المزيد...
تحقيقات
2017/06/03 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2598   -   العدد(3939)
تنوّعت أسبابه ودوافعه... العنفُ الأسري شبحٌ يهدّد الأمن العائلي
تنوّعت أسبابه ودوافعه... العنفُ الأسري شبحٌ يهدّد الأمن العائلي


 تحقيق/ رواء الدفاعي

وفاء هي البنت الكبرى في عائلتها التي تعيش ظروفاً مادية سيئة، بموجبها أرغمها والدها على ترك المدرسة والزواج من ابن عمها، وهو الآخر في العاشرة من عمره! بعد فترة قصيرة انفصلت عنه، لعدم فهمها شؤون المرأة وهي بالعاشرة من عمرها، اذ كانت غالباً ما تريد الذهاب الى المدرسة واللعب مع صديقاتها أو العودة الى البيت واللعب مع إخوتها، لكن ابن عمها لم يتحمل ذلك وطلقها. وبعد مضي خمس سنوات عاد أهلها وزوجوها من ابن خالتها، الذي كان بعمرها تقريباً، رزقا بطفلة، لكنه، زوجها، لم يكن مبالياً به، اذ كان يقضي أغلب الوقت مع اصدقائه أو في الدراسة، وكانت وفاء تعاني من الفراغ العاطفي، حتى اخذت تعتقد  أن زوجها يكرهها، فكرت أكثر من مرة بالهرب، لكنها كانت تفتقد الجهة التي تهرب إليها، وفاء الآن بعمر 18 سنة، وحيدة وتعيسة ودون تعليم، يمكن أن تضمن به وظيفة مقبولة.


النشوء في بيئة عنيفة
تعددت صور العنف وتنوعت أساليبهُ حتى بات يتحول الى ظاهرة تفتك بأمن ووحدة الأسرة العراقية التي تعيش ظروفاً لا تحسد عليها، إن كانت اقتصادية أم امنية، ولأجل تسليط الضوء على ماهية العنف وكيفية  الحدّ من مخاطره وسلبياته وما هي الآثار الناتجة، تقول الباحثة الاجتماعية زينب حران العتابي: نحن على دراية من مخاطره التي باتت تهدد حياة الأسر، وبالتالي تنعكس خطورته على المجتمع من خلال استخدام العنف بصورتيه المادية والمعنوية لإلحاق الأذى بالآخر. مضيفة: وقد يكون عنف الزوج على الزوجة أو عكساً، قد تكون الزوجة هي متبنية هذا العنف، وقد يكون من الوالدين على اولادهما والعكس كذلك. وتستطرد الباحثة الاجتماعية: صور العنف قد تكون جسدية أو جنسية أو حتى اللفظية، ويشمل كذلك العنف الفكري والتوجهي، كل هذه الأمور تبلورت من عدّة اسباب. منوهةً: الى ضعف الوازع الديني والأخلاقي، والنشوء في بيئة يسودها العنف في تعاملها في ظل غياب التحضر والتمدن من حيث ثقافة الحوار والتشاور في عدّة أمور، منها حرية الرأي داخل الأسرة. لافتة الى سبب آخر، ألا وهو سوء الاختيار للزوجين من كلا الطرفين وعدم الانسجام والتوافق، فضلاً عن الظروف الاقتصادية والمعيشية التي تمر بها الأسرة التي تجعل الجميع في حالة نفرزة.  

مراجعة الطبيب النفسي
وأشارت العتابي: الى قلة الوعي لنسبة كبيرة من شرائح المجتمع وعدم قدرتها على تفهم الآخر كذلك نوجه عناية وسائل الإعلام بهذا الخصوص، كونها الوسيلة الأعم والاكثر قرباً للمواطن لسرعة وصولها للمتلقي، كعمل فواصل أو فيلم قصير، يتبنى كيفية التعامل بين الزوجين. مردفة: كذلك كيفية تعامل الأبوين مع أولادهما بصورة حضارية تعمل على بثِّ الراحة النفسية وتوفير الأمان لهم حتّى أنها تعمل على زيادة التماسك الأسري. مشددة: على  دور الارشاد التربوي الذي لايقل اهمية من حيث التوجيه ونشر الوعي بين التلاميذ ومراعاة كيفية اتباع السلوك والتصرف السليم. ولاضرر من عمل بوسترات توعوية تصبح في متناول أيدي المجتمع.
وختمت الباحثة الاجتماعية، زينب حران العتابي حديثها: لازال المجتمع يعتريه الخوف والخجل من الطبيب النفسي ومراجعته رغم انه احد فروع العلوم الطبية المتخصصة حاله كحال اي طبيب مختص ثانٍ. مؤكدة: أن هذه النظرة مغلوطة جداً مقارنة بالبلدان بمجرد الشعور بالضغط النفسي والتفكير المتزايد تجدهم يلجأون الى الطبيب النفسي من أجل تفادي تفاقم الحالة والتعرض الى ازمات نفسية حادة . مردفة: لذا لابد من تبديل هذه المفاهيم التي تفرضها طبيعة المجتمع المتمسك ببعض التقاليد التي نعاني الآن افرازاتها بأبشع صور العنف الذي بات لايراعي حتّى حقوق الطفولة بل وحتى الانسانية.

التوعية بمخاطر العنف الأسري
مروة محمود، طالبة دراسات عليا ذكرت لـ(المدى) اعتقد أن احد اسباب بروز ظاهرة العنف الأسري هو تردي الوضع الاقتصادي بالدرجة الأولى للبلد. متابعة: بعض العوائل تجد الصعوبة حتى في توفير لقمة العيش وتوفير ابسط ما يمكن الحصول عليه من مسكن وحياة محترمة وبالتالي ينعكس هذا على جميع افراد الاسرة. مضيفة: ناهيك عن الوضع الأمني المتردي وعدم توفير فرص عمل داعمة للفئات الشبابية لكلا الجنسين، لامتلاكهما الطاقة والابداع يحتاجا توظيفهما وهي بالتالي مفيدة للبلد وتزيد من تطوره ونهوضه.
وأشارت محمود : الى غياب أماكن ترفيه كافية بدون أجور يمكن أن تكون ملاذاً لبعض العوائل التي لا تتمكن من دفع اجور مدن الألعاب الخاصة ما ينعكس سلباً على الحالة النفسية لجميع افراد العائلة. منوهةً الى أن اخطر انواع العنف الأسري ذلك الذي يصيب الأطفال ويترك اثره على شخصياتهم، بالتالي يكونون من المشوّهين نفسياً الذين يعودون ويعنفون الآخر. مؤكدة على ضرورة الاهتمام بالأطفال والعمل على تجنبهم كل اشكال العنف الأسري وتوفير بيئة صالحة لهم مع اهمية توعية الجميع بمخاطر العنف الأسري.

تشريع قوانين رادعة
أما الموظف الحكومي سلمان الجيزاني فقد بيّن لـ(المدى) : من  بين عوامل العنف الاسري هو الجهل، فحين يقف الانسان امام التحديات التي تواجه الاسرة، ولا يملك المعرفة والمهارة اللازمة للتعامل معها يلجأ للعنف لحسم الأمر. مبيناً انه بذلك التصرف يفاقم المشكلة ولا يحلها لأن عقباتها كبيرة تخلق فجوة بين افراد الاسرة. مضيفاً: لذلك نرى ان الرجال هم المستفيد الاول من استخدام القوة ضد النساء والأطفال.
واستدرك الجيزاني: لكن للأسف، البعض يمارسها على النساء، من منطلق ان المرأة كائن ضعيف ومغلوب على امره، خياراتها قليلة وضعيفة مجردة من ايّ وسيلة دفاع. مردفاً: ولمعالجة العنف يجب تزويد الرجال والنساء بمهارات كيفية ادارة الخلافات وتذويب التحديات. مشدداً: كما يجب العمل على تمكين المرأة من ممارسة حقوقها كإنسانة تتمتع بحرية الرأي والحفاظ على كرامتها وتشريع قوانين رادعة للحد من تفاقم العنف.
على الرغم من التزايد الملحوظ في حالات العنف الأسري و جرائم القتل و الحرق والاغتصاب بحق النساء و الأطفال والتي انتشرت في وسائل الإعلام في الفترة القليلة الماضية؛ إلا أن البرلمان العراقي لايزال يماطل في إقرار قانون الحماية من العنف الأسري! مسودة القانون في اجندة البرلمان العراقي منذ 2011 ولم يتم التصويت عليها الى اليوم! ما الضرر في التصويت على قانون يحمي الأسر العراقية من العنف ويعاقب المذنبين؟! بهذا الشأن دعت عضو لجنة المرأة والأسرة النيابية، رحاب العبودي، إلى تشريع قانون الحماية من العنف الأسري، معتبرة أن القانون يضمن حقوقاً للمرأة العراقية داخل الأسرة. مبينة: إن قانون الحماية من العنف الأسري يضمن في جزء كبير منه حقوقاً للمرأة داخل الأسرة العراقية، التي تعتبر نواة المجتمع. معربة  عن أملها بأن يكون هذا العام آخر عام لمعاناة المرأة العراقية، في مناطق النزوح والأرامل، وجميع النساء اللواتي يعانين.

وسائل الاتصال الحديثة
أما المواطنة آلاء رزاق فقد بيّنت لـ(المدى) أن تشتت الأسرة وعدم تماسكها وانسجامها بسبب مشاكل بين الزوجين والعنف المتبادل سيخلق تأثيراً واضحاً على نفسية أولادهما لغياب  الاستقرار . متابعة: تعقبها تأثيرات على سلوك الاولاد وشخصيتهم مما يؤدي الى لجوء اولادهما الى اتباع اساليب اخرى لكي يخرجون ما بداخلهم من توتر وعدم استقرار نفسي. مسترسلة: بالتالي سيكون انعكاسه على المحيط الخارجي مع الاصدقاء أو حتى في الشارع والمدرسة من حيث استخدام العنف مما يؤثر في سلوكهم ودراستهم .
فيما بيّن الاكاديمي أحمد معن لـ(المدى) : ساعدت وسائل الاتصال الحديثة في نشر بعض ما يفسد افكار المستخدمين والابتعاد عن الاهل واحتضان هذه الوسائل كبدائل للأهل مما ادى الى اختلاف في الافكار وعدم ترابط بين افراد العائلة الواحدة. موضحاً:  أن هذا الابتعاد فتح الباب للعنف الاسري ان كان الاب على الاولاد والام، أو الام على الاولاد، أو الاولاد بينهما الكبير ضد الصغار. لافتاً: الى ان بعض الالعاب الالكترونية تحثّ الاطفال وتشجّعهم على ممارسة العنف ضد اخوتهم أو اصدقائهم من هم اصغر منهم سناً، بالتالي ايجاد فرصة للخلاف والشجار بين الابويين وصولاً الى العنف الاسري إن كان اللفظي أو البدني.

التربية الخاطئة
ميادة حسن، شاهد عيان على حالة عنف وقعت في احدى الاسر، اذ كان الاب يمارس دور المعنّف والقامع لزوجته وأولاده. مبينة أنه، كان يتذمر من كل شيء ويصطنع الاحداث لتعنيف عائلته وبشكل خاص زوجته. موضحة: انه لم يكتف بذلك، بل يعود لممارسة العنف الجنسي مع زوجته.
وتستطرد حسن: ورغم كل محاولات المحيطين بها، الا انها كانت تفشل بسبب تمسكه ببعض الاعراف والحجج الواهية. مؤكدة: أن اولاده اضطروا لترك الدراسة بعد تغيبهم لأيام عدة نتيجة سلوك والدهم. منوهة: الى انه يعاني من نوبات نفسية حادة ويرفض مراجعة طبيب الاختصاص.
شيرين الفتلاوي مهندسة مدنية بيّنت لـ(المدى): يعد العنف الأسري من أسوأ المظاهر السلبية التي تعانيها المجتمعات الشرقية على الأغلب، وذلك بسبب الطابع الذكوري السائد في ملامح مجتمعنا متخذة سياسة السيطرة كأسلوب في التعامل. مسترسلة: ولا يقتصر على سيطرة الاب على الام وتعنيفه لها، كذلك نجد سيطرة الاخ على الاخت، وان كانت اكبر منه سناً والابن على الام أو حتى على المقرّبات. مبينة: من وجهة نظري، أول اسباب العنف هي اجتماعية  بالاساس واتباع اسلوب التربية الخاطئة منذ الصغر وقيام الاب بحثّ الابن على فرض السيطرة على الام والاخت كونه (الذكر) في المنزل بعد ابيه واعطائه حق التصرف في فترة غيابه.
وأشارت الفتلاوي: الى النقص في شخصية الرجل وشعوره الدوني بالمجتمع يدفعه لعكس ذلك في البيت على اسرته. مضيفة: انه لهذه الظواهر السلبية آثار جسيمة تترك في جسد الاسرة بشكل خاص، وتنعكس على المجتمع بشكل عام، من هذه الاثار انتشار الجريمة (كالقتل والسرقة والاغتصاب). لافتة: الى نمو الطابع الاجرامي لدى الرجل أو حتى المرأة المعنفة، قد ينعكس العنف على شخصيتها ويسببّ لها عقداً نفسية تؤدي الى انحرافها خُلقياً وإنسانياً.

تعريف العنف الأسري
يُعرّف العنف، هو كل اعتداء جسدي أو جنسي أو اقتصادي أو نفسي، يرتكبه أو يهدّد بارتكابه أحد أفراد الأسرة ويكون (مخالفة، أو جنحة، جناية) وفقاً للقانون. يتم تحديد العنف المرتكب كمخالفة أو جنحة أو جناية بحسب العقوبة التي يقرّها القاضي التي تتناسب مع نوع ودرجة العنف المرتكب، فالشروع بالقتل لا يمكن ان يعتبر مخالفة، كذلك المشادات التي تتحول لعراك لا تعتبر جناية، وبشكل عام اذا كانت العقوبة غرامة مالية بسيطة أو حبس شهر، فالفعل مخالفة، اذا كانت العقوبة من 1- 5 سنين، فالعنف جنحة، اما اذا كانت العقوبة اكثر من 5 سنوات فالعنف جناية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون