تشكيل وعمارة
2017/03/04 (00:01 صباحا)   -   عدد القراءات: 4295   -   العدد(3867)
أعمال التشكيلية العراقية (زينة المظفر)..اغتراب سيدات الفصول يغري غابات اللون
أعمال التشكيلية العراقية (زينة المظفر)..اغتراب سيدات الفصول يغري غابات اللون


لندن/ محسن الذهبي

تنطلق  الفنانة التشكيلية العراقية (زينة المظفر) المقيمة في كندا منذ سنوات في أعمالها  من منطق الرؤى المغايرة في التعبير عن الواقع الفعلي . أي  بتعبير أدق هي  تتناول مفردتي الغابة و المرأة بصفتهما منطلقاً جمالياً قادراً على تمثيل الواقع ، فهي إذ تجسدهما كمترادفتين أو كمرآة تعكس الواقع وتدل عليه ، مجسدتا بذلك للوعي النظري الذي تتميز به كفنانة وإنسانة ومبدعة ولتعكسه على الواقع.

فسلسلة أعمالها الاخيرة (سيدات الفصول )  دائما ما تركّز على تأكيد  الوعي الجمالي الرمزي المرتبط بتلك المعاني، لذا نراها تحاول أن تغوص في أعماق هموم المرأة  ،  ليحمل الشكل المجرد – المرأة والغابة - دلالات رمزية تؤثر في المشاعر العاطفية من خلال حيوية الفعل التشكيلي في محاولة لانتزاع فضاءات أوسع لحرية التعبير  .
 وتأسيساً على هذه فهي تحاول الاشتغال على الرؤية المرتبطة بالذاكرة الانسانية والمكان بوصفه يحمل طابعاً جذرياً بعيداً عن النظرة الحيادية فتحمله اشراقاتها وحنينها وبحثها الدائم عن  مكان ما مفتقد إلا في مخيلتها.
إن الفنانة ( زينة المظفر )  والمولودة في البصرة  جنوب العراق  ، والحاصلة على بكلوريوس الفنون التشكيلية من أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد عام 1999 تنصرف  على الدوام  نحو ذاتها أولا فالاغتراب الذي تعيشه من  سنوات بعيدة عن الوطن يجعلها تنتقل الى تصوير وتجسيد الشكل الانثوي فتنقلب الوانها الى القتامة  واللون الواحد المتقد أو المحايد أحياناً كي تجسد الحزن الموغل في  الذاكرة وتأخذ الاشكال بُعداً تأملياً  حزيناً،  بل غاضبٌ  احياناً لنساء في  أشكال تصويرية تستفزّ المتلقي ،  فيقوم اللون بالتعبير عندها بتحقيق العوامل الجمالية، ومن المؤكد أن الجمال في حدِّ ذاته قد يبدو نسبياً فهي تمتلك رؤية فنية خاصة يبرز فيها دور الذاكرة في التصوير.  إن العمل الفني عند الفنانة (زينة المظفر ) يمر بعدد من المراحل، أولها مرحلة الانفعال الداخلي وقد يبدو حاداً  او على شكل  مكابدات او ربما هو انثيالات للذاكرة - كما أسلفنا - وبعدها يأتي دور الرغبة في تحقيق التشكيل، ثم مرحلة تنفيذ ورسم الفكرة، التي تكوّنت في ذهنها  وتصوراتها كشكل أثيري أمامها تنفذها على سطح اللوحة وهنا نجد الانفعال الواضح في اخراج اللوحة عبر خصوصية اللون  وتفرّد شخصانية الاشكال، بل حتى في الإيقاع وشدّة الإضاءة وقد يصل التوتر لخشونة ضربة الفرشاة  ونعومتها ، وهذا ما تحاول الفنانة التعبير عنه عبر العديد من المشاركات ابتداءً من معرضها الشخصي الاول على أروقة معهد الفنون الجميلة عام 1992 مرورا بمعرضها (حوار الطبيعة ) بمركز الفنون ببغداد 1999 ومساهمتها في معارض مشتركة عديدة في كل من العراق,عمان, كندا, امريكا والفوز بجائزة فنية لتصميم نفذ في كندا 2009  .
  إنها تمنح اللون بُعداً أساسياً في تطوير الشكل الفني والمضمون ، وكأنها تعيد  صياغة  النور باطفاء إشراقات الألوان في ضوء حركة داخلية احياناً . مما يعطي الانطباع بأنها تحاول ان تخرجها من طور الكمون إلى طور الفعل، للتعبير عن حالة لا مرئية مطبوعة بداخل النفس البشرية. ففي أعمالها يتشابك العقلي بالجسدي ، والمادي  بالرمزي رغم بحثها الدائم عن نوع من التوازن الشكلي لكننا نحس أنها تحاول جاهدة الى تدمير الصورة التقليدية عبر محاولة الغور في اكتشاف ما هو مغيب او ما لم يصرّح به ، فالفن  عندها يعبّر عن الصدمة والحدث عبر رؤية مباشرة أو غير مباشرة للاشياء رغم أنها اعتمدت على عناصر الواقعية الشكلية لكن أسلوبها يجنح نحو الخيال مما يمنحها حرية واسعة في الجموح واعادة تشكيل المشخصات وفق تأثير منطق العقل الباطن  مع أنها لا تنحو الى التشوية المتعمد للاشكال لكنها تبرز شراسة واضحة لملامح الوجوه ونسب الأجسام . إنها تعلن انتقادها الصريح لكل ما  يواجه المرأة من  ظلم و حيف فهي تجعل من سلسلة الالوان في الطبيعة  وفيض من غابات حالمة متشابكة  تضج بألوان زاهية شفافة معادل موضوعي ووجه آخر لجمالية المرأة ، وكأنها تنقلنا بين قطبي التناقض ، الواقع بكل ما فيه من انكسارات وبين أمانيها بخلق عالم  أكثر شفافية  ونقاءً .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون