مقالات رئيس التحرير
2012/12/30 (20:00 مساء)   -   عدد القراءات: 3386   -   العدد(2691)
في وداع عام الأزمات وقضم الدولة والحريات:خطاب العرش الجمهوري..!
في وداع عام الأزمات وقضم الدولة والحريات:خطاب العرش الجمهوري..!


 فخري كريم

عام آخر تبدد في فضاء الفوضى والانفلات السياسي والأمني الذي اجتاح البلاد، منذ الولاية الثانية للمالكي ، لتتشكل بما كان فيه، ملامح العام الجديد . وكما ابتدأ عام ٢٠١٢ الذي تدشن باختناقات وتداعيات ما بعد تشكيل الحكومة، يفتح العام الجديد ذراعيه على سلة أزماتٍ مستعصية  تطوف فوق فيضان امطار بغداد والمحافظات المنكوبة، وتباشير الحراك الاحتجاجي .
لم يفقد العراقيون بارقة الامل من فرجٍ يطوي الصفحات الكئيبة للعام النكد الذي تزاحمت فيه الازمات، وكأنها قدر العراق ومشيمته، حتى فاجأهم هطول الامطار الغزيرة، دون ان يستعين احد منهم  بـ"صلاة الاستسقاء" ودعواته، ليُغرِقَ عاصمتهم وتتوحل طرقاتها المحفورة ، وتنهار بيوت الطين والصفيح على رؤوس فقراء البلاد ومعدميه ، كما لو ان الجوع والمرض والبطالة وانعدام الماء الصالح للشرب والكهرباء، لا تكفي نصيباً لهم في الحياة ليكتمل المشهد بتشردهم في عراء الله الفسيح.
وفي معركتهم ضد الطوفان والوحل، نسي المواطنون المحنة التي تحاصرهم  من هذا الانغلاق السياسي الذي يعصف بالبلاد وما قد تنذر به احتقاناته من نكدٍ وتدهور في اوضاعهم ، وما يمكن ان تجره عليهم من ويلاتٍ، توسع دائرة الاحتراب والصراع بين النخبة من ملوك وامراء الطوائف، دون ان تكون لهم دالة على ما يجري وما يدار من مساوماتٍ على حقوقهم ومصالحهم .
وكان ممكناً التغاضي عن كل ما تمخض عن أزمات عامنا الغابر ، والتمسك بأذيال الامل لعله يَعِد بانفراجٍ  تشهده اطلالة العام الجديد ، لنُصفي معاً اجواء التوتر والتشكيك وانهيار الثقة بين فرقاء العملية السياسية ، لولا الخطاب الذي اطل به علينا السيد رئيس مجلس الوزراء ، في مؤتمر " المصالحة والتسامح" . فالمؤتمر الذي اطل منه ليلقي من على منبره خطابه ، بات هو نفسه موضع شكٍ بجدواه ،  ومثار تساؤلٍ حول حقيقة المهمة التي تتعهدها "لجنة المصالحة الوطنية" التي تحولت الى  مجرد ديكور وواجهة لذر الرماد في عيون المشككين "بانجازاته " بإنهاء التنظيمات المسلحة ، وصدقية رئيس الحكومة والمحيطين به في العمل على خلق مناخٍ سياسي واجتماعي واقتصادي كفيل بإرساء اسس المصالحة المجتمعية والتوافق الوطني .
وخلافاً لما كان متوقعا ، وخارج سياقات لغة رجل الدولة الذي يتصدي لمعالجة أزمة مفتوحة في الشارع ، مرشحة للتوسع والامتداد الى اوساط اوسع ، القى المالكي خطاباً ارتجالياً ، مفعماً بالغرور والتعالي والغطرسة ، منطوياً على التهديد المبطن للتظاهرات الاحتجاجية للمواطنين في الانبار ومدنٍ اخرى ، مستخدماً فيه مفرداتٍ تستفز وتستثير بدلاً من التهدئة والوعد بالبحث المشترك عن حلول ومخارج للازمة وما تطرحه من مطالب مشروعة . وليس ما يقال في هذا المورد ، اذا ما ادركنا ان اللغة والمفردات والخطابات التي لا تنقطع ، اصبحت انعكاسا لسياسة المالكي  وبصمة استدلالٍ على نهجه وتوجهاته . لكن الملفت في الخطاب انه جاء بما يُشبه قراءة  نوايا وتوجهات عمل للاتي من فصول الازمة السياسية وتداعياتها . اذ لم يعكس الخطاب بأي قدر من المسؤولية ما يعبر عن تعديل في المسارات الحكومية التي كانت في اساس التدهور والمخاطر والتحديات التي تواجه العملية السياسية ، وما تفرضه المرحلة المستعصية من استحقاقاتٍ وانفراج ، وكلها مرتبطة بما يمكن التعبير عنه ، باغتصاب المالكي للسلطة السياسية وجعلها رهينة لمشيئته وارادته ومطامعه السلطوية ، بعيداً عن الرقابة البرلمانية ، وعلى الضد من مبادئ الدستور ، وخلافاً للاتفاقيات والتفاهمات بين شركاء العملية السياسية دون استثناء الموالين له في التحالف الوطني ، بل وبعض مكونات دولة القانون .
لقد كشف الخطاب ، باعتراف صريح ومباشر، مدى تردي الوضع القائم في البلاد وانحطاط مبناه ، بحيث جعلت منه "مسخرة " في انظار العالم ، كما لهج بذلك رئيس الوزراء بـ"عظمة لسانه " . وهو اعتراف بواقع الحال فعلاً ، سوى انه كان يتطلب وقفة نقدٍ ذاتي مسؤول من المالكي بالاقرار بمسؤوليته عن هذا الذي اودى بالبلاد الى هذا المصير ، وهو ما لم يفعله ، وانما زاد عليه بالسلب ، حين رحل اسبابها وتداعياتها على " السياسيين ومماحكاتهم " وعدم تحمل مسؤولياتهم ، التي لولاها، لما "غرقت بغداد"!
وفي سياقٍ متصلٍ ، حمَّلَ رئيس مجلس الوزراء الاخرين من السياسيين ، كل " مثالب " الوضع المتردي القائم . فالسياسيون من قادة الكتل والنواب هم من يتحمل ، وليس من بيده الحل والربط ، اسباب التخلف عن اعمار البلاد وتأمين الخدمات للمواطنين والفساد المستشري . وهم من يقاوم " الرقابة " على السلوك العام للحكومة والاجهزة التنفيذية ، وكأن الدولة بكل مؤسساتها الحيوية ليست بحوزته. انه وهو يطلق مثل هذا الكلام على عواهنه، يتناسى انه من يتولى مسؤولياتٍ لا يتولاها اكبر اباطرة البلدان المستبدة، فهو رئيس مجلس الوزراء والقائد العام ووزير الداخلية والوزير الفعلي لوزارة الدفاع ، والقابض على حيثيات الهيئات المستقلة، والمشرف على الوزارات عن طريق الوكلاء والمفتشين العامين وكل مرافق الدولة الحيوية، وما لم يمسك به، يرتبط بمن لا مناص ان يكون بعهدته الشخصية. "وضيق السياسيين" بالرقابة كما يرى المالكي، هو السبب في الثغرات التي ينفذ منها "الفساد"!
ليس هذا فحسب بل ان محنة العراق تكمن في ازدراء السياسيين  "المقصود دعاة الممانعة وليس الموالاة"، ببلادهم من خلال "التهويل" و "تضخيم" القضايا والمشاكل التي تواجهها البلاد والحياة السياسية. فعليهم تقع المسؤولية ، من وجهة نظر المالكي، في تبديد بضع مئات من المليارات خلال السنوات الماضية ، دون تحقيق اي منجزٍ على صعيد تأمين الكهرباء والماء الصالح للشرب والمجاري والخدمات الضرورية لحياة المواطنين ، وهم المسؤولون عن البطالة المتزايدة ، وعن الفقر الذي يعيش تحت سقفه الملايين من العراقيين، وعن الصفقات الفاسدة والنهب المنظم، وعن الانحطاط الذي تشهده السجون والمعتقلات ، وعن تراجع الحريات وحقوق الانسان.
والاعلام هو الاخر في خطاب المالكي ، مسؤول  عن جعل العراق مسخرة في انظار العالم والرأي العام ، عبر نشره الاتهامات والتصريحات غير المسؤولة ، التي تحّمل الحكومة مسؤولية الاخفاقات والتردي في الحياة السياسية ، وهو لهذا السبب قرر ان يبعث ما يشبه الانذار لمجلس النواب، محذراً كل واحد منهم من عواقب اي تصريح او موقفٍ او اتهامٍ يطاول "الحكومة ورموز الدولة"!
ان الخطاب "الوداعي" لعام ٢٠١٢ ذكّر المواطنين، بان التناحرات بين القوى السياسية عطلت كل شيء، فهي المسؤولة عن الخراب وهي التي حالت دون تسليح الجيش وتمكينه من حماية " سيادة العراق واستقلاله "! وكأنه نسي وهو يرتجل خطابه ، التحقيقات التي يعرقلها حول الرشى والفساد الذي يدور حول صفقات السلاح التي يرعاها ويدافع دون اي سند معلن عن نزاهة القائمين عليها، كما يتناسى ان العراقيين لم يسمعوا عن تحركات قواته، عددا وعدة، سوى تشكيلات قوات دجلة ونينوى وبغداد وغيرها وهي تتحرك على محاور داخل الوطن وما يقدمونه من انجازات على صعيد حماية امنهم واستقرارهم، قبل ان يسمعوا عن اي تحركٍ لهم لمواجهة مخاطر تتهددهم على اطراف حدودهم في اتجاهاتها المختلفة.
بقي ان اورد ملاحظات هامة جاءت في خطاب "رئيس الدولة" كما صار يحلو له تسمية نفسه:
لقد سخر الخطاب الوداعي لـ"رئيس دولتنا" من "الجعجعة بالحرب" التي يطلقها المتظاهرون..! ويبدو انه يسخر في لاوعيه، من الجعجعة التي كان هو صاحبها خلال الفترة الماضية وهو يتوعد ويهدد بلا ادنى مسؤولية ولاول مرة ، بـ"حرب لا تشبه الحروب الاخرى مع الكرد"، حرب "قومية عربية كردية" وليست حربا بين المركز الحكومي والكرد كما كان يحصل في العهود الماضية. ولهذا ترابي قوات دجلة على مقربة من حدود اقليم كردستان!
ويبدو ان المالكي اراد ان يرطب اجواء الخطاب ، ويتفكه وهو يقول ان العراق "بلد واحد ينبذ التهميش والاقصاء والغاء الاخر"!
في كل ما تحملته ذاكرة المالكي وهو يلقي خطابه الوداعي "عسى ان يكون كذلك" -سياسياً وليس بمعنى آخر- لم يتوقف اطلاقاً عند التساؤلات التي باتت على لسان كل سياسي ومعني بالشأن العام والمتعلقة بمن يقف وراء الازمات التي تُدفع اليها العملية السياسية دفعا وكأن الازمة معنية بتوليد ازمة، ومن الذي يقف في طريق تطبيق الدستور "بلا انتقائية مفرطة" ومن يحول دون تنفيذ اتفاقية اربيل والتفاهمات التي نتجت عنها، ومن المعني بالابقاء على الدولة وجيشها وامنها ومرافقها، تدار وتقاد من موظفي الدرجات الخاصة، خلافاً للدستور بالوكالة او ما جرى التعارف عليه بـ"الواو واو" السيئة الصيت.
لا يتساءل المالكي في خطابه ، عن المسؤول عن ظاهرة الانفراد والتحكم والتسلط والاقصاء والتهميش ، وهي تهم تتردد على لسان كل المسؤولين الذين يكيل لهم التهم بالجعجعة والتسبب في تحوّل العراق الى "مسخرة".
واخيرا من المسؤول عن نخر جسد الدولة والاجهزة الامنية والمخابراتية والجيش بالمشمولين بالمساءلة والعدالة من البعثيين، ولا يكف عن الصراخ كلما شعر باقتراب الخطر من كرسيه ، او من ولاية ثالثة : البعثيون قادمون...؟



تعليقات الزوار
الاسم: يوسف الو
كنت اتمنى أن تتطرق للطائفية التي تنخر جسد العراق وشعبه من قبل المتناحرين القدامى والجدد وكنت اتمنى ان تربط تصرفات المالكي بتصرفات الطائفيين الجدد مثيري الشغب من دعاة الطاغية ومن يمهدون لعودة البعثيين وان لايكون خطابك موجها لشخص المالكي فقط بالرغم من استحقاقه له .
الاسم: حيدر عربي
المالكي هو اساس الفشل في العمليه السياسيه ولن يتحسن الوضع الا بأستقالته ....
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون