مسرح
2017/06/06 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 5287   -   العدد(3942)
بلاغة الثيمة والاستعارة الأنثربولوجية


محمد يونس

شكّلت الثيمة هوية للعمل الأدبي، وعلى وجه الخصوص السردي منه، وهي في توصيف جانبي استعارة من الواقع الاجتماعي، اكثـر مما هي افكار شخصية، كون الجانب الثاني هو يأتي فيما بعد، كتقرير مصير للفكرة، من الجانب الموضوعي، ويكون ذلك بعد النضج الذي تمر به تلك الاستعارة الأنثربولوجية، وبعد تبلورها من الجهة العضوية والمعنى الملازم لها.  


وإن ترسيم الثيمة لايكون خارج وعاء الحبكة، فيعني ذلك تسرب المعاني وعدم ثبوت تلازمها، ويكون مسار اللغة هنا ليس فقط مرتبكاً، بل يكون متعارضاً مع نفسه، فبدل أن يكون المنطق الأرسطي هنا اساس بنية الفكرة بمجملها، يكون للجدل الأفلاطوني تأثيره، وليس فقط قبالة المعنى العام، بل قبالة العالم الذي يعبّر عنه النص وينوب عنه .
إن هناك جهتين متقابلتين هما الثيمة والحبكة، وهما ليستا جهة مشتركة، حيث إن الثيمة هي موضوعة، واما الحبكة هي وعاء، و إن الثيمة ليست بوظيفة وإنما ركن أساس، اما الحبكة تدخل في مجال الوظيفة بشكل نسبي، وهذا الفارق مهم في اطار التفريق بينهما، واحالة كل الى مهام ستوكل اليه أو موقعه الذي يتمثل به بصفة، وطبعاً لاثيمة بلا موضوع ولا حبكة تكون وعاءً فارغاً، بل على العكس من ذلك، فلا بد من وجود موضوع يتطلب لواحق تكميلية، ولا بد من وعاء إذن، كي يبقى النص وحدة متكاملة، ويكون في ذات سياق الفكرة يتحرك .
تشكّل الثيمة لوناً وطعماً ورائحة، وهذا لاتتصف به الحبكة، وهنا يحيلنا هذا التوصيف الى منطقة مهمة، حيث هنا يمكن أن يكون للطعم مذاق لذيذ، ويمكن أن تكون الرائحة عبقة، وهذا يمكن يجعل البعد الأنثربولوجي المستعار اعمق دلالة وأوسع معنى، وقد تكون الثيمة هائلة البلاغة، وعلى الكاتب أن يتيح لذلك، واؤكد له عليك الا تتملكك خشية ابداً من ثيمة تزداد وسعاً بلاغياً، هي جذبتك نحوها أو انحازت اليك، و(لا تخش ابداً من الثيمة التي تفيض بك، فإن الكاتب المكره على ثيمة ينال حظاً اكبر من النجاح. وأظن إن من الخطأ أن تحجز لنفسك ثيمة حتى تبلغ الكمال في الكتابة)1، فمن جهة اولى إن المعنى الاجتماعي متيسر بها اكثر منك، وهنا نظام الاستعارة يميل لذلك الوسع، ومن جهة تقنية فإن الحبكة كوعاء يمكنها الاتساع الى ايّ حد ضامن، ولكن كنتيجة لايتدخل الوعاء بالسعة المضمونية البليغة من عدمها .
إن ادراك مسؤولية الواقع كثيمة كبرى، هي احدى مهام البنى السردية، فهي بلا ذلك الواقع عارية ولا يمكنها من أن تبلغ ناصية النشاط البشري داخل واقع النص، وكذلك لايلمس ما يصاحب ذلك الواقع من مشاعر واحاسيس، وهذا يعني بأن الثيمة تعتمد اساساً على الاستعارة الأنثربولوجية، ونقصد بالاستعارة هنا ليس بالاجمال، بل بالدال والنوع التوافقي مع ايدلوجية الكاتب الداخلية، وإن حدّدت الثيمة ذلك، فهي ليست بذات النفس المرتبط بالقيم الكبرى والمعاني، حيث لا تخرق تلك القيم هي بمواقف أو معاني معاكسة، بل تتعامل مع مضمون تلك القيم، وتستعير منها حتى وإن عارضتها بنسب، وطبعاً ليس للكاتب من امكان معارضة أو مخالفة قيمه الكبرى، وحتى وإن كان ذلك جزئياً، وتفسر المعارضة الجزئية كنفس صراع، اي تعارض ايدلوجي يتمثل بالموقف الشخصي، فيما عليه اتباع ثيمته، فهي أبلغ وأعمق وبتجرد تام تكون عادة .
أن الثيمة ليست صورة فوتغرافية منسوخة من الواقع الى العمل الأدبي، بل هي نشاط تفكير بلغ نتيجة ما بقناعات عدة، منها تخصه وأخرى تخص منظومة الفن، فلابد من حيوية تفكير أو السعي الى مغامرة لا تفقد المنطق الأرسطي، وإن تمادت اكثر في التحرر منه، فبالتالي ستنتج ثيمة حيوية، هي مؤكد قد اعادت صياغة الواقع بنفس حيوي بليغ، وأيضاً قد استعارت منه معالم مؤثرة فينا خارجياً وداخلياً، فهي قد تصدمنا لمعاكستها بظروف معينة، أو تكون فسحة امل لنا، هي تخرج من ضيق ازمة ما، وهذه هي الثيمة اذا ما اتصفت ببلاغة، وقدمت لنا معنى انسانياً مفترضاً، لم يكن على بال، ولا صادفنه مرة، وبه تخلق تلك المتعة الأخاذة، وتجعل بشوق لذلك الاعتبار الجليل، وكم هو بارع أن تكون الثيمة بوجهة نظر بلاغتها تهز الكيان البشري، وتخرق المألوف الى ما اقصى منه، ولا تقل لي هنا اذن ستكون الواقعية بلا ضفاف، فهناك من يقول لك اذن كيف يكون الواقع ابعد من الخيال وابلغ منه، فأي ضفاف هنا تحتمله، وبما أن الاستعارة هي مستمدة من المعنى الحياتي، وهي بسمة ارسطية فهي تنتمي لواقعية بضفاف، حتى وأن كانت ليست بإفقية لا تغادر ضفافها، فهي كاستعارة انثربولوجية بنفس انساني، تبقى على ارضيتها الواقعية، حتى اذا خرق المؤلف حدود سعة حبكته، الى معاني فوق مستوى الواقع، وهذا كما في القصة والرواية العلمية، فإنه سوف يستعير واقعاً مجاوراً، ويكون مبرراً عمله ومقبولًا، وهنا تكمن حيوية الثيمة التي تتصف ببلاغة عالية، وطبعاً لاثيمة تكون بلا منطق داخلي يقابلها، فذلك هو ما يفسد الحبكة، على الأخص إن كانت الاستعارة بمعنى لايتصل بالواقعية، ويكون كلغز أو طلسم لا معنى له، وهذا طبعاً لا يكون أساساً من الثيمة، بل هو طارئ عليها من عنصر اللا وعي الذي يهيمن احياناً على الكاتب، وطبعاً الثيمة بذاتها أصيلة ترسخ عادة القيم الإنسانية الحقة، وهي لا تلتزم  أو تتمثل لخاصية القيم الأزلية، فالثيمة الفاعلة لا تنتمي الى زمن أو عصر معين ولا لطبقة أو مستوى معين، بل هي كونية وهنا تكمن قيمتها، فهي تفرض أوسع نظام استعاري على الانثربولوجيا .
تمثل الثيمة البلاغية احدى وجوه الفن الساعي الى ذاته، فهي هنا تسعى الى أن تبرر تطرفها عن أسسها الأولية، ليس اعتباطياً، لكن ليست تفرض غير ما تستعار، بل عبر الفن وقيمه الجمالية الفاعلة، تهدف الى اغناء المضمون الاجتماعي للاستعارة، وكم هو جميل أن تكسب المعنى الإنساني المستعار قيمة جمالية، ويكتسب ذلك العبق الخلاب، والذي هو نوع من العطور الراقية، تكون الثيمة قد اهدته للكاتب، ويكون فضاء وجوده مباركاً، واينما حل يشعر بذلك العبق، ويمتدح لاستخدامه، ولابد أن يشعر الكاتب بتلك الميزة ويهتم بتنميتها .  
هناك ما اسمّيه الثيمة المضادة، وهي التي يفرض عليها الكاتب افكاره السوداء والمتطرفة، ، ومعارضته للقيم الإنسانية، ولا يستعار منها بل ينقم عليها، وتكون هنا الثيمة المضادة بصبغة عدوانية، هي من الطبيعي أن تولد رد فعل يوازيها، وهنا تفضح بؤرة الكاتب، ويخسر رهاناً مهماً، وهم الكاتب وايدلوجيته هنا تنعكس عليه عادةً، لكن في التحليل الفن للنص، نقف ازاء ثيمة مضادة تخلت عن القيم الحقة واصطبغت بلون ايدلوجيا الكاتب، وذلك التوجه نادر جداً، لكن لابد من الإشارة اليه والتعريف به، وهنا ذلك النمط يسميه بارت – النص السيئ -، ويؤكد أنه يخلق من صنفه رد فعل له، لكنه يعاكسه في الاتجاه، وتلك احدى مساوئ الايدلوجيات الحادة التي هي ثيم فكرية مضادة، تهدف الى ارضاخ المعنى الإنساني العام، فيما الثيمة الأصيلة تستعير منه، وطبعاً ذلك الفارق وجدانياً هائل وعظيم .
1- الرواية وصنعة الكتابة – ت سامي محمد –الموسوعة الصغيرة – ص 54



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون