تقارير عالمية
2017/05/10 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2582   -   العدد(3919)
ماذا يمكن لليسار المعاصر أن يتعلم من ماركس؟
ماذا يمكن لليسار المعاصر أن يتعلم من ماركس؟


ترجمة: احمد الزبيدي

هذه مقابلة مع المؤرخ البريطاني غاريث ستيدمان جونز، حول كتابه الأخير ماركس العظمة والوهم.
اثناء  جنازة كارل ماركس، أعلن رفيق حياته ودربه فريدريك إنجلز امام  أقل من عشرة أشخاص تجمعوا، لحضور الجنازة  "ان  اسم ماركس واعماله ستخلد عبر العصور، ومن المؤكد أن إنجلز كان محقاً . وبينما فشلت الماركسية، فإن أفكار ماركس غيّرت  العالم. وحتى يومنا هذا مازالت ، قصة ماركس، المفكر، تثير الجدل، اكتشف ماركس الكثير من الأشياء الصحيحة.

لم يكن  نقده للرأسمالية بلا عيوب ولكنه كان مفيداً بشكل هائل وكان يدرك  أن عملية التصنيع ستعمق أزمة  النظم الاجتماعية السائدة وتنشئ نظماً اجتماعية جديدة  محلها. كما أنه ينظر، وكذلك فقد استكشف ربما اكثر من أيّ شخص آخر، التناقضات المتأصلة في الرأسمالية وتقلب الدورات التجارية.
وكان لماركس الكثير من الأشياء الخاطئة أيضاً. فقد  افترض أن الطبيعة البشرية لدنة ومرنة، وقادرة على تحمل أيّ شكل من الظروف اذا ما اعطيت لها  الظروف الملائمة وبالإضافة إلى كون هذه الافكار غير صحيحة، فإنها استخدمت  كمبرر جاهز لإجراء تجارب غريبة في مجال الهندسة البشرية، كان ماركس، يعتقد  بحماقة، أن التاريخ له اتجاه واضح لا يحيد عنه: وكان التقدم نحو مجتمع خيالي خال من الطبقات أمرا محتما غير قابل للتغيير و بديهي. وكانت تلك من اسوأ افكار ماركس، عندما جعل  الأفكار تعلو على  الخبرة، والأمل يعلو على  المنطق. في كتاباته الأولى، بدا  مقتنعاً أن الرأسمالية متجهة نحو حتفها، وفي وقت لاحق، تخلى  ماركس عن هذا الاعتقاد، مدركاً أن الرأسمالية كانت أكثر مرونة بكثير مما كان يفترض في البداية. وبحلول الوقت الذي صدر فيه كتاب رأس المال في عام 1867، بعد أكثر من عقدين من نشر البيان الشيوعي، كان يتصور بالفعل أن الشيوعية هي منافس للرأسمالية وليس بديلاً حتمياً عنها.
لكن النزعة الثورية لدى ماركس في بواكير اعماله  كانت مغرية جداً للماركسيين العقائديين  لذين ساروا على  خطاه. الماركسية، كما وصفها الكاتب الفرنسي ألبير كامو، أصبحت "دينا احلت التاريخ محل الله، الفردوس الارضي محل الخلاص الأبدي، وبالنظر إلى أن كل شيء كان ينجز باسمه، فإن تركة ماركس عانت من التبسيط والتشويه . فهل أن كلمات ماركس هي المسؤولة عن أعمال الماركسيين؟ كيف يمكن أن نروي سيرة حياته بطريقة تعترف بما كان محقاً فيه وكذلك ما اخطأ فيه ؟
هناك عدد لا يحصى من السير الذاتية لماركس - وربما كثيرة جداً. وكتاب ديفيد ماكليلان بعنوان كارل ماركس: السيرة الذاتية، الذي صدر في عام 1973، لا يزال هو  الأفضل والأكثر عمقاً. لكن آخر ما ألفه المؤرخ غاريث ستيدمان جونز، وهو استاذ في جامعة لندن، يشكل إضافة رائعة.
كتابه الاخير بعنوان  كارل ماركس: العظمة والوهم، و هو محاولة لإزالة الأساطير عن ماركس وإعادة توطينه في "محيطه في القرن التاسع عشر". هو سيرة حياة متعاطفة ولكنها معتدلة وحيادية، إن صورة ماركس التي نحصل عليها في الكتاب تختلف عن الصورة التي اعتدنا عليها: شخص عاطفي ولكن مفكر مرن، وقد كان سيعترض على السياسات التي نفذت باسمه، ولكن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام الذي يجيب عنه الكاتب بشكل تام  هو هل ان لماركس اهمية  في وقتنا الحاضر؟
جلست مؤخراً مع جونز للحديث عن الكتاب. سألته لماذا لا تزال أفكار ماركس مهمة ، واين اخطأ واين أصاب في تحليله ووصفه للرأسمالية، وما الذي يمكن لليسار المعاصر أن يتعلمه من ماركس.
* أخبرني لماذا لا يزال كارل ماركس مهما؟
- أعتقد أن علينا أولاً فصل ماركس عن الماركسية. أعتقد أن الماركسية خاطئة بشكل واضح. ولكن دعونا نركز على ما يمثله ماركس نفسه. فمهما كان رأينا به، فانه قدم صورة مدهشة لمنطق تطور الرأسمالية الداخلي   كيف تخلق الأسواق العالمية، وكيف تخترع الاحتياجات الجديدة، وكيف تفسد الممارسات الثقافية الموروثة وتتجاهل التسلسلات الهرمية وما إلى ذلك، وقد فسر كل ذلك  بوضوح مذهل في البيان الشيوعي الذي يمثل بطرق عديدة،ثناء  للبرجوازية الرأسمالية وما انتجته.
* يميل الناس إلى التركيز على اعمال ماركس المبكرة كثيراً، لأن هذا هو المكان الذي تحصل فيه على الرومانسية والحماس الثوري، ولكن يبدو أنك تفضل اعمال ماركس التي كتبت في وقت لاحق.
- أنا أكثر اهتماماً بأعمال ماركس التي كتبها بحلول عام  1860، حيث جادل  فيها  بأن الثورة ليست حدثاً كبيراً مفاجئاً ولكن عملية تراكمية. وأعتقد أنه ابتكر لغة الديمقراطية الاجتماعية التي انتشرت بالفعل في السنوات  الاربعين أو الخمسين التالية. ماركس ليس المخترع الوحيد لهذه اللغة، لكنه مخترع رئيس. وهو بذلك  انشأ  حركة العمال الدولية بطرق عديدة. وفي هذا المعنى، هو واحد من المهندسين المعماريين الرئيسين للديمقراطية الاجتماعية.
* وانتشرت لغته وأفكاره، ولكنها أيضاً عانت من التشوهات والتحريفات. وهذا موضوع متكرر في كتابك، وهي فكرة أن ما يقال ويفعل باسم ماركس غالباً ما يكون خيانة لروح عمله.
- في خمسينيات القرن التاسع عشر، كان ماركس لا يزال يعتقد أن الرأسمالية هي كائن حي، لذلك ستكون لها ولادة، ونمو، ونضج، وموت. وقال إنه يعتقد أن منطق المعاملات السلعية والفردية سينتشر ويغطي العالم كله، وأننا نشهد في نهاية المطاف أزمة وانهياراً عندما يستنفد النظام موارده. وكان ذلك على أي حال أمل ماركس بين عامي 1848 و 1857، لكنه ادرك تدريجياً أن الرأسمالية أكثر مرونة من ذلك، وأنها يمكن أن تتكيف مع الإفراط في الإنتاج والاكتظاظ السكاني والمحاصيل السيئة وغيرها. ورأى، بعبارة أخرى، أن الرأسمالية ليست في ازمتها النهائية ولكنها في ازمة مستمرة. ويصبح ذلك أوضح وأكثر وضوحاً له بعد نشره رأس المال، حيث ادرك أن الرأسمالية ليست ضعيفة كما كان يأمل. حتى انه في الواقع بدأ يركز على  الاعتقاد بأن الشيوعية البدائية يمكن ان تعيش على نحو ما وتتجاوز مراحل  التطور الرأسمالي.
* لماذا لم ينعكس هذا التطور في الماركسية العقائدية في مطلع القرن؟
- لقد نشأت  الماركسية بالفعل  في 1870، وكانت تميل  تماماً إلى الاعتقاد بأن النظام كله محكوم عليه بالموت ويجب أن يزاح. وهذا يؤدي إلى نوع من الإخلاص الديني لفكرة أن الرأسمالية في أزمة وأن الثورات ضرورية من أجل التعجيل بالانهيار. هذا النوع من التفكير هو ما انتج لنا حكم البلاشفة في القرن العشرين.
* دعنا نتحدث أكثـر قليلاً عن ما كان يعتقده ماركس في الواقع. تأثر ماركس بالفيلسوف الألماني هيجل، الذي ادّعى أن التاريخ كان مدفوعاً بالأفكار وتطور الوعي البشري. لكن ماركس يخالف هيغل ويقول إن ما يحرك التاريخ هو الصراع الطبقي والقوى الإنتاجية التي تشكل الوعي البشري، هل تعتقد أن ماركس كان محقا في ذلك؟
- أعتقد أن هناك ميلاً إلى المبالغة في تقدير مدى هذا الادعاء الذي قام به. يمكنك العودة إلى القرن السابع عشر وسوف ترى أن المنظرين القانونيين يقومون بالفعل بمطالبات مماثلة حول العلاقة بين الملكية والإنتاج والمجتمع. يقول ماركس ببساطة أنك تبدأ بمرحلة الصيد، ثم  الرعي وبعدها مرحلة الزراعة ثم يصبح لديك المجتمع التجاري، وأن الترتيبات السياسية هذه تتوافق مع مراحل التطور.
* أنا غالباً ما أحبط من عدم قدرتنا على فصل الحتمية التاريخية لماركس عن انتقاداته للرأسمالية. ماركس، كما تقول، كان مخطئاً بشأن أشياء كثيرة، لكنه فهم أمراض الرأسمالية، على الرغم من أنه فشل في بناء بديل قابل للتطبيق.
- وأعتقد أن هذا هو واحد من رؤاه الأكثر براعة. فهو يكشف  أن ما لديك ليس مجرد اعادة انتاج أو توسيع لتقسيم العمل، ولكن لديك نظام كامل يخلق التحديث في نفس الوقت الذي يخلق فيه أنظمة جديدة للعلاقات الاجتماعية التي، بدورها، تخلق حاجات جديدة. وكانت فكرته الأساسية هي أن هذا نظام متقلب واستغلالي بطبيعته، وعرضة للأزمات على حد سواء ومن المرجح أن ينخر من الداخل المؤسسات السياسية التي يفترض أنها موجودة في قمته.
* الانتقاد الرئيس لماركس الذي تسمعه بين المنظرين السياسيين هو أنه كان مفكراً مغلقاً ومتقولب التفكير. حاول أن يكيّف العالم ليتوافق مع نظريته، ويجعله مناسباً تماماً لمفاهيمه، وهو مسعى احمق لا طائل منه، هل هذا انتقاد عادل؟
- أعتقد أنه ينطبق على إنجلز والماركسية اكثر منه على  ماركس نفسه. كان لماركس مختلف المحددات والأشياء التي لم يكن مهتماً بها كثيراً، وأعتقد أنه تعامى عن العديد من نقاط الضعف هذه. كان على علم  بنقده للدين لكنه هو أيضاً كان على علم بالمثل اليونانية القديمة مثل الجمال والقدر والعدالة. لكنه كان يبالغ  في بعض الأحيان. حاول أن يجعل من العالم شيئا آخر لا وجود له. وأعتقد أن أتباعه يحاولون أن يقولبوا العالم بأكثر بكثير مما فعله.
* كيف يمكن لأفكار ماركس أن تغني مناقشاتنا الحالية حول العولمة، والتجارة الحرة، والليبرالية الجديدة؟
- أعتقد أن الليبرالية الجديدة هي محاولة  جديدة لصنع الإنسان لقوة  خارج سيطرته بدلاً من تحمل المسؤولية عنها. يبدو لي، على سبيل المثال، أن الكثير من الأشياء قد عولجت بشكل خاطئ منذ نهاية الحرب الباردة لأنه في الفترات الفاصلة بين الحرب العالمية الثانية وبداية 1990، كان يوجد دائماً ادراك  أن هناك وجودا شيوعيا لا بد من مكافحته والتنافس معه، كان هذا العصر الذهبي للديمقراطية الاشتراكية لأن الحكومات، بما فيها الحكومة الأمريكية، سارعت إلى إيجاد بديل للشيوعية، ولكن هذا يعني الاعتراف بالنقابات وتشجيع الأحزاب الديمقراطية وتشجيع التعاونيات بمختلف أنواعها، وما إلى ذلك، منذ عام 1991، لم تعد توجد قوة مضادة للتطور الرأسمالي، وهذا التطور غير المنضبط هو الذي كان ماركس يقف ضده في البيان الشيوعي. واليوم، كما كان من قبل، يقال للناس أن هناك حدودا لما يمكننا القيام به، وأنه على الرغم من فقدان  وظائفهم وحياتهم، فإنه يتعين عليهم التعايش معه لأنه نتيجة حتمية للتقدم، والتطور، ولكني أعتقد أن هذا تنازلاً عن مسؤوليتنا تجاه تحسين العالم وتغييره.
* ويبدو أن الرأسمالية قد فازت، تنطبق قوانين عدم الثبات على الرأسمالية بقدر ما تنطبق على أيّ شيء آخر، ولكن لم يعد هناك أيّ بديل مفيد، لا شيء على الجانب الآخر من الرأسمالية. ما موقفنا من ذلك؟
- حسنا، أعتقد أننا لا ينبغي أن نقبل ذلك. ما ينبغي أن نقوله هو أن الرأسمالية قد تكون سمة حتمية في العالم، ولكن يمكن السيطرة عليها. ويمكن توجيهها إلى أشكال أقل تدميراً، وهذا ما ينبغي للأحزاب السياسية أن تقوم به.
* ومقولة ماركس الشهيرة أن الفلاسفة قد فسّروا العالم فقط، ولكن ما يجب هو  تغييره. لا شك أن ماركس غيّر العالم. هل تعتقد أن العالم تحسّن بعد ذلك؟
- من الصعب جداً التمييز بين تأثيره وتأثير جميع أنواع الظروف والعوامل الأخرى، ولكن أعتقد أننا أفضل حالاً لأننا نملك انتقاداته.
* كان نقد ماركس للدين هو أنه نوع من التخدير. ربما يكون هناك نقد مماثل له في عالمنا الحالي، الذي تغزوه  الهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من أشكال الإلهاء. هل تعتقد أن هذه التقنيات تمنعنا من مواجهة أوضاعنا، والأهم من ذلك تغييرها؟
- أعتقد أن هذا صحيح. حيث لا يزال فكره ملهماً ومفيداً  لقد أصر دائماً على أن العالم يمكن أن يكون خلاف ذلك. سواء كانت الهواتف الذكية أم الإنترنت أم المصانع، أياً من هذه الأمور ليست خارجة عن إرادتنا.وسيطرتنا، هناك طرق للحد من هذه الأمور، أو في الأقل التأكد من أننا يمكن أن نخفف من تأثيرها..هناك دائماً إمكانية للتغيير، والسياسة هي الوسيلة نحو هذا التغيير.
 عن: فوكس(vox)



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون