العراق واسلام جنوب العراق وسنة وشيعة-----الظاهر ان الشعب العراقى يريد ان ينتحر جماعيا لانه قياداتنا نائمه ولا يعرفون الحل----حل مشاكل العراق لايتم بالسلاح ابدا بل بالمفاوضات والتنازلات وقطع ايادى التدخل الخارجى
الاسم: احمد التميمي
بكيت وابكيتني معك رحمك الله !!كلنا بكينا ونبكي وسنبكي وسيبكي اولادناربمااكثر !! واذا كنت قد استحضرت ذكرى ابوك فأني استحضرت قول عائشة الحرة لابنها ابو عبد الله محمد اخر ملوك الاندلس. ولكن مالفائدة من البكاء؟؟! "نبكي مثل النساء وطنا" مضاعا" لم نحافظ عليه مثل الرجال"
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون