عالم الغد
2017/04/04 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2141   -   العدد(3893)
كيف تزيد شركات التكنولوجيا  من معدلات   الإدمان على الانترنت؟
كيف تزيد شركات التكنولوجيا من معدلات الإدمان على الانترنت؟


 ترجمة / أحمد الزبيدي

في كل يوم تقريباً  نبدأ صباحنا بنفس الطريقة: من خلال التحديق في أجهزة هواتفنا النقالة. في البداية نتفحصها  بشكل متقطع، ولكن تركيزنا فيها يزداد فيما بعد. نتحقق اولا من الأخبار العاجلة  لئلا يكون قد فاتنا خبر ما او ان  أزمة كبرى حدثت في مكان ما في العالم ونحن نيام، ثم نبدأ بتصفح  بريدنا الإلكتروني ، واخيرا نشد الرحال الى صفحتنا الشخصية على الفيسبوك
طوال بقية اليوم، يكون هاتفنا النقال  هو رفيقنا  الدائم. من دونه سوف نضيع فهو مفكرتنا  وهو الذي يجمعنا بالعالم الخارجي، ويبعد عنا الملل، و هذا الجهاز الذي لا يتعدى خمس بوصات يكون درعنا الذي ينجينا من  محادثات غير مرغوب فيها مع الغرباء.و ليس في الامر مبالغة ابدا  بل هو أمر طبيعي تماما. فهناك تطبيق في اجهزة الهواتف الناقلة يُطلق عليه moment))   يسمح للمستخدمين معرفة كم من الوقت قضوه مع الهاتف النقال، وقد وجد أن الافراد في المتوسط يقضون ما يقارب ثلاث ساعات يوميا مع هواتفهم الذكية ويقومون بالبحث فيها 39 مرة.
ويعتقد آدم ألتر، وهو أستاذ في مبادئ التسويق وعلم النفس في جامعة نيويورك، أن الاشخاص  البالغين يتفاعلون مع التكنولوجيا الحديثة بنفس الطريقة التي يتعامل بها الأطفال الصغار  مع أزرار لعبهم: نحن نبحث في هواتفنا بلا وعي ولا ارادة مسبقة، وتنشرح صدورنا لقدرتنا على جعل اضواء هواتفنا النقالة تتألق و نغماتها تصدح بلمسة من أصابعنا.ونحن مكرهون على ذلك
يقول ألتر إن الكثيرين منا أصبحوا مدمنين على التكنولوجيا التي نستخدمها - فنحن اما مدمنين على الالعاب الالكترونية  أو على وسائل التواصل الاجتماعي وخصوصا الفيسبوك – ويرجع السبب في ذلك جزئيا إلى أن هذه الالعاب ومواقع التواصل الاجتماعي  قد تم تصميمها خصيصا لجذب انتباهنا. ولكن هناك عددا قليلا من الدراسات  حول هذا الموضوع : فقد خلصت دراسة أجريت في عام 2010 إلى أن 40 في المئة من سكان العالم  يعانون من شكل من أشكال الإدمان على الإنترنت، سواء كان ذلك في مجال الالعاب أو البريد الإلكتروني أوالمواقع  الإباحية؛ وان 46 في المئة من المشاركين  في استفتاء آخر أُجري في عام 2015 قالوا أنهم لا يستطيعون العيش من دون هواتفهم النقالة ؛ وفي دراسة ثالثة، قال 59٪ أنهم لا يستطيعون الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي، ويعتمدون عليها كليا على الرغم من ان ذلك لا يجعلهم سعداء   ولكن ماذا يعني ألتر بالإدمان على الإنترنت ؟ عندما نحصل على  المتعة، من تناول الآيس كريم، أو تلقي اعجاب على  الفيسبوك ، فان مستويات هرمون الدوبامين (وهو مادة كيميائية تتفاعل في الدماغ لتؤثر على كثير من الأحاسيس والسلوكيات بما في ذلك الانتباه، والتوجيه وتحريك الجسم. ويؤدي الدوبامين دوراً رئيسياً في الإحساس بالمتعة والسعادة والإدمان ) لدينا ترتفع. ويمكن أن يصبح الناس مدمنين على مادة أو سلوك معين عندما يصبح ارتفاع مستوى هرمون الدوبامين وسيلة للعلاج ، من مشاعر الاكتئاب، أو الوحدة، أو عدم الثقة بالنفس. وبهذه الطريقة، فإن مدمني الهيروين يرغبون بالحصول على  أعلى مستويات الدوبامين سعيا وراء راحتهم النفسية على المدى القصير، رغم  تسببه لاضرار  كبيرة لهم على المدى الطويل.
ويشير الاستاذ ألتر إلى تزايد الاعتراف العلمي بالإدمان السلوكي. وفي عام 2013، دخل المصطلح في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات العقلية. "لقد كانت سلوكيات الادمان موجودة لفترة طويلة، ولكن في العقود الأخيرة أصبحت أكثر شيوعا، ولم يعد تجاهلها ممكنا، وباتت أكثر انتشارا"، ويحذر ألتر من ان"عمر الإدمان السلوكي لا يزال قصيرا، ولكن الإشارات المبكرة تشير إلى انه  سيتحول الى معضلة في المستقبل القريب".
وتورد وسائل الإعلام في بعض الأحيان قصصا عن اشخاص يلقون حتفهم  جراء ممارستهم الالعاب الالكترونية لفترات زمنية طويلة ، أو تقوم باجراء مقابلات مع مدمني التسوق عبر الإنترنت الواقعين في ربقة الديون  في بيوتهم المكتظة بالسلع غير النافعة التي قاموا بتسوقها  عبر موقع الأمازون. ويروي ألتر حكاية مدمن الألعاب الذي طلب أخيرا المساعدة بعد ان ظل حبيس شقته لمدة خمسة أسابيع، وكان يلعب لمدة 20 ساعة في اليوم، دون ان يستحم  وتلقى  140 مكالمة لم يرد على اية واحدة منها وهذا  واحد من الأمثلة المتطرفة في هذا المجال، وقلة من الناس لا يعتقدون أن هذا  سلوكا مرضيا. لكن ماذا عن البقية؟
إذاً، كانت  الإحصاءات التي ذُكرت سابقا ، تشير الى إن ما يقرب من نصف السكان لديهم شكل ما من أشكال الإدمان على الإنترنت، فهل نحن جميعا مرضى حقا أم أن معيار الإدمان لدينا ضعيف جدا؟ كثيرا ما تكون الأرقام أقل ارعابا مما كانت تبدو عندما نتعرف عليها للوهلة  الاولى. فعلى سبيل المثال فان  46٪ من الناس الذين قالوا إنهم "لا يستطيعون العيش من دون هواتفهم لا يعتقدون  أنهم سيموتون اذا تركوها"  ، فهل ان اهمية هواتفنا النقالة  ، بنفس اهمية  مفاتيح المنزل مثلاً؟
ويضيف ألتر أن نسبة قليلة  من الناس ذكروا أنهم يفضلون تحمل إصابات جسدية على ان يلحق  ضررا  بهاتفهم الذكي. ومرة أخرى، فإن هذا الاعلان ليس مثيرا للقلق كما يبدو. البشر مستعدون طوال الوقت للخضوع لبعض الألم الجسدي لأسباب تافهة نسبيا: لتدلي اقراط  من أذنيهم مثلا، او نزع الشعر عن اجسادهم
يدرك  جيدا مصممو تطبيقات وسائل التواصل الاجتماعية وألعاب الكمبيوتر و بدقة ما هو مطلوب لتحفيز الافراد على الانغماس في تلك المواقع ، ويعرفون جيدا  كيف يمكن بناء هذه العناصر في منتجاتهم؟ على سبيل المثال، ألعاب الكمبيوتر الناجحة تحتوي على اغراءات ومؤثرات عالية الجودة  وتصمم  لتلبي رغبة المستخدمين الغريزية في الشعور بالتقدم واحراز النجاح . لذلك فإنها تتحرك صعودا من خلال مستويات اللعب لأنها تسعى جاهدة لتحقيق الأهداف التي هي أبعد عن متناول اليد – هزيمة العدو أو الفوز بجائزة.اما  مواقع التواصل الاجتماعي مثل الإنستاغرام فتستغل رغبة البشر الطبيعية في الحصول على علاقات اجتماعية قوية والهوس بالحصول على ما يصفه الاستاذ التر   "بردود افعال لا تقاوم و لا يمكن التنبؤ بها": حيث يشعر المستخدم للموقع بالرضا عندما يقوم العشرات من الناس بتسجيل الاعجابات  بلقطات له  تصور  الإفطار المميز الذي يتناوله في احد الفنادق الراقية  ، ولكن ليس من السهل أن تكون هناك قاعدة ثابتة يمكن اتباعها . فبعض البوستات في الفيسبوك مثلا تحصل على اعجابات  غير مبررة. ويتم تجاهل بوستات اخرى بشكل غير متوقع. و يرى ألتر أن أحد الأسباب التي تجعلنا حريصين جدا على زيادة الأصدقاء والمتابعين وحصد الإعجابات على وسائل التواصل الاجتماعي، هو أننا نعيش في ثقافة الهوس بتحقيق الغايات. ولسوء الحظ، ونحن في خضم  هوسنا الذي ليس له نهاية  لتحقيق اهدافنا  نقلل في نهاية المطاف من رضانا عن الحياة التي نعيشها . وفي كثير من الأحيان، فنحن إما أن نفشل، أو نكتشف  أن تحقيق الهدف يسبب لنا التعاسة لانه لم يحقق ما كنا نرجوه او نتوقعه منه: فتحقيق ما كنا نطمح اليه يمكن أن يصبح بسرعة امرا لا قيمة له  فور ان نضع لانفسنا  هدفا أكبر وأفضل من وجهة نظرنا ونروم تحقيقه. من المفيد جدا  ان نتعمق في المسائل الفلسفية والسياسية التي يثيرها إدمان الإنترنت. ومهما كان مستخدمو الإنترنت متشتتين ومتفرقين  يجب أن ينتابهم القلق  من القوة الهائلة (التي غالبا ما تكون خفية) التي يؤثر بها مصممو المواقع  التكنولوجية ويمارسونها  على زبائنهم.
لذلك، كيف يمكن أن نخضع شركات التكنولوجيا للمساءلة؟ هل يمكن؟ بل ، وهل ينبغي لنا أن نضع تشريعات للحد من ممارساتها الوحشية،بنفس  الطريقة التي تنظم بها الحكومات عمل نوادي القمار وصناعات الكحول والتبغ وحتى مطاعم الوجبات السريعة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يمكن تطبيق هذه القوانين؟ ليس لدينا حتى الآن إجابات. وفي الوقت نفسه، فإن السلاح الوحيد المتاح للمستهلكين هو الوعي. إذا كنت تعاني من القلق والوحدة  في كل مرة تستخدم فيها هاتفك النقال، فتأكد ان سبب ذلك هو ان  شخصا ما قد أجبرك ان تسلك ذلك الطريق.

 عن مجلة نيو ستايتمان



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون