تحقيقات
2017/05/31 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3000   -   العدد(3937)
القــوش.. "شيخة" نواحي العراق وطفلة لا يريد أهلها أن تكبر
القــوش.. "شيخة" نواحي العراق وطفلة لا يريد أهلها أن تكبر


 كتابة : نمرود قاشا

القوش... اختاروا لها موقعاً تتحدد بموجبه جغرافية المدينة، فهي تغفو في حضن أمها، وأمها هو جبل القوش الذي اختير اسمه من اسمها، أو جبل "بيث عذري" أي بيت العذارى، وهو سفح صخري تتخلله العشرات من الكهوف والمغار، يبدو من بعيد كوجه موشوم والمدينة تشكّل فمه. على هذا السفح سكن الالقوشيون الأوائل، أجداد الآشوريين، فهي مستوطن قديم لا يبتعد عن العاصمة الآشورية نينوى غير ثلاثين ميلاً شمالاً، ووجود المنحوتة الآشورية على السفح الجنوبي لجبل القوش على يمين مدخل (كلي بهيندوايا) بمسافة سبعة كيلومترات، تمثل الملك سنحاريب ( 704 - 681 ق . م) وهذه المنحوتة يسميها أبناء المدينة " شيرو ملكثا " أي الملك والملكة،  وتدور حولها حكايات وأساطير قد تكون مقنعة في بعض أحداثها وتحمل دلالات تاريخية تتعلق بنقل مياه من منطقة (بيهيندوايا) إلى القوش كونها "مدينة عطشى" وقد اثبت الاثاريون فيما بعد صحة هذه الأسطورة من خلال اكتشافهم نهيراً صغيراً قريباً من موقع هذه الحكاية.


المدينة المطوّقة بالجبال
القوش، هي أقدم نواحي العراق، فهي مركز ناحية منذ تشكيل الحكومة العراقية، وفي 27 كانون الأول 1918 عيّن فيها (بطرس شمعون ادمو) أول مدير للناحية، ولا زالت لحد اليوم، مركز ناحية، في حين أن شقيقات لها أصبحن أقضية ومحافظات، ولكن القوش ترفض أن ترمي " عباءة "مشيخة النواحي. القوش... قد تكون المدينة الوحيدة التي بقيت محافظة على حجمها، منذ تأسيسها أو بتغيير طفيف لا يوازي حجم سنوات عمرها، بسبب الجغرافية التي أنشئت فيها المدينة، فهي مطوّقة من ثلاث جهات بجبل القوش، من الصعوبة أن تقام أية بناية فيها، أما من الأمام، فالمسافة محدودة ما بين الشارع العام والمدينة، لهذا تجد اغلب بيوتها مبنية من الجص و الحجر متلاصقة بعضهاً ببعض، أزقتها الضيقة والتي تبدأ بالصعود مع حافة جبلها، ومحلاتها الأربع ( أدو، قاشا، سينا، والمحلة التحتانية "ختيثا"). أقول: حصلت إضافات على المدينة ولكنها خجولة، لا يمكن قياسها بالتطور الذي حصل في مدن وقصبات أخرى، وللالقوشيين سبب في هذا الانحسار وصولاً لكي تبقى القوش لأهلها دون غيرهم، ورغم نظرة البعض من اعتبار الأمر يحمل نوعاً من التعصب، لكنه انحسب عليهم ببعض الإيجابيات والنتائج بالنسبة لهم محسوبة سلفاً.

- القوش .... ايل قاش
القوش، هي مركز ناحية تابعة لقضاء تلكيف، محافظة نينوى، وكانت تابعة سابقاً إلى قضاء الموصل (1918 -  1924) ثم قضاء الشيخان (1924 - 1970). القـوش بـلـدة خالـدة في تأريخها الموَثـق قـبل أكـثر من 2700 سنة منـذ أنْ وردَ إسمها في سـفـر ناحـوم من الكـتاب المقـدس وموقعـها الستراتيجي وأخـبار أهـلها عَـبر السنين الطويلة، فـهي عـلى بُـعـد نحـو 45 كـم شمال مـدينة الموصل ، عـدد سـكانها في عام 1958 كان 5000 نسمة وربما تـضاعـف اليوم بسبـب النمو الطبـيعي للسكان، أما عـدد الألقـوشـيّـين المنـتـشرين في المهجـر، فإنه يفـوق هـذا الرقم بكـثير.
القوش، سفر مهم من تاريخ بلاد ما بين النهرين، ولم لا، وكل خطوة فيها تتحدث عن فصل مهم من عبق هذا التاريخ، ابتدءً من اسمها المركب من مقطعين: (ال) وتعني "ايل": اله، حالها حال الكثير من المدن العراقية القديمة التي جاء المقطع مرافقاً مع اسمها مثل (اربا - ايل " اربيل) مدينة الآلهة الأربعة، (باب ايل " بابل)، فالمقطع آيل يعني الإله ويقصد به الإله سين (القمر)، لأن اله القمر كان يطلع عليه (ايل قاش) أي الإله العظيم أو الكبير أو الشيخ.

القوش...
تاج مدن الجبل
وهناك من يقول بأن القوش، كلمة آرامية مختصر لعبارة (الياقوس) بمعنى "اله القوس، أو قوس الإله وعدالته. ومهما يكن من أمر، فكثير من مواقع البلدة أسماؤها آشورية أو آرامية كما هو الحال في: (شويثا دكناوا) أي فراش اللصوص، وهي ربوة كانت آخر مرحلة يمر بها موكب الإله قبل أن يستقر في معبده (كبا دمايا) أي كهف المياه، و (كافا سموقا) اي الكهف الأحمر، و( نطوبا) اي الناقوط، و (ريش ريشا) أي رأس الرأس.
كانـت القـوش محـط أنـظار الغـزاة والطامعـين، فـقـد شهـدتْ اضطهادات واعـتـداءات بأساليـب شـتّى ولأسباب عـديـدة، أراد منها المعـتـدي، بسط نـفـوذه إشباعاً لشهـواته فـقـط، ورغـم كـل ذلك كانـت تلك المنغـصات مثل كـبـوة الحـصان تـنهـض القـوش بعـدها سليمة معافـية وبقـوة أكـبر. هي مركز تجاري لجـميع القـرى المحـيطة بها حـتّى مشارف العـمادية الجـبلية حـيث القـوافل القادمة من تلك المناطق النائية تـقـصد القـوش لتـفرغ فـيها حـمولتها من الفاكهة والأثمار الجافة وغـيرها ليتم تبادلها بما يحـتاجـونه للمعـيشة اليومية وباقي مستـلزمات الحـياة.

كـنائس واديرة القـوش
1- كـنيسة مار كـوركـيس وهي الأقـدم ، ذات هـيكـلين (مار كـوركـيس وهـيكل مريم العـذراء) جُـدّدتْ عـدّة مرات وفـيها ناقـوس كـبـير.
2- كـنيسة مار ميخا، وفـيها قـبر مار ميخا الـنـوهـدري تأسَّـيـتْ فـيها أعـرق مدرسة منـذ قـرون تخـرَّجَ منها رجال بارزون في ألقـوش.
3- مزار مار قـرداغ بُـنيَ في سنة 1990 من الأموال الخاصة للمحـسن (جـميل يوسف كـتـو)، واليوم أصبح كـنيسة مهمة لسكان الحي الـذي سمي بإسمه.
4- دير السيدة العـذراء حافـظة الزروع إلى الجهة الشرقـية من القـوش عـلى السهـول الممهـدة لمدخـل جـبل الدير العالي.
5- دير الربان هـرمزد (ديرا علايا ــ الـدير العالي) في صدر الجـبل المقابل لـدير السيدة، يُـنسب إلى ألقـوش ويُـحـتـفل بموسمه بعـد أسبوعـين من عـيـد القـيامة سنـوياً.
6- تـوجـد حـول بـلـدة القـوش أكـواخ بمثابة مزارات صغـيرة بأسماء القـديسين شهـداء الإيمان المسيحي مثـل: مار سـهـدونا، مار زدّيقا، مارت شـموني، مار يوحـنان، يقـدسها الأهالي ويوقـدون لها الشموع في الأعـياد.
7- هـذا وفي القـوش مزار مهمل للـنبي ناحـوم وقـبره، كان اليهـود يزورونه سـنوياً ويحـتـفـلون به في أعـيادهم.

بطيخ القوش
السهل الممتد جنوب القوش خـصبٌ جـداً يعـتـمد عـلى السقي الـديمي (المطر) ويزرع فيه الحنطة والشعـير بالـدرجة الأولى بالإضافة إلى الباقلاء والحـمص والعـدس في مواسمها الزراعـية الشتـوية ، وتـتميز تربتها بجـودتها ورطوبتها صيفاً تكـفي لـزراعة فاكهة البطيخ، يزرع في الصيف بدون سقي رغم أن درجة حرارة الجو تزيد على الأربعين مئوية، ويعتمد فقط على رطوبة الجو في الليل كمصدر للمياه، المتميزة بأصنافه المتعـدّدة ، فـمنها ذو الطعـم الحـلو جـداً إسمه المحـلي (مُلوكي) وآخـر فـيه نكـهة الـﭘـرتـقال يسمى  (بُـركا د ﮔــُملا = رُكـبة الجـمل) وغـيرها حـتى صار مصطلح ( بـطيخ القـوش) مألوفاً لـدى العـراقـيّـين، وجـدير بالـذكـر أن زراعة بـذور بطيخ القـوش في أية تربة أخـرى لا يُـعـطي نـفـس الطعـم حـتى إذا كان الناتج بنـفـس الحجم. والأثمار الجافة وغـيرها ليتم تبادلها بما يحـتاجـونه للمعـيشة اليومية وباقي مستـلزمات الحـياة، فـكانت في القـوش سوق عامرة ومعامل بـدائية لإنـتاج الراشي والمؤونة ومحال لصنع الأحـذية المحـلية يـدوياً والمسماة (كالِـكّ = كـلاش) بالإضافة إلى بـيوت كـثيرة فـيها مكائن خـشبـية بسيطة تسمى محـلياً (كـوبا) لـنسج الأقـمشة من الخـيوط الصوفـية .

 الأزياء في القوش
زي الرجال: يتكون من قطعتين العليا تسمى (الصدرية) وهي عبارة عن قميص مفتوح من الأمام وأحياناً مزركش بنقوش تراثية وصلبان له أكمام طويلة ومفتوحة، أما القسم الثاني فيتكون من سروال فضفاض عريض وطويل ومن نفس قماش ولون الصدرية. ويتمنطقون بحزام من القماش الملون الذي يجلب في الأغلب من الموصل، وهو ذو ألوان زاهية ولمّاعة، أما قماش البدلة فهو من إنتاج محلي حياكة (زقارا) حيث تكاد لا يخلو بيت القوشي من آلة الحياكة (كوبا) والشال شبوك، وهذه هي تسمية البدلة التي يرتديها الألقوشي وهي شبيهة بلباس الأكراد.
إما غطاء الرأس فهو عبارة عن (جمداني) الأسود والأبيض وأحياناً يستعمل الحمداني الأحمر حيث يلف على الرأس بطريقة خاصة.
زي النساء: يتكون من ثوب طويل يلامس القدمين عريض وذو أكمام طويلة أيضاً يسمى  (شوقتا) فوق الشوقتا الـ (قبايا) وهو ثوب مفتوح من الأمام يشبه الـ(زبن) الرجالي، يخاط من قماش ذي ألوان زاهية ومسرم وهو اقصر قليلاً من القبايا بحدود (10 سم) وتتحزم المرأة بـ( الكمر) وهو عبارة قطعة قماش بعرض (5 سم) أو نسيج صوفي تتحزم به المرأة تحاط به حلقات من الفضة.
والقطعة الأخيرة هي الشال، ويتكون من قطعة نسيجية مطرزة بنقوش بارزة وحافات مطرزة ايضاً يلبس فوق أحد الكتفين ويتدلى من الأمام يسمى (حيزر).
أما غطاء الرأس يسمى (بوشيا) منسوج بعناية من خيوط الأبريسم أو الحرير تنتهي حافاته بعقد ذات أهداب تسمى (كمبوشياثا) ومزينة بخرز بيض أو حمر.. وتزين الجبين (حزراني) وهي عبارة عن ليرات ذهبية صغيرة وخفيفة متراصة، عشر لكل جانب وفي الوسط ليرة ذات فص احمر بارز (نطوبا)، الرقبة تزين بـ (كردانا) وهو طوق من قماش يزيّن بحلي ذات أشكال كروية أو بيضوية أو مغزلية تتدلى على الرقبة وتنتهي بليرات ذهبية.  أما الأذان فتزين بـ (كيراثا) او (نزبوشياثا) وتسمى أحيانا  (رشناثا) وهي أقراط تُصاغ بأشكال مختلفة. 



تعليقات الزوار
الاسم: وسام كوسا
الأخ الفاضل نمرود قاشا نعم ألقوش بلدة متميزة عريقة جذورها آشورية أصيلة يحاول أعدائها من كل حدب وصوب لحد اليوم تغير هويتها التأريخية للنيل منها ولكن نشكر الرب على نسورألقوش المثقفة والمتضلعة بتأريخ بيت نهرين وذو الأرادة المستقلة للتصدي لكل تمويه وتشويه وتغير لهوية بلدتهم الأصيلة. نشكر الرب على دور مثقفينا في تنوير وإيصال الحقيقة لكل من يهمه الأمر. أهدي لكم هذه الأغنية القصيرة للأستاذ الأديب والفنان والشاعر والكاتب الأخ فاضل بولا. https://www.youtube.com/watch?v=fe6-J3NjHdQ وسام كوسا
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون