مسرح
2017/02/21 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3454   -   العدد(3858)
خلال عرضها الباريسي..عبقرية الفــن الأوبرالي ومقاييسه الدرامية في "أوبرا كارمن"
خلال عرضها الباريسي..عبقرية الفــن الأوبرالي ومقاييسه الدرامية في "أوبرا كارمن"


ضحى عبدالرؤوف المل

فتح  "جورج بيزيه"  Georges Bizet)) أبواب الموسيقى في أوبرا"  كارمن "بعبقرية الفن الأوبرالي ومقاييسه الدرامية على مسرح منحه سلطة فنية انصهرت فيها الموسيقى مع الشعر الدرامي،  ومع الصوت والحركة  لتتكامل أوبرا كارمن مع القصة الأدبية التي كتبها "بروسبير مريمييه"  بنفس روائي  قصير لم يتفاعل معها القراء آنذاك.

لتأخذ دورها الحقيقي على المسرح الأوبرالي بعد ان حوّلها "جورج بيزيه"  الى نبض فني يحاكي الحواس برمتها عبر الحركة الموسيقية المترجمة للفعل الدرامي،  والحركة الشعرية المنسجمة مع الإيفاع الموسيقي،  والتعبير الحركي التفاعلي على مسرح يرتقي بالاعمال الفنية،  ويرفعها بسمو الى الاعمال الخالدة  الصالحة لكل زمان ومكان،  الغنية بالجمال والأدب والثقافة الفنية التي صاغ من خلالها "جورج بيزيه"  موسيقاه لأوبرا "كارمن"المتميزة بالسحر الرومانسي الفرنسي ، وقصة الغجرية الفاتنة اللاهية بمشاعر الرجال،  والمندفعة بجنون الى تحويل عشيقها الى أشلاء انسان تحوّل الى قاتل، بل!  من حب مجنون نحو امرأة عبثية تمضي الحياة غير مهتمة بالفضائل والمُثل،  ولا بمشاعر من حولها الذين يتحولون الى وحوش ضارية تعبث معها في حياة صاخبة بالمجون والشرور الى وحش كاسر قتلها بعد توسل اليها،  لتعود اليه الحبيبة التي ترك من أجلها كل شيء،  لتبقى خالدة في نفسه كرجل وضع خاتمه في اصبعها الى الأبد ، فهل استطاع "جورج بيزيه " ترجمة كل ذلك بالموسيقى التي تجذب النفوس اليها عبر المعنى المتلاحم مع الشعر والحركة الدائرة على المسرح؟ ام ان التخيلات الاوبرالية مفتوحة الآفاق على الكثير من الشجن الرومانسي الحزين؟
أبدعت ايلينا غارانسا ( ( Elina Garancaعبر مقام الصوت الاوبرالي والتعبير الجسدي المشحون بروحية الصوت الموسيقي الذي منح الاوبراً تكاملا فنيا . استطاعت من خلاله غارانسا اعطاء صورة الغجرية رمزية بصرية تحيا في ذاكرة القصة التي حوّلتها الى امرأة من لحم ودم خرجت من الأوبرا،  لنراها من خلال مخيلة الصوت الاوبرالي والكلمة الانفعالية المشدودة الى زمن كانت فيه المرأة الفرنسية مقيّدة.  لتتميز الغجرية بأفعال لا يمكن ان تتخطاها امرأة قبلها . لأنها الصورة التي اراد من خلالها "بروسبير مريميه"  تجسيدها،  لتكون عبرة لكل رجل وامرأة،  ولتكون المجتمعات قادرة على تغيير الصور الاجتماعية التي تتعاقب عبر الزمن،  وبتتابع يُثير مخاوف الفضيلة التي تنقضّ الشرور عليها  لتتخلص منها كما تخلصت "كارمن"  من المُثل العليا التي حملها بغرابة وواقعية الرجل الجياش بعاطفته، الذي تحوّل من جندي الى قاتل جراء الحرية بالحب والتعالي على الآخر.  فالعريف جوزييه لم تشفع قصة حبه ان تبعده  عن الغجرية،  لان الأغواء العنصر الأقوى في النفس البشرية،  فهل يحاول مريمييه زرع الفضائل باظهار تأثيرات التضاد معها،  والى أي مدى استطاعت أوبرا كارمن إبراز قوة الخلق الفني الناتج عن قصة أدبية فتحت مخيلات أوبرالية استمتعنا بها مسرحيا وبوجدانية الجمال الأوبرالي؟
 كما استطاع روبرتو الاغنا( Roberto Alagna)     إظهار قوة انفعالاته التي تلاحمت بين الفعل الحركي والصوت،  وبين الفعل الرجولي الرافض لتحرر كارمن المثير للجدل بالنسبة له ومع ذلك تخطى " روبرتو الاغنا " العناصر الاوبرالية المشاركة في هذه المسرحية،  ليتفرّد كفنان له تعبيراته الداخلية القوية فنياً مع صوته،  وترجمته للمفردة الشعرية من خلال الحركة والتعبير.  اضافة الى التآخي الموسيقي،  فهل فعلا ينبغي ان تكون العاطفىة حرة كالعصفور أم ان اوبرا" كارمن"  جعلتنا نحلّق معها لجمالية التكامل المسرحي بين طاقمها عبر التحديث والتطوير في وسائل الفن الذي استطاعت من خلاله هذه الاوبرا تكوين المفاهيم في ضرورة الاخلاص بالحب،  وعدم الإنجراف وراء الأغواء والابتذال،  والانقياد وراء المتعة النفسية التي تقودنا نحو الهـــلاك.
أوبرا تُثير فضايا الفضيلة والإثم والشرور النابعة من النفوس التي لم يتم تشذيبها في الحياة،  والمتروكة على الهامش من دون الاهتمام بها برغم تأثر البعض بما حققته من تأثيرات  معاكسة للواقع وللغرابة وللرومانسية الفرنسية ،  فالقصة تمثل  الفتنة الجمالية التي تهواها القلوب بغض النظر عن المُثل العليا التي ينشأ عليها الانسان،  ويدوس عليها من اجل امرأة غوايتها سلب الرجال إرادة الحياة،  والقرار السليم،   وفد كتَب كلماتَها" هنري مايلهاك" و" لودوفيك هاليفي"  باسلوب الكلمة الرشيق الذي  توحد مع المشهد الموسيقي مع العناصر كافة خصوصا مع مرونة الحركة التعبيرية التي أظهرها ابطال المسرحية التي تُعرض هذا العام تباعاً على المسارح الأوبرالية العالمية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون