الاعمدة
2017/02/10 (19:17 مساء)   -   عدد القراءات: 2777   -   العدد(3849)
العمود الثامن
ماذا لو استمرّ حكمُ أبيه؟
علي حسين




[email protected]


عندما أصدر علي الشوك كتابه " الأُطروحة الفنطازيّة " عام 1970  ، كان الأمر أشبه بحدث ثقافي غريب : " كنتُ أُريد أكتب اللامكتوب " هكذا يخبرنا  في مذكراته التي اختار لها اسم " الكتابة والحياة "  الصادرة عن دار المدى  ، أوراق  يأخذنا صاحبها للغوص معه في مرحلة مهمة من تاريخنا السياسي والثقافي ، بدأت في واحدة من  أجمل مناطق بغداد  " كرادة مريم " عام 1930  ، ومرت بمحطات كان فيها مصراً  على أن  يستبدل دراسة الهندسة المعمارية ،  بالرياضيات التي عشقها  وغيّرت مصيره بالكامل ليتّجه إلى مهنة واحدة هي الكتابة  :" في يوم من أيام 1947، اتخذتُ قراراً في أن أصبح كاتباً! أما الرياضيات التي كنتُ أدرسها، فستكون نزهتي في حياتي " .
في " الكتابة والحياة " نحن أمام شخصية تشبه حكيماً  قادماً من زمن مختلف، يخشى على بلاده التي غادرها مجبراً بعد تجربة مريرة مع السجن والتعذيب ، ويخفي خشيته  بنوبات من الحنين والآسى أحياناً  ، على زمن جعل من العراق  مجرد ذكرى لحلم  يريد له البعض أن يمرّ سريعاً .
لم يشبه علي الشوك  في الثقافة العراقية  أحداً. عمل في أقصى غرائب الثقافة وعاش حالما  باليوتيبيا التي قرر مع أصدقائه ذات يوم أن يقيموا نموذجاً لها في واحدة من مناطق بغداد ، بعيداً عن أعين السلطة ،  رائداً بلا منازع في فن الكتابة الأدبية ، وخبيراً بدقائق اللغة، ملمّاً بقواعدها، سابراً أغوار جملها ومفرداتها وحروفها وكلماتها جميعا .
ما زال يؤمن بأن الأدب يمكن أن يسرّب شعاع نور للمحبطين وللحالمين  ، ولهذا انتمى في شبابه  للحزب الشيوعي، الذي وجد أفكاره مغرية  ، لأنها ببساطة تعد بحلّ التناقضات الطبقية ،  و تساوي بين الناس ،  لا أحد يستغل الآخر ، هذا هو الحلم الباقي حتى بعد انهيار البلدان الاشتراكية .
في المذكرات نحن أمام  كاتب يلاحقه شعور بالذوبان في الجسد الكبير للعراق ، عبر شبكة مختارة من أصدقاء، وأحبّاء، لهم في  مذكراته مكان متميز .
أعدت مع " الكتابة والحياة  " قراءة مرحلة مهمة من تاريخنا  ، وكلما خيّل إليّ أنني  أعرف علي الشوك من خلال كتبه ، أكتشف وأنا أغوص في المذكرات أنني لا أعرفه جيداً  . لأنّ العشاق  الكبار أمثاله لا يوجدون لحظة واحدة خارج الكتابة  والحياة .
في المذكرات توقفت عند حادثة طريفة يذكرها الشوك:" بينما كنت أُلقي الدرس لطلبة الصف الثالث ، كان في مؤخرة الصف طالبان يثرثران ، أحدهما كان أخا مظفر النواب  وكان هذا جالساً الى جوار طالب آخر كان يلغو،فزجرت هذا الطالب  وامتثل ، ثم انتهى الدرس وخرجت ، هرول أخو مظفر في إثري ، واقترب مني ، ثم قال لي :" هل تعلم أُستاذ من هو الطالب الذي زجرته ؟
- من هو . . قلت
- إنه ابن رئيس الجمهورية عبد الرحمن عارف  
- صحيح قل له يوصل احترامي لوالده .
ويختتم الشوك بجملة مؤثّرة :" كم كنتُ أتمنى لو استمر حكم أبيه "



تعليقات الزوار
الاسم: بغداد
استاذ علي حسين عاش قلمك وعاشت إيدك وفكرك وروحك النموذجية الصادقة الصافية على هذا المقال الرائع عن هذا الرجل والشخصية التي تشبه الحكماء " علي الشوكي" . شكرًا لك دائماً تذكر لنا أشخاص متميزين يمتلكون مكانة ادبية ثقافية خاصة نادرة لولاك ما عرفنا عنهم... وكذلك تُخلْق عندنا الفضول للبحث عن هؤلاء الأشخاص لكي نقرأ لهم ونتابع سيرهم من عرب وغير عرب المهم انهم أشخاص يستحقون ان لا ننسى آثارهم لأنها باقية والله يساعد العراقيين بعد ٢٠٠٣ شلون فلاسفة كنفوششين لا علم ولا فهم من أمثال مقولات ابو القماقم ومعجون الطماطة ونهر دجلة ينبع من ايران والله مأساة مايرلنك ؟! شكرًا لك
الاسم: ناظر لطيف
جميل ما كتبت سيدي!
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون