تشكيل وعمارة
2017/02/11 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3627   -   العدد(3849)
سميرة عبدالوهاب: التنوّع.. المغايرة او التحولات الديناميكية
سميرة عبدالوهاب: التنوّع.. المغايرة او التحولات الديناميكية


صلاح عباس

على مدى تجارب فنية متنوعة إستغرقت من زمنها زهاء نصف قرن من الزمان، دأبت الفنانة سميرة عبدالوهاب على التواصل الحثيث من أجل بلوغ الغايات التي تنشدها, ولعل المتصفح في سفرها الفني, لاسيما ممن كان متطلعاً على تحولاتها الفنية، حتما، سيعيد لذهنه (بانوروما) هذه التحولات. وسيتأكد بنفسه من ان جهود هذه الفنانة المتحدية, تستحق التقدير.

فكيف لنا تأكيد المغزى؟
- أعتقد بأن التعريج على أهم النقاط السيادية في تجاربها الفنية وتحولاتها وتوظيفاتها المختلفة للمواد الخام وسُبل تحريرها على سطح اللوحة وكذلك ممكناتها التخيلية التي مهّدت لها لابتكار الاشكال وصياغتها على نحو مميز او تقويضها وتدميرها في حالات أخرى، والأمر سيان، لأن بالمحصلة النهائية سيتم صناعة عمل فني ناجح وعلى درجة عالية من الإجادة.
مدخل للتقصي:
ليس ادعاء ولا مبالغة إن قلت: بأني محظوظ لكوني اطلعت على اغلب منجزات الفنانة سميرة عبدالوهاب وسبق لي ان أضئت فصولا من تجاربها في مجالات التخطيط والتلوين والكرافيك، ويحق لي الخوض في توصلاتها الفنية على نحو موضوعي، ذلك لان معرفة الفنان القريبة ستسمح للمتابع  باجراء التفكيك واعادة التركيب والاحتمالات الرؤية المسوّغة بالمواقف والتطلعات الفكرية والأمزجة الحسية, التي تؤمن رصيدا مناسبا للفهم المنطقي.
لقد ابتدأت الفنانة سميرة عبدالوهاب, مشوارها الفني بالرسم التعبيري، ذلك الرسم الذي كان متواشجا مع المناهج المعنية بالواقعية التي تقتفي أثر الحياة ضمن أُطر البيئة والطبيعة, وفي بعض الاحيان تثري مواضيعها المستمدة من الحياة اليومية العراقية بمداخلات جريئة ومغامرة، وبخاصة تلك المواضيع التي تعالج قضية المرأة او بالمواضيع السياسية التي كانت محتدمة منذ مطلع العقد السابع صعودا للألفية الثانية. ويعرف الجميع بأن العراق كان ساحة واسعة لاستيعاب المشاكل بكل انواعها واشكالها، اذ ذاك، كانت الفنانة سميرة عبد الوهاب, ترصد الاحداث والتحولات والمفارقات بعيون مفتوحة على سعتها، وكان يهمها ان تأخذ دورها ضمن حدود حلبة الاشتباك السياسي والاجتماعي والثقافي والفني, ليس لتوثق للتاريخ او للحياة, وانما لتشارك في وضع بدائل الاحتمالات والكيفيات, فاليلاد ابتليت بسرطانات الفكر المقيتة وعلى فجأة تخربت ابراج الاحلام والآمال والتطلعات.
ما الذي ينبغي عمله؟
اننا نعرف بأن أزمنة الأزمات ومجموعة الضغوط العامة ستتيح اعادة انتاج نوعا آخر من الثقافات الانسانية, وسميرة عبد الوهاب اخذت دورها في حدود المشهد الحياتي في العراق, فرسمت مشاهدات الحطام وجسدت حالات المخاوف والهلع بدلالة تركيزها على انتاج كم كبير من اللوحات السوداء, التي تتداخل بين اجوائها متدرجات لونية توحي ببريق امل قد يأتي بعد فواجع مريبة, وبصراحة, ان الفنانة كان يهمها المشاركة في الاحداث واعادة صناعة المواقف, والاهم من ذلك, يكمن في كونها تبتغي اعادة انتاج القبح واحالته الى صيغ فنية لافتة للانتباه ومثيرة للاعجاب.
ما المؤهلات التي تحفِّز لتحقيق ذلك؟
يبدو لي: ان الفنانة  سميرة عبدالوهاب, تتمتع بشعورها الطاغي بحريتها, وجرأتها, وبمواقفها الوطنية والانسانية وبهذه الحالة فان الفن عندها يجب ان يؤهل بألأفكار الخلاقة المتواشجة مع الافكار الحضارية في العالم المتمدن.
يتساءل المفكر (ستولنتيز جيروم) هل الفن علم أم عمل أم إصلاح أم معتقد أم ماذا؟
بالحقيقة ان الفن كل هذه الاشياء وربما اكثر منها مجتمعة, والفنانة سميرة عبد الوهاب لا تنتج فنها من خلال الاحتياجات المادية ولا لتحقيق الشهرة، بل ولعمق شعورها بالتحدي والابداع وتأكيد (أنا) مترفعة عن الاحتياجات والفن يمثل عندها لحظة ابتكار الذات الايجابية المشفوعة بالمحبة المتعالية والدخول في جنان الجمال من أبوابها المتسعة.
ان الفن ليس ترفاً ولا لهواً ولا لعباً ولا عبثاً، بل انه رسالة موقوفة على الفنان, ويجب أداؤها بصدق وأمانة وعندما يقول الفنان الفرنسي (ليجييه) ان المطلب في الفنون هو توفر عنصري الحرية والصدق ولا يمكن للفنان بلوغ شأوه من دونهما.
وسميرة عبدالوهاب وظفت كل ممكاناتها وقدراتها وتوصلاتها الفنية والفكرية والحسية من اجل بلوغ غاياتها والنطق بكلمتها البليغة في الحياة وفي المعاني التي تحوم في سمائها  الواسعة.
ان أي عمل فني يتأسس على ثلاتة عناصر, لا رابع بعدها وهي:
(المادة الخام) التي تعد وسيطا ناقلا لأفكار واخيلة وشعور الفنان عقب لحظته الابداعية, وسميرة عبدالوهاب فنانة تعشق التعرف على اسرار المواد الخام المختلفة  وتحب الخوض في معترك هذه المواد في محاولة منها لتحديها, ولعلها تستثمر طاقة المواد الغير مصنعة اصلا لأعمال الفن سواء تدخلها كـ(كولاج) او كملمس يحسس المتلقي بالأبعاد الاضافية.
والعنصر الثاني وهو (الشكل) وفي احسن تعريفاته يمثل الحاضنة الملائمة لوضع الممتلكات التفكرية او الشعورية او المتخيلة للفنان وسميرة عبدالوهاب تشتغل  في منطقتي صناعة الاشكال على وفق رؤية تصميمية محسوبة الأبعاد او انها تهدم المبنى وتحطم أُسسه المعمارية وكل ذلك بحسب احتياج العمل الفني خلال لحظات تشييده او تألقه وذلك يخضع لاشتراطات المزاج الشخصي للفنانة, وكما عُرف عنها مزاجها الحاد.
والعنصر الثالث هو (التعبير) وما يطلق عليه بالمضمون, فلا وجود لعمل فني واحد ما لم يكن مشفوعا بطريقتين في البوح فأما ان تكون مشفرات  الوحدات الصورية والمفردات موحية بالقصود بشكل مباشر او انها كامنة بين حركة المواد الخام وسبل صوغ الاشكال او تخريبها, وفي كل الاحوال فان سميرة عبدالوهاب تعمل على اضافة طاقة ديناميكية متجددة باستمرار ويهمها تخليق وحدة الانسجام الموضوعية التي تؤاصر بين جميع عناصر العمل الفني الواحد, وهذه الوحدة يطلق عليها بوحدة الانسجام الكلية.
ان الفنانة سميرة عبدالوهاب, استطاعت ان ترينا ما لم نستطع رؤيته في العالم الخارجي وتجعلنا نحدق في اعمالها بعيون منتبهة لأنها تستقصي صيغ الجمال وذلك يمكن ان يكون وبكل بساطة لأنها اختارت العيش والسكن في عالم الفن الذي يمثل لها عالما متسعا على الدوام  ومن شأنه تحقيق المسرة والأمل والفن هنا يمثل الرؤية الفلسفية والموقف من الاحداث والتحولات, انها تبحث في صيغ التجدد دائماً.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون