تشكيل وعمارة
2017/01/28 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 4571   -   العدد(3837)
عمارة مكتبة الأوقاف العامة: ظهور "الوظيفية".. وغيابها
عمارة مكتبة الأوقاف العامة: ظهور "الوظيفية".. وغيابها


د. خالد السلطاني

معمارياً، تمثل "الوظيفية"، او بالأحرى "المقاربة الوظيفية" نمطا لأسلوب معماري شائع ضمن أساليب معمارية أخرى. ومن اهم سمات هذا الاسلوب إيلاء اهتمام زائد ومضاف الى الجانب النفعي (الوظيفي) للمنتج المعماري <ومن هنا اسمه!>. معلوم ان المنتج البنائي، يمكن له ان يضحي "عملاً معمارياً"، فقط، عندما ينطوى ذلك العمل على خصائص ومميزات معينة، حددها المعمار والمهندس الروماني القديم "فيتروفيوس" Vitruvius الذي عاش عند "تخوم" ما قبل الميلاد وما بعده (70-80 ق.م – 15 ب. م)، معرفاً " العمل المعماري"، بانه المنتج البنائي الذي يتعين ان يكون "نافعا" و"متينا" و"جميلا".


وامسى  ذلك التحديد  (والتعريف... ايضاً) للعمارة متداولا ومعروفا لدى كثر من المهتمين بالشأن المعماري.  كما بقيت تلك الصفات تحدد معنى "العمل" المعماري لفترة طويلة، والاختلاف كمن في تراتبية ذلك "الثالوث" وتسلسل فقراته، فمن ناحية يولي المعماريون في فترة ما أهمية خاصة الى "المتانة"، في حين تتغير تلك الأولوية في عهد آخر، وتكون الصفة الجمالية للمبنى، لدى كثر من المعماريين هي المطلوبة في المقام الاول؛ وأحيانا يعطى المعماريون جل اكتراثهم في عصر ما، الى "المنفعة"، فتغدو الأخيرة عنوانا لإنتاج مرحلة معمارية ذات صفة محددة. معروف ايضاً، ان بدء ظهور "الأسلوب الوظيفي" او "التيار الوظيفي" في العمارة، كان ايذاناً لبدء ظهور عصر "الحداثة" المعمارية، الذي انتهى ببروز تيارات ما يعرف بـ "عمارة ما بعد الحداثة".
ثمة تساؤل منطقي، قد يراود قراء هذه الحلقة من "عمارة... عمارة"، ويبقى هو الآخر حصيفاً ويستلزم الإجابة، عن بواعث كل هذا "الكلام" هنا، ومبرراته؟ ونسارع الى القول بان مناسبة هذا الحديث تسوغه وقائع ما نود ان نقوله بصدد عمارة "مكتبة الأوقاف العامة" في شارع الرشيد، التي افتتحها الملك المؤسس، فيصل الأول سنة 1926، والتي انشر صورتها مع هذه الحلقة. وأود قبل الحديث عن تلك العمارة المدهشة (...والرائدة، أيضا!)؛ ان احدد موقع تلك المكتبة. فعندما نشر الصديق "ضياء الشيخلي" على جداره "الفيس بوكي"، تلك الصورة المميزة للمكتبة، سارع كثر من الأصدقاء الى تحديد مكانها في ذلك الشارع البهي (...والجليل، كما ادعوه): شارع الرشيد. انها في مكان يقع تحديداً في الموقع الذي يشغله الان "مجمع الرصافي" المشيد في الثمانينات، بالقرب من ساحة الرصافي. وقد زاد أحد الأصدقاء من متابعي جدار الصديق الشيخلي، بان "اللافتة"، المعلقة بين دعامتين/مسندين، الظاهرة في الصورة، والعائدة الى "مكتب" عائلة يهودية بغدادية مشهورة، والتي كان موقعها معروفا لدى كثر من البغداديين، يؤكد موقع المكتبة إياها في المكان المؤشر بصورة دقيقة.
يبدو مبنى المكتبة (الذي أٌزيل لاحقا، ليشيد بدلا عنه في سنة 1932 مبنى خاص لمكتبة الاوقاف في منطقة باب المعظم، والذي هو الآخر أٌزيل ايضاً في سنة 1961)، يبدو وكأنه مٌشيّد على عجل، وقد استخدمت الالواح الخشبية كمادة انشائية أساسية فيه. وربما كان هذان السببان: سرعة التنفيذ، وخصوصية المادة الانشائية؛ هما وراء توظيف تلك المقاربة التصميمية الجريئة والمبتكرة في منتج الممارسة المعمارية العراقية وقتذاك. لا ريب، ان "معمار" المكتبة (الذي نجهل، مع الأسف، اسمه الكريم)، قد اعتمد اعتماداً واضحاً (حتى، ربما، من دون ان يعلم)، على ما اتسمت به المقاربة الوظيفية، من عقلانية في الطرح التصميمي، والاستخدامات الطليعية لمادة البناء، واستثمار مبدع للأساليب الانشائية. في عمارة مبنى المكتبة، تبدو تلك السمات حاضرة بقوة في صياغة واجهاتها، ولا سيما في الواجهة الامامية، التي ترى واضحاً في الصورة الملتقطة وقتذاك، عند لحظة افتتاح المكتبة، بحضور الملك الجالس في اقصى يمين الصورة، ومشاركته في مراسم ذلك الاحتفال الثقافي.
يعيدنا حدث عمارة المكتبة الى لحظة " بزوغ" التيار الوظيفي في العمارة، وتأثيراته الكبرى على مجمل المسار التطوري لعمارة الحداثة. فقد كان ذلك البزوغ وتلك التأثيرات بمثابة مفتتح لمفاهيم تعاطت بعقلانية مع المنجز المعماري، بعيدا عن أوهام التقليد ولزوم حضور الذائقة "التاريخانية". وليس من ثمة عدم فائدة، الإشارة بان ظهور التيار الوظيفي في المشهد، يعود، اساساً، الى ما يعرف "بمدرسة شيكاغو"، التي تظافرت عوامل عديدة، لتجعل من تلك "المدرسة" الرائدة: ظاهرة مؤثرة ومهمة في الممارسة المعمارية. فإثر حريق شيكاغو الهائل في سنة 1870، والذي التهم، وقتها، مدينة شيكاغو بالكامل تقريبا، بدأت إعادة اعمار المدينة تخطو خطوات سريعة ومحمومة. لكن خصوصية عمارة إعادة الاعمار تلك، اتسمت وقتها، على لغة تصميمية جديدة، راعت المتغيرات الكبرى التي حدثت بالمدينة. وقد ادركت طبيعة هذه المتغيرات مجموعة إبداعية من المعماريين، كانت تعمل في شيكاغو حينذاك، بضمنهم  "لويس سوليفان"، الذي سيضحي من اهم معماريي مدرسة شيكاغو واحد مؤسسي التيار الوظيفي الحديث. كانت نقطة الشروع لذلك الادراك، التي اتفق عليها الجميع، هو ان الأساليب القديمة في العمارة ، لا يمكن لها (كما ليس بمقدورها) ان تقدم "حلاً" عقلانيا للمشاكل العويصة التي واجهتها العمارة اثر ظهور تلك المتغيرات الدراماتيكية في حياة المدينة. في تلك الاثناء توصل "سوليفان" الى قناعة، بان "الشكل" المعماري للمبنى المعاصر، يتعين ان يتساوق مع نوعية الغرض الأساسي الذي شيد المبنى من أجله. أي بعبارة أخرى، ينبغي "ان يتبع الشكل المضمون" Form Follows Function، قالها سوليفان، وامست تلك العبارة المجنحة، منذاك، بمثابة "مانفيستو" المدرسة التصميمية الجديدة، "مدرسة شيكاغو"، وسيؤول منطوق تلك العبارة لاحقاً الى قاعدة نظرية لتيار مهم وهو "التيار الوظيفي"، سيرفد المشهد المعماري الحداثي ويثري تنويعاته الاسلوبية.
وعودة الى عمارة "مكتبة الأوقاف" البغدادية، فان منحى المعمار التصميمي، هنا، يبدو واضحا في توظيف مفاهيم تلك المبادئ العقلانية التي انطوى عليها التيار الوظيفي. ثمة تقسيمات متكررة تٌشاهد في الواجهة، تعكس امكنتها مواقع  نقاط "مجالات" Spans المساند الحاملة لسقف المبنى الذي جاء مستوياً، مراعياً خصوصية المادة الانشائية (وهي هنا الخشب). ويبدو ان ارتفاع المبنى الذي قُدر بطابقين، كان يوحي بان وسط المكتبة، ربما كان مفرغا، محاط برواق من الجهات الأربع، مُضيفا بوجوده، مساحة أخرى الى حيز خزن الكتب من جهة،  ومن جهة آخرى يوفر الإضاءة اللازمة لتلك الاحياز. ومن اجل حماية المبنى من اشعة الشمس البغدادية الساطعة ونورها الوهاج، فقد لجأ المصمم الى عمل تقسيمات ثانوية في مساحة المجالات التي اوجدها. هل كانت تلك الالواح الخشبية الصغيرة، التي تغطي تلك المجالات "بوضع مائل"، كما تظهرها تفاصيل الصورة المنشورة؟ واذا كان الامر كذلك، فنحن إزاء تجربة مبكرة لفعالية بيئية، تبدو مبدعة جداً، ورائدة جداً، في الاشتغال على ما عرف لاحقا بمنظومة "كاسرات الشمس"؛ التي راج استخدامها في المنتج المعماري العالمي نهاية الاربعينات وفي الخمسينات!
ثمة فتحتان واسعتان وعميقتان، تقعان في الطرف الايسر من واجهة المبنى الرئيسية. انهما هناك لزوم تحديد منطقة الدرج، الذي يقود من الأسفل نحو سطح المكتبة، مرورا "بالشرفة" الواسعة التي تعمل كفضاء مطالعة خارجي متمم لحيز المكتبة الداخلي، في أوقات معينة من فصول السنة وعند ساعات محددة من اليوم. لكن حضور هاتين الفتحتين، وبالصيغة التي اشتغل عليهما المصمم، يؤشر الى إيقاف حركة إيقاع التقسيمات الخشبية في الواجهة، ويثري بحضورهما التصميمي المميز مفردات الواجهة الرئيسية للمكتبة. ثمة  نَفَس لوضوح تكويني عال، ممزوج باختزالية شديدة، يطمح مصمم المكتبة ان يكون حاضراً، ايضاً،  في معالجة واجهة مبناه. وإذ تبدو تلك الواجهة جراء تلك المعالجة، على درجة عالية من  الوضوح والتقشف المفرداتي، فانها، ايضاَ،  ترتقي لتكون حالة نادرة من الاختصار التشكيلي، ضمن سياق الذائقة الجمالية المعتادة، هي التي "ادمنت" على ضجيج التزيينات الزخرفية و"استطابت" استخدام تكرار "صخبها" التصميمي! وامام هرج ومرج  اشكال "العمائم"، و"السداير" و"العقل"، و"الكشايد" و"الطرابيش" و"الغتر" المتنوعة التي يرتديها رواد المكتبة والحضور الذي دعي الى حفلة الافتتاح، فإن أسلوب تنطيق مفردات الواجهة يبدو، هنا، اكثر صفاء وبهاءا!
بيد ان الامر المؤسف  (والمؤلم ...ايضا!) في كل هذه "القصة"، هو عدم اكتراث "المهنيين" وعاملي البناء والعمران، وقتها، لقيمة ظهور مثل هذا "الحدث" المعماري الفريد، وتجاهله تماما، ومن ثم اقصاؤه من سجل الذاكرة المبنية المحلية، وبالتالي اهمال أي نوع من أنواع التأثيرات التصميمية، التي يمكن ان تحدثها عمارة المكتبة ومقاربتها "الوظيفية". ولئن وجدت مبادئ عمارة "مدرسة شيكاغو" وقيمها، التي تحدثنا عنها قبل قليل،  كثراً من المتابعين والانصار، و"المريدين"، الذين ساهموا في استمرار ديمومة تلك الأفكار والقيم، فإن فراغ و"شغور" عراق العشرينات لمثل تلك الحالة، افضى الى ذلك الاقصاء والتجاهل والتغييب لتجربة نادرة، وجادة، ومبدعة في آن، كان يمكن لها ان تسهم في اثراء مهم لمنتج العمارة العراقية، وتزيده القاً وجمالا ... وتنوعاً، منذ ذلك الوقت  البعيد، من منتصف العقد العشريني.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون