عالم الغد
2017/05/02 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2615   -   العدد(3912)
التقدم البشري على طريق الكتابة


 عادل صادق

لا بد أن أعظم اختراع أنجزه الإنسان هو الكتابة. فالكتابة ليست مجرد أساس من أسس الحضارة : إنها تدعم التراكم الثابت للانجاز الفكري. فهي بوضعها الأفكار في شكلٍ مادي، تسمح لها بالانتقال عبر المكان والزمان من دون انحراف أو تشوّش، وهكذا تجتاز حدود الذاكرة الإنسانية و النقل الشفوي، دعكَ من أهواء الطغاة و تحولات التاريخ وغيرها، كما يقول توم ستانديج، المحرر الرقمي لمجلة الإكونومست اللندنية.
و أصول الكتابة عادية جداً، فقد اخترعها محاسبون وليس شعراء، في الألفية الرابعة قبل الميلاد، كعلامة تنبيه لنظام العَدّ الذي كانت مجتمعات الزراعة تحفظ به تسلسل السلع الزراعية. ففي الأول كانت التعاملات أو الاجراءات تُسجَّل بواسطة خزن مجموعات من العلامات الطينية المشكَّلة ــ تمثّل الحنطة، أو الماشية، أو الأنسجة ــ في أغلفة من الطين. لكن لماذا استعمال علامات كهذه في حين يكفي ضغط الواحدة منها على لوح من الطين الطري بدلاً من ذلك؟ لقد حلّ محل هذه الطبعات الطينية رموزٌ محفورة أو مخدوشة بقلمٍ على الطين، لتمهّد الطريق هكذا أمام الكتابة.
وحين اتّسعت المستوطنات البشرية متحوّلةً من قرى إلى مدن أولى، صارت هناك حاجة للكتابة لأسباب إدارية. لكنها سرعان ما أصبحت أكثر مرونةً وتعبيراً، وقادرة على استيعاب دقائق الفكر الإنساني، وليس مجرد قوائم حصص طعامٍ تُعطى و ملوكٍ موتى من زمن غابر. وقد سمح هذا للفلاسفة، والشعراء، ومسجلي الأحداث بأن يضعوا أفكارهم وفقاً لتلك التي كانت للمفكرين السابقين، ويتجادلوا بشأنها، و يتوسعوا فيها. فكان باستطاعة كل جيل من الناس أن يبني على أفكار أسلافه، مسهّلاً بذلك أمر التقدم الواسع التنوع في مجالات شتى، كالفلسفة، والتجارة، والعلوم، والأدب.
و الأمر المدهش فيما يتعلق بالكتابة، وفقاً لتعقيد أنظمتها المبكرة، أن كل واحد قد تعلمها، على كل حال. ويتضح السبب في ذلك من نصوص تدريب الكتّاب على الهيروغليفية القديمة، التي تؤكد كون الواحد كاتباً يعلو على جميع الخيارات المهنية الأخرى، مع عناوين مثل " لا تكن جندياً، أو كاهناً أو خبّازاً "، " لا تكن مزارعاً " و" لا تكن سائق مركبة Charioteer ". وهذا النص الأخير يبدأ بـ " هيِّءْ قلبك لأن تكون كاتباً، ذلك أنك تستطيع أن توجّه الأرض كلها ". وقد فهم الكتّاب الأوائل أن معرفة القراءة و الكتابة هي القوة الأساسية. وهي قوةٌ تمتد اليوم إلى معظم البشرية، وقد فعلت للتقدم الإنساني أكثر مما فعله أي اختراع آخر.
  عن / INTELLIGENT LIFE



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون