تقارير عالمية
2017/03/30 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3328   -   العدد(3889)
ثورة أكتوبر..كيف انتصرت ثورة 1917؟
ثورة أكتوبر..كيف انتصرت ثورة 1917؟


 ترجمة: احمد الزبيدي

|    الحلقة 3    |

 

في هذه الحلقة تتحدث جوان نويبيرغر، أستاذة التاريخ، في جامعة تكساس عن انتصار ثورة أكتوبر عام  1917 في روسيا، و كيف نجح  البلاشفة في تولي السلطة في  أكبر دولة في العالم؟ لتلخيص ما جرى، هناك الاشتراكيون الذين  يمتلكون شعبية واسعة، وهناك الحرب المستمرة التي لا تحظى بشعبية واسعة ، ولدينا مجالس حكومية  تشكّلت منذ يومين إن لم يكن اكثر في جميع أنحاء البلاد، لذلك كيف حاولت الحكومة المؤقتة التعامل مع كل هذا؟
قررت الحكومة المؤقتة أن أفضل شيء تفعله هو محاولة وضع حدٍّ للحرب. كانت تعتقد أن الجيش الروسي لا يزال في موقف قوي بحلول نهاية عام 1916، وبالفعل فقد استطاعت روسيا كسب الحرب على جبهتها. في حزيران 1917 شنت الحكومة المؤقتة هجوماً ضد النمسا وحلفائها على أمل احراز نصرٍ حاسمٍ يجعل من الممكن إنهاء الحرب. وكان الهجوم قد خطط له بعناية، ولكنه تحوّل الى كارثة. كانت الفوضى في  الجيش اكبر مما كانت الحكومة المؤقتة تعتقد، ولذلك فقد خسر الروس تلك الحرب.
وهذا قوّض سلطة الحكومة المؤقتة في أعين الناس. وكان ينبغي على الحكومة المؤقتة ان تقوم بالإصلاح؛ فتخلّت عن  العديد من أعضائها الاكثر ليبرالية وضمّت اليها  الكثير من الاشتراكيين المعتدلين. واصبحت تدار من قبل الكسندر كيرينسكي-الذي كان اشتراكياً- وكانت أهدافه تتلخص في الحفاظ على النظام، وتنظيم إمدادات الطعام و سن قانون الإصلاح الزراعي. ومثل الكثيرين في الحكومة، كان كيرينسكي يحبذ سن قانون الإصلاح الزراعي لمنح الفلاحين المزيد من الأراضي التي تعود ملكيتها إلى الطبقة الأرستقراطية، لكنه لم يكن يرغب في الشروع باجراء اصلاحات زراعية واسعة  في خضم الحرب والفوضى التي كانت تسود المدن.
ولكن الحرب كانت لا تحظى بشعبية الى حد ان الآلاف من  الجنود تركوا مواقعهم في جبهات القتال  خلال صيف عام 1917،. وما كان قطرة ماء في شباط  أصبح فيضاناً في فصل الصيف ولم يكن الجنود يفرّون من  الجبهة فحسب، بل عادوا الى قراهم للاستيلاء على الأراضي التي كانوا يعتبرونها ملكاً لهم. عند هذه المرحلة، كان حزب البلاشفة هو الحزب السياسي الوحيد خارج هيكل السلطة ، و كان أيضا الطرف الوحيد الذي يشجع الفلاحين على ان يتملكوا الأراضي الزراعية. ألقى لينين الخُطب في جميع أنحاء البلاد مطالباً الفلاحين بالاستيلاء على الأرض. يمكننا أن ننظر الى هذه الخطب من ناحيتين مختلفتين. الاولى انها كانت تستجيب  لإرادة الشعب وكانت خطوة رائعة من الناحية السياسية ، ولكن، من ناحية أخرى كانت مساهمة غير مسؤولة للغاية في حل مشكلة الارض بشكل غير قانوني وتخريبي ، ورغم ان قضية حل مشكلة الارض  كانت تساندها جميع الأحزاب السياسية، ولكن الاحزاب المسؤولة اكثر كانت  تشعر  بالحاجة إلى أن تكون بشكل مخطط  له وان تنفذ بطريقة أكثر تنظيماً. والنتيجة من هذا كله هو ان البلاشفة حازوا على الكثير من الدعم.
وفي المدن، قام العمال بالاستيلاء على المصانع أو على الأقل انتخاب لجان "الرقابة العمالية،" وهي واحدة من وعود ثورة شباط -فبراير التي كانت تقضي بمنح العمال امكانية ادارة المصانع. و"الرقابة العمالية" هي فكرة غامضة جدا ولا يمكن تطبيقها عملياً ، ولكن هذا لم يمنع العمال من إجراء الانتخابات. منحت الانتخابات على نحو متزايد الشرعية للعمال الذين ينتمون ويدعمون الحزب البلشفي. اضف الى ذلك انه كان الحزب الوحيد الذي لم يشارك في الحكومة المؤقتة ولم تتلطخ يداه بكارثة حزيران الحربية. وبدا ان البلاشفة هم الحزب الوحيد  الذي يدعم  حقاً مطالب العمال والفلاحين ، أي غالبية السكان.
في تموز اعتقد البلاشفة ان لديهم ما يكفي من الدعم لدعوة جميع القوى   أن تنقل السلطة من الحكومة المؤقتة الى السوفييتات.و في اللحظة الأخيرة، قرر لينين والحزب انهم لا يمتلكون القدرة على ذلك، فقرروا في اللحظة الأخيرة الانسحاب من مظاهرة شعبية كان معد لها سلفا. لكن  المظاهرة حدثت على أي حال، وكان يبدو أنها  مرتبطة مع البلاشفة، ولكنها قمعت بنجاح من قبل حكومة كيرينسكي، الذي اعتقل معظم القادة البلاشفة، وادعى أن هدف البلاشفة الوحيد هو تعطيل عمل الحكومة الشرعية للبلد. وقد سبب ذلك فعلا في تشويه سمعة البلاشفة بين الكثير من الناس، بما في ذلك العمال الذين شاركوا وشعروا بأن الحزب البلشفي قد خذلهم.
واستمر ذلك الشعور لفترة قصيرة  نسبيا اذ ان  الأزمة الكبرى التي تلت ذلك والتي حدثت في آب منحت البلاشفة مصداقية اكبر امام جموع كبيرة من الناس.
وكيف أستطاعوا تحقيق ذلك؟
كانت الأوضاع حينها تعج بالفوضى حقاً. فحدث  في  الصيف، ان قام  الفلاحون بالاستيلاء على الأراضي، وكان هناك  العمال الذين ينظمون المظاهرات ويحاولون السيطرة على المصانع، وهناك مشاكل الإمدادات الغذائية، و مشاكل الجيش. فليس  من المستغرب في مثل هذه الظروف الفوضوية   ان يتحول قائد عسكري الى بطل شعبي  ويقدم   عرضه بالنجاح في جلب النظام إلى المجتمع. كان لافار كورنيلوف يمثل هذا البطل الشعبي ، ولكن محاولته اعادة الجنود الى العاصمة كان ينظر اليها من قبل معظم الناس على أنها محاولة لانتزاع المكاسب الديمقراطية للثورة. ودعا كرنسكي مجالس السوفييتات  والبلاشفة لحماية المدينة من انقلاب عسكري مضاد للثورة.
مما مكن  البلاشفة من استعادة شعبيتهم بشكل كبير في العاصمة وكذلك في جميع أنحاء البلاد، كما كان ينظر إليهم أنهم الوحيدون القادرون على حماية الثورة الديمقراطية من الثورة المضادة. وبحلول شهر ايلول  حصل البلاشفة على  الأغلبية في مجلس سوفييت بتروغراد العاصمة . وحاول كيرينسكي حشد الدعم للحكومة المؤقتة ولكن انتشرت شائعات بأنه قد تفاوض سرا مع كورنيلوف للاستيلاء على بتروغراد، وهذه الشائعات حكمت عليه  وعلى حكومته.بالموت عمليا
كيف استخدم البلاشفة هذه الأزمة ليزيدوا من  شعبيتهم  ويعززوا قوتهم؟
بدأ لينين حينها يضغط بقوة داخل حزبه للاستيلاء على السلطة. ورأى أن الحكومة المؤقتة منهارة تماماً. ودعا الى نقل كل السلطة الى   السوفييتات. وكان من المقرر أن يعقد في بتروغراد في تشرين الأول مؤتمر يضم السوفييتات في عموم روسيا. وبحلول خريف عام 1917 كان البلاشفة قد حصلوا على دعم اللجان  المحلية في المصانع  وفي الواقع، كانوا يشكلون الأغلبية في العديد من هذه اللجان قبل هذا الوقت وحصلوا على  دعم الفلاحين ايضا . كانت الحكومة المؤقتة بقيادة  كيرينسكي تعاني من ضعف شديد. وخلال قضية كورنيلوف، شكل زعيم بلشفي كبير آخر هو ليف تروتسكي، ميليشيا مسلحة تدعى اللجنة العسكرية الثورية لحماية الثورة من الانقلاب العسكري المضاد. و كان لدى البلاشفة  كل ما يحتاجون اليه. وكان الشيء الوحيد الذي لم يكن يمتلكه لينين هو الدعم من قيادة حزبه. ولكن بحلول نهاية شهر تشرين الاول، اصبحت اغلبية الحزب البلشفي مع فكرة الاستيلاء على السلطة.
في ليلة 24-25 تشرين الاول،   وحين كان معظم الناس في بتروغراد   يعيشون حياتهم العادية ، حيث تعودوا ان يذهبوا بعد العشاء، إلى المسارح، و المطاعم، او يتجولوا  في أنحاء المدينة، كانت اللجنة العسكرية الثورية منهمكة في الاستيلاء على المؤسسات الحكومية الرئيسية في بتروغراد: محطات السكك الحديد والتلغراف. وجرى كل شيء بشكل سلمي جدا. حتى ان معظم الناس في بتروغراد لم يلاحظوا شيئاً. وفي يوم 25 تشرين الاول، اقتحم البلاشفة  قصر الشتاء (الذي يعرف الآن بمتحف الأرميتاج) حيث مقر كيرينسكي وحكومته واستولوا  على الحكم.
تمكن  كيرينسكي من الهروب، مما اثار استياء البلاشفة. وعاش في بداية الامر  في أوروبا، ثم امضى بقية  حياته في جامعة ستانفورد.صادق مؤتمر السوفييتات على نقل السلطة، و كانت الاغلبية للاشتراكيين، وليس البلاشفة. ويبدو أنهم افترضوا أن السلطة ستذهب إلى السوفييتات. ولكن لينين كانت لديه أفكار أخرى، واستولى البلاشفة على السلطة بمفردهم ، على الرغم من أنه  لم تكن لديهم الأغلبية في مجلس سوفييت عموم روسيا. وكانت هذه خطوة انفرادية  لا تنسجم  مع الآمال بتحقيق العدالة والتي جلبت البلاشفة إلى السلطة ، مما أدى مباشرة إلى قيام حرب أهلية طويلة بدأت في عام 1918.
لذلك، نعود إلى السؤال المطروح في بداية الحلقة: كيف استطاع البلاشفة الوصول إلى السلطة؟ هل كان ذلك انقلاباً نفذته مجموعة صغيرة من اليسار المتطرف لغرض الاستيلاء على السلطة أم كانت حركة ديمقراطية شعبية؟
كان فلاديمير لينين مخططا استراتيجيا وسياسيا باهراً. و فهم جيدا اين مكمن السلطة في عام 1917، وما  نقاط الضعف ونقاط القوة؟ احتفظ لنفسه ان يكون خارج الحكومة المؤقتة حتى لا تتلطخ سمعته هو  والبلاشفة بانهم  كانوا جزءا من حكومة غير فعالة خلال عام من الفوضى والثورة، وسعى إلى دعم الفئات الشعبية. واعلن انه يؤيد كل ما كان يريده الفلاحين والعمال من الثورة، و، حيث أنهم كانوا يشكلون  الغالبية العظمى من السكان، فان هذا الدعم كان مهما جدا.
وسواء كان هذا انقلابا ام لا، فان احد المؤرخين كان قد قال إن السلطة كانت ملقاة في الشوارع في تشرين الاول من عام  1917، وأية مجموعة من الرجال شديدي البأس  يمكنها الاستيلاء عليها وأن هذا هو ما فعله لينين والقيادة البلشفية. وهناك بعض الحقيقة في ذلك: كانت السلطة تنام غافية  في الشوارع، واستطاع لينين إقناع قيادة الحزب باستلامها. لكن ذلك لم يكن ليحدث لولا أحداث عام 1917 ومن دون الدعم الشعبي الذي حصل عليه من مجالس السوفييتات والفلاحين.
 عن: الموقع الالكتروني لجامعة تكساس



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون