مقالات رئيس التحرير
2016/05/13 (18:32 مساء)   -   عدد القراءات: 30423   -   العدد(3644)
الموت حين يُصبح طقساً عابراً  بلا مراسيم تشييع للفقراء .!
الموت حين يُصبح طقساً عابراً بلا مراسيم تشييع للفقراء .!


 فخري كريم

يتحوّل قتل فقرائنا المهمّشين في حزام بغداد والأحياء المنسيّة إلى مهرجانٍ يوميٍّ للموت العبثي المجاني، وكأن استباحة دمائهم فقدت كل معنى إنساني، وسط صراع حيتان السلطة والفساد العام على تقاسم المغانم والمواقع الوثيرة. وتزداد مواكب الشهداء وهي تتسارع الى مراقدها الأبدية  دون أي مظهرٍ للمبالاة من الطبقة السياسية المهووسة بأطماعها وتطلعاتها المشتبه بها، ويُصبح لشبه الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الفقراء المعدمون من أي وسيلة للعيش الكريم، معنى وحيداً، تختزله الأخبار الرسمية بعدد القتلى والجرحى، وتكاد وهي تستعرضها أن تكذب مرتين، مرة وهي تُخفي أعدادهم، وأخرى وهي تحاول إمرار خديعة مفضوحة مفادها تراجع عدد التفجيرات، وأن عمليات المداهمة الاستباقية لأجهزة المخابرات وعمليات بغداد تُحبط محاولات استهداف مناطق جديدة آهلة .

وتظل السلطة بكل أركانها مشغولة، بلا قدر من الحياء وشعور بالمسؤولية الإنسانية وفي الواقع الدال على تراجع شعورها الوطني، بعقد اجتماع مجلس النواب لاستكمال كابينة العبادي التكنوقراطية، في حين أنّ حكومة رشيدة تقدر مسؤولياتها إزاء شعبها، تترك كل أمر آخر في مثل هذه الظروف وتدعو للاستنفار الوطني العام لمجابهة الإرهاب وتحويل كل مواطن في كل بيت وحي وشارع الى عين حارسة لكشف مخابئ الخلايا النائمة وتصفية حواضنها.
إنّ العراقيين اليوم بحاجة الى حكومة وطنية موحدة موصوفة بالكفاءة والقدرة على تعبئة القوى وتوحيد الصفوف، وليس الى استكمال "نقص نصاب" الحكومة الترقيعية التي يريدها العبادي، بادعاءٍ للإصلاح ثبت بالبرهان بطلانه، وتسببه بهذه الفواجع المتصاعدة من حيث وتيرة التفجيرات أو الموتى الشهداء. ويكاد الشكّ يستولي على عقول الناس من هذا التهاون واللا أُبالية العبثية التي تتعامل بها الطبقة السياسية المتنعّمة، هي وأسرها ومريدوها المحيطون بها، بالأمن وبحبوحة العيش، إزاء تسيّد النشاطات الإرهابية المنفلتة في حزام بغداد والأحياء الفقيرة دون أنْ تقدِم على أي خطوة تبدو أنها تعبّر عن الاهتمام والجدية في وضع حدٍّ نهائي لهذا الوباء الذي لم يحل بالعراقيين وباءٌ أشدّ هولاً وبشاعة منه.
كيف لا يتسلل الشك والريبة الى النفوس المستضامة، حين يتابع العراقي مشهداً مماثلاً واحداً ليومٍ واحدٍ أقل خسائر في الارواح والممتلكات وأدنى هولاً في أي بلدٍ في العالم، إلّا ويجري فيه الاستنفار الوطني وتوجه النداءات للمشاركة في مواجهة ما حلّ بمدينة أو قرية من مصاب أليم وتسارع الحكومة التي تحترم نفسها الى اعتبار ما حلّ نكبة ..!
لا، هذا لا يمكن أن يجري في هذه الدولة الفاشلة التي لا تستحقّ أن يقال عنها سوى شبه دولة لا حياء لحكّامها ولا حرمة لطبقتها السياسية. كيف يمكن أن يكون غير هذا، وقد تسبّب حكّامها في وضع ثلث البلاد تحت سيطرة قطعان داعش، وفي نهب مليارات الدولارات من خزائنها، وكانوا وراء تعريضها الى الإفلاس وهي على حافته الآن؟ لا فرق إن كان هؤلاء الحكّام في السلطة أمس أو اليوم، ما دامت الطبقة السياسية هي نفسها التي جاءت بهم الى كرسيّ الحكم ومكّنتهم من تلك الاستباحات، وهي التي تحميهم من الملاحقة أمام القضاء، وتتمنّع رغم دعاواها بإجراء الإصلاح وملاحقة الفاسدين، من تسليط الضوء على جرائمهم وفسادهم وتخريبهم للمنطقة الغربية والموصل  وتوابعها ووضع  أهلنا السنّة ومصائرهم تحت سلطة داعش التكفيرية التي لا دين لها ولا مذهب.
 في زمن الموت في أقبية الأنظمة "الوطنية والقومية التقدمية" الشمولية، كان لسبب الموت أن يظل سرياً، مكتوماً، وأن يُساق الميت الى قبره وحيداً بلا موكب تشييعٍ ولا مراسيم عزاء، وبين فترة وأخرى كان ممكناً الإعلان عن موتٍ من بين قوافل الموتى قتلاً تحت التعذيب، مشفوعاً بنهاية غامضة أكثر هولاً من القتل نفسه: "قضاءً وقدراً " ..!
لكنّ صورة الميّت محمولاً على الأكتاف في موكب تشييع مهيبٍ افتراضي، يعيش في ذاكرتنا ، ويحفر في وجداننا متحولاً الى بكاءٍ مكتومٍ، ومحاولة إيقاظ غضبٍ ينذر، يُمهل ولا يهمل.
كنا نسترجع مشهد شهداء سجون الأنظمة الرجعية وأقبية تعذيبها، كيف كان تشييع كل واحدٍ منهم يتحول في مسقط رأسه الى موكبٍ حاشد يندد بالحكام القتلة، وكيف يصبح الشهيد في لحظة غضبٍ شعبي الى انتفاضة تُسقط الحكومة أو وثبة تُطيح بها وتمزق ما أبرمته من اتفاقياتٍ تنال من قدسية الوطن وتؤسر خياراته.
كان للموت يومذاك مهابة التضحية في سبيل وطن مرتجى، وكان للشهيد مقام الأولياء يرتفع نعشه فوق هامات الوطن على امتداده.
يومذاك لم يكن للموت هوية أو سجّل قيدٍ أو تعريفٍ يحمل معنىً يُغري بانتماءٍ للطائفة أو العشيرة او القومية، سوى باقة وردٍ على امتداد النعش يكتب عليه  "شهيد الوطن" . ما أن يسقط شهيدٌ حتى يستنهض بتضحيته العشرات والمئات والآلاف، يهتفون في أرجاء الوطن: نفديك يا شهيد، نم قرير العين، لا تخف، سنكمل المشوار ..!
ولم تكن أصداء موتانا الشهداء، تتردد في أرجاء البلاد لأمد قصير ثم تصبح ذكرى ويطويها النسيان. كانت مأثرتهم تنتقل الى دولٍ وقارّات، وتخطّ في شعارات متظاهرين يجوبون شوارع العالم منددين بالتعذيب والقتل وانتهاك الحريات. وإذ تترجم أسماؤهم الى لغاتٍ أخرى تصبح تميمة ونموذجاً إنسانياً للإثرة والمثل على البطولة .
ولنتبع مشهد موتانا اليوم. إن أشلاءهم تُجمع في أكياس دون أن تُعرف أجزاؤها إن كانت لهذا الشهيد أو ذاك، وتتكدس الجثث وقد اختلطت الدماء والأجزاء وكأنها تريد أن تؤشر لما ألمّ بهم من قدر بلا موعد، لتنقلهم حافلات الى المقابر والمدافن على عجلٍ دون مراسيم أو احتفاءٍ او بياناتٍ نعي من الاحزاب والزعماء الذين كان هؤلاء الموتى أولياء نعمهم، وإرادتهم التي اغتصبت منهم بالخديعة في الانتخابات المزورة ، هي التي جاءت بهم الى كراسيّ الحكم وتيجان السلطة.
كانت لتشييع الموتى في ذاك الزمن قدسيته، يقف عند مرور مواكبهم الناس، فيتوقف المرور وتبطئ السيارات من سرعتها، ويبدو الحزن على وجوه المارّة وهم يترحمون. لم يكن الموت مجانيّاً، ولم تفقد طقوسه سرّ الأبدية، أو يتحول الموت نفسه الى عبثٍ صادمٍ ينتزع أرواح الناس في غير أوانه وكأنه مدفوعٌ بأسباب الصدفة لا القدر المحتوم ..
ها هي مواكبهم تتراكض مسرعة خوفاً من مصادفة رتل مسؤولٍ يزاحمهم في الطريق ويخدش شرف تضحيتهم بحياتهم ليظل في رتلٍ آمن، فربما هو في الطريق لعقد صفقة فساد عابراً لايتحمل التأجيل..
مواكب فقرائنا تسرع  الخطى والموتى يتنازعهم القلق من  احتمال تعرضهم للإهانة والاستباحة من أرتال المسؤولين وحماياتهم..
وأكاد أسمع صوت فجيعتهم يحذرنا بقلقٍ مشوبٍ بالندم :
احذروا الفتنة ،... حذارِ من الدعوة للثأر والقتل على الهوية ...
حذارِ … فعلى كل عراقي أن يشهد أنّ قتلتنا هم نفس قتلة آهالينا في الأنبار والفلوجة وديالى والموصل وسنجار، قتلتنا هم داعش ومن مكّن داعش من نشر الخراب في ديارنا ..
هذا بياننا نحن القتلى بجريرة حكّامنا: احذروا الفتنة ...



تعليقات الزوار
الاسم: بغداد
أستاذ فخري كريم زعماء داعش هم زعماء الاحزاب الاحزاب الدموية احزاب الاسلامودموية الدعوجية والتابعة لبعض العائلات القرموطية ال زنيم أولهم والأخونجية بزعامة سليمة تكرفة ( سليم قنفة الجبوري ) وكل واحد في الشارع العراقي اصبح له الأمر معلوم وواضح كوضوح الشمس برابعة النهار ان هؤلاء العصابة القاطنة في مدينة قوم لوط المحصنة المحمية الكرين زون الغبراء هم انفسهم وراء جميع هذه التفجيرات منذ عام ٢٠٠٤ الى هذه اللحظة ونحن في مايو ٢٠١٦ ؟! وهذا التجاهل السافل من هؤلاء الساقطين من قبل مستر قنفة سليمة تكرفة وحيدر مورفين لأرواح هذه الأنفس الطاهرة التي سقطت مخضبة بدمائهم الزكية الطاهرة جراء هذه التفجيرات " عند تخطيط مسبق وعمد!) وعدم تشييعهم بمراسيم دولة تحترم نفسها وتحترم مواطنيها بهيبة واحترام ولا عجب لان كل من سليم قنفة وحيدر مورفين رؤساء عصابة فاشية سادية فاقدة الحياء والضمير ؟! فاقد الشئ لايعطيه !؟؟؟؟ رحم الله ارواح الأبرياء من الشعب العراقي المضطهد التي زهقت وتزهق في كل دقيقة ولحظة بمتفجرات دواعش احزاب الاسلامودموية السنية والشيعية المقبورة في مهجومة الغبراء ؟!
الاسم: د عادل على
اهدرى يا دماء لشاعر العرب الاكبر محمد مهدى الجواهرى----------اهدرى يا دماء انت النشيد ---------------انت فى سمع امة تغريد--------------------------انت نار موقودة لك منا---------------------وبنينا ومن بنيهم وقود-----------------------------لدراسة هدر الدماء فى العراق يجب ان نرجع الى الوراء غير البعيد-----فى العهد الملكى ما كانت دماء تهدر------واول الغيث قطر ثم ينهمر---------كان شتاءا باردا فى عهد عبدالكريم قاسم والشمس كان يتمتع بها صاحب دكان فى قنبر على وانا سمعت صوت طلقات ودهبت الى مكان الشهاده---------انه كان الشهيد الاول عزيز سوادى الدى اغتاله-حزب دم حديد نار-وهو حزب البعث العربى الاشتراكى الدى استمر فى سفك الدماء العراقيه بدون حساب و لا كتاب ----لمادا لم يردع البعث؟؟؟ وهم اقليه مكروةهة -هل كنا نحن العراقيين نريد هدر دماء اخوتنا واباءنا حتى يصبح البعث صاعدا--ولكم فى القصاص يا اولى الالباب------عندما راى البعث انه لا رد هناك فاستمر واول الغيث قطر ثم ينهمر-------رحمة عبدالكريم قاسم و سلبية الحزب الشيوعى العراقى جلب البعث ومعه قطار الموت الى الحكم بثمانية دبابات وطائرتين و2000 جندى واصبح الدم العراقى شلالا من الدماء الزكيه العطرة مع الانقلاب البعثى والامريكانى------وكانت الحصيلة 30000 شهيد فى الاسبوع الاول والعراق تحول الى معسكر امريكي يشن الحروب متى يريد ضد كوردستان وان لم يكن هناك السلاح الثقيل الكافى لدحر الكورد يستنجد البعث بالامريكان وامريكا تعطى تركيا امرا بسد كل حاجات العراق للاسلحه الثقيله ------امريكا تلعب دائما لعبة الامم---عصر الحروب الدمويه بدا مع تتويج صدام ملكا للموت والدم---صدام يبدا بالحرب ضد ايران وعرفنا ماهو الموت وماهم --شقاوة كان يحمل مسدسا فى صباه لصنع الموت الفردى ثم اصبح مالكا لدبابات 5000 وطيارات 1000 والغازات الكيمياويه ليقتل الايرانيين والكورد ثم استلم امرا لاحتلال الكويت وانداك عرفنا ما هو قتل 100000 عراقى فى يوم واحد تحت القصف الامريكى الوحشى-------ثم جاءت الحريه العراقية التى سببت الموت لاعداد غير معلومه من الضحايا العراقيين ثم جاء الموت من شبه الجزب الجزيرة العربيه باسم القاعدة ثم جاء الداعش -------------------ان البعثيين جبناء-------لو قتل الشيوعيون 10 بعثيين انتقاما لعزيز سوادى لما جاء البعث ولا الدم ولا الحديد ---المانيا تصنع البنز وسويسرا تصنع الساعات وفرنسا تصنع العطر اما البعث العراقى يصنع الموت والموت والموت والعمالة-نحن العراقيين مستعمرة امريكيه مند 8 شباط الاسود ولسنا بمستعمرة مند 9 نيسان------ كتب على الدين يقاتلون بانهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير----شعب دعائمه الجماجم والدم ---تتحطم الدنيا ولا يتحطم
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون