تقارير عالمية
2017/05/25 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3468   -   العدد(3932)
من ارشيف الثورة الروسية
من ارشيف الثورة الروسية




يعد جوناثان بيرنيت (ولد في عام 1949)اكاديمي ومؤلف اميركي بارز اهتم بتاريخ الثورة الروسية وكتب عنها هذا المقال بمناسبة الذكرى المئوية لها نشرته صحيفة نيويورك تايمز.

(ان للارشيف سطوة وقوة ) هكذا قال لي ذات مرة "، كريل ميخائيلوفيتش أندرسون، المدير السابق لأرشيف الدولة الروسية للتاريخ الاجتماعي السياسي في موسكو،. و يتحدث عن أول مدير لمعهد ماركس-إنجلز، الذي تأسس في عام 1919: وهو بلشفي قديم كان ديفيد ريازانوف نافد الصبر مع  المسؤولين في الحزب الشيوعي الذين كانوا يطالبوه باستمرار بالوثائق إما لتأكيد المواقف الأيديولوجية أو لتسويد صفحة الأعداء.
! "وريازانوف الذي اختلف مع ستالين في عام 1931، اعتقل في عام 1937 وأعدم في العام التالي.
ومثل آلاف الناشرين الأجانب والعلماء والصحفيين الآخرين الذين تدفقوا إلى موسكو في كانون الثاني 1992، كنت قد حضرت إلى مركز أرشيف الدولة بعد إعلان بوريس يلتسين في كانون الأول 1991 أنه سيكشف الارشيف السوفياتي السري. (ذهبت نيابة عن دار نشر جامعة ييل.) السلطة التي استند إليها السيد أندرسون كان لها وجود حي هناك.
العديد من الاكتشافات في ذلك الارشيف قلبت بعض المفاهيم السائدة  ايام الحرب الباردة، ، وكان من ضمن ما كشفه اعمال القمع ايام ستالين، ومصير الكتاب والفنانين، وغيرها الكثير. وبالنسبة للبعض، أكدت هذه البحوث الجديدة المواقف السابقة؛ وبالنسبة لآخرين، فإنها زعزعت ايمانهم العميق. ومع ذلك فقد كان لها أكبر إسهام بلا شك في المساعدة على تعميق الفهم الدقيق لتعقيد الظاهرة الشمولية للشيوعية السوفياتية وطابع حكم جوزيف ستالين.
سألت ذات مرة مؤرخا روسيا فيما  إذا كنا بالامكان الحصول  على الأرشيف السري  K.G.B. الشرطة السرية السوفياتية، حول موضوع معين. " فأجاب بهدوء. طبعا،"  "لكن K.G.B. لديها كثير من الملفات السرية ".واحدة من القضايا الأكثر غموضا كانت  تتعلق بطبيعة وأسباب القمع الستاليني ومسألة ما إذا كانت سياسات  ستالين انقلابا على  سياسات لينين أم استمرارا لها. ويكمن وراء ذلك مسألة إضفاء الطابع المؤسسي على العنف في الثقافة البلشفية والدولة السوفياتية.
على الرغم من أن القبول العام لاستخدام العنف السياسي قد تم تبنيه في وقت مبكر من نشوء الحركة الثورية الروسية، والعودة إلى ما كتبه سيرجي نيشاييف في 1869 في بيان "التعليم المسيحي للثوري" يشير الى ذلك ، الا إن سياسات لينين والحزب البلشفي لم تعتمد في البداية على الإرهاب. ومع ذلك، أدت الظروف القاسية للحرب الأهلية في الفترة من 1917 إلى 1922، والتي قتل فيها نحو سبعة ملايين شخص، جنبا إلى جنب مع سياسات لينين الاقتصادية، إلى العوز واليأس لملايين الناس الذين وجدوا أنفسهم دون طعام وبدون سبل لكسب العيش والمأوى أو الأمان.
وقد نتجت الانتفاضات الجماعية للفلاحين عن الطرق القاسية التي اعتمدتها  الدولة السوفياتية في شراء إمدادات الحبوب. وسبق  للينين ان  أصدر في آب 1918 هذه الاجراءات  ، ، كان نظام البلاشفة الوليد بحاجة إلى هذه الاجراءات الصارمة لتفادي المجاعة في المدن، ولم يكن هناك  أي خيار آخر. "وامر لينين بكشف  أسمائهم"، ومصادرة  الحبوب. منهم.
"استخدم لينين الشدة ضد أعداء الدولة المعلنين. لكن  ستالين حوله ضد مؤسسات الدولة والمجتمع السوفياتي نفسه. اتبع ستالين لينين، لكنه تجاوزه.
في 7 تشرين الثاني 1937، في الذكرى السنوية لثورة أكتوبر، قال ستالين في اجتماع قادة المكتب السياسي كما ذكره الشيوعي البلغاري وزعيم الكومنترن، جورجي ديميتروف، في مذكراته المنشورة.
"اود ان اقول بعض الكلمات وربما لا تكون مناسبة ". "لقد قام القياصرة الروس باشياء كثيرة سيئة. سرقوا واستعبدوا الشعب. لكنهم فعلوا شيئا واحدا كان جيدا. لقد انشأوا دولة كبيرة ، على طول الطريق إلى كامشاتكا. ولقد ورثنا تلك الدولة ".
واضاف: "لقد وحدنا الدولة بطريقة تجعل عملية انفصال اي  دولة من اتحاد الجمهوريات الاشتراكية ، لا تؤدي إلى إلحاق الأذى به  فحسب، بل ان تلك الدولة لن تكون قادرة على الوجود بشكل مستقل، وستقع حتما تحت إحتلال أجنبي. لذلك، كل من يحاول تدمير وحدة الدولة الاشتراكية، أيا كان ويسعى إلى فصل أي من أجزائها أو قومياتها، فأن ذلك الشخص عدو، عدو ملعون للدولة وشعوب الاتحاد السوفييتي، وسوف ندمرهم ، حتى لو كانوا من  البلاشفة القدماء. وسوف نقضي بلا رحمة على  أي شخص، اذا كانت  أفعاله أو أفكاره - نعم، أفكاره - تهدد وحدة الدولة الاشتراكية. وسوف ندمر  تدميرا كاملا جميع الأعداء، هم وأقاربهم! "
و أعرب أعضاء المكتب السياسي حينها عن موافقتهم: على ما قاله " ستالين العظيم!"
وبحلول ذلك الوقت، تم القضاء على الأعداء المحليين للسلطة البلشفية تقريبا، بما فيهم الفلاحون العنيدون الذين أهلكوا في مجاعة 1932-33. وقد رفع مؤتمر الحزب السابع عشر في عام 1934 شعار "مؤتمر المنتصرين"، واعلن أندريه زدانوف، رئيس منظمة لينينغراد للحزب والشخص المفضل لدى ستالين، في مؤتمر الكتاب السوفييات في نفس العام أنه تم التغلب على  "الصعوبات الرئيسية التي واجهتنا في عملية البناء الاشتراكي ".
المفارقة، إذن، هي أن ستالين أطلق العنان لاعمال العنف الكبيرة في عام 1936 وكان  وقتا من السلام والاستقرار النسبي. وجماهير الأعداء الذين ظهرت فجأة داخل المجتمع السوفياتي تم اختراعها إلى حد كبير. وقد ألقي القبض على الملايين من الأبرياء وتعرضوا للتعذيب وأطلقوا النار عليهم دون أدلة ووفقا لنظام الحصص الذي أنشئ في الكرملين. لم يخطئ احد ستالين: وحرفيا كان "أي شخص" يمكن أن يكون مذنباً.
أصبح نيكولاي بوخارين، البلشفي المخضرم ومحرر برافدا، أحد هؤلاء الأعداء: اعتقل في شباط 1937 وأعدم في آذار 1938. وفي رسالة كتبها إلى ستالين من زنزانته في 10 كانون الاول 1937، رسالة من رجل يعرف انه سيموت. ومع ذلك، من المدهش أنه لم يؤكد فقط ما قاله ستالين للمكتب السياسي في الشهر السابق، لكنه اعترف بدوره في إنشاء الجهاز الذي كان قد قبض عليه الآن
وقال "هناك شيء عظيم وجريء حول الفكرة السياسية للتطهير العام". "هذا التطهير يشمل 1) المذنب. 2) الأشخاص المشتبه فيهم؛ و 3) أشخاص محتملين للاشتباه. لم يكن بالإمكان إدارة هذا العمل من دونه ".
كانت الدولة الاستبدادية التي تصورها بوخارين تقوم على أساس حالة دائمة من زعزعة الاستقرار، والتي كان الاضطراب والخوف فيها من المكونات الأساسية للحكومة. ووصفت الكاتبة ليديا تشوكوفسكايا الخوف في صميم هذا العالم المقلوب في روايتها الممنوعة عام 1939 بعنوان"صوفيا بتروفنا" التي لم تنشر في روسيا حتى أواخر الثمانينيات. وتصف بطلة الرواية التي سميت الرواية باسمها انها "كانت خائفة من الجميع وكل شيء"، وكتبت تشوكوفسكايا.تقول "ربما كانوا يستدعونها بالفعل إلى مركز الشرطة لمصادرة جواز سفرها وإرسالها إلى المنفى؟ كانت خائفة من كل رنة في الجرس ".
إن تقويض النظام الاجتماعي، وإلغاء سيادة القانون، ووضع الخوف في صميم الوعي الفردي، وزرع انعدام الثقة أمران أساسيان لهدف ستالين المتمثل في القضاء على أي تهديد لسلطته المطلقة. ولم يلغ ستالين فقط منافسي الحزب المحتملين في اعمال الارهاب لكنه أرسل أيضا إشارة لا لبس فيها إلى الأمة بأسرها: فإذا كان بوخارين وليف كامينيف وغريغوري زينوفييف يمكن أن يكونوا مذنبين، فإن كل شخص كان موضع شك.
ووفقا لأحد الروايات، فإن ستالين أبقى على رسالة بخارين في الدرج العلوي من مكتبه ، حيث تم اكتشافها بعد وفاته ولكنها لم تنشر إلا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.
ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، احتفلت  الأمة بنصرها العظيم  على هتلر، إلا أن ستالين اعترف بأنه عندما بدأت قدرته البدنية  تتراجع، بدأت السلطة الفردية تتآكل. وكان رده هو إعداد رعب ثان.
مرة أخرى، لم يكن أحد آمن. وكان ستالين غاضبا من وزير خارجيته فياتشيسلاف مولوتوف الذي سمح بنشر النص الكامل لكلمة وينستون تشرشل في البرافدا. لم يكن مولوتوف يعرف أعدائه. ثم غضب ستالين من زدانوف، وكان حينها  أحد أقوى أعضاء المكتب السياسي، عندما قام ابنه يوري، رئيس قسم العلوم في اللجنة المركزية، بعقد حلقة دراسية مغلقة لمناقشة عمل عالم الزراعة الدجال تد ليسينكو، وهو ما كان يمثل  راسبوتين في حكومة ستالين.
واصل ستالين الانتقام بالطريقة القديمة المألوفة: ممارسة  التعذيب الجسدي كوسيلة للتعامل مع الأعداء السياسيين؛ ونشرالرهبة والخوف وانعدام الثقة في المجتمع؛وخلق الأعداء. وتقديم نفسه القائد الوحيد القادر على قيادة البلاد في مثل هذه الأوقات المضطربة. ومن خلال المناورات  والمؤامرات والاعمال الوحشية والقمع، اطلق ستالين العنان للهجوم على الدولة نفسها. واصبحت  سلطته خارج هياكلها الرسمية، وفي المرحلة الأخيرة من حكم ستالين، توج هذا الهجوم بمؤامرة الأطباء عام 1953، وهي أزمة اخترع فيها قيام  أطباء يهود بارزون بالتآمر ضد القيادة السوفياتية. وكانت هذه المؤامرة الجديدة تحتوي على بذور أكبر كارثة محتملة بسبب ظهور الحرب الباردة.
فقط ، ستالين، يمكنه أن يقود الأمة، لأنه فقط هو، ستالين، يمكن أن يرى العدو. فقط وفاة ستالين، في مارس 1953، أنقذت المزيد من الرفاق من الدمار - وربما بقية العالم. وبعد خمسة أشهر، فجر الاتحاد السوفيتي أول قنبلة هيدروجينية له.
 عن: نيويورك تايمز



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون