سينما
2017/06/15 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2154   -   العدد(3950)
راوول رويز الذي صار أثير الطليعيين الفرنسيين
راوول رويز الذي صار أثير الطليعيين الفرنسيين


 ترجمة : عباس المفرجي

شغل راوول رويز ، مخرج السينما الشيلي المولد، الذي توفي الشهر الماضي عن عمر السبعين ، الجمهور بعينيه المتألقتين لأكثـر من 40 عاماً. الصور الباروكية ، والمزاج الغريب، والحبكات المتاهية، جعلت من عمله المحيّر والتلميحي لا يشبه أيّ عمل آخر في السينما المعاصرة .

برغم أن معظم أفلامه أُنتجت أثناء فترة نفيه في فرنسا، فإن عمله كان جزءاً من التقاليد الخرافية التي وسمت أكثر أدب أمريكا اللاتينية، مع كتّاب مثل غابرييل غارسيا ماركيز وخورخه لويس بورخس والفونسو رييس. كان يطيب لرويز الاستشهاد بالكاتب السوريالي الكوبي خوسيه ليزاما، الذي صرّح بأن مهمة الشاعر هي (( الدخول في غرفة مظلمة وبناء شلال من المياه هناك)).
 درس رويز ، الذي ولد في بويرتو مونت في جنوب شيلي، القانون واللاهوت والمسرح قبل أن يصبح كاتباً مسرحياً طليعياً مثمراً . عمله المميّز الأول ، " تريس تريستس تيغرس " ( ثلاث نمور حزينة ، 1968 )، يتابع مجموعة شخصيات من الطبقة الوسطى الدنيا، الذين هم ليسوا بروليتاريا ولا جزءاً من البورجوازية الأوربية الجذور في المجتمع الشيلي . وفلمه  التجريبي ، الساخر، الذي يحمل عنواناً مبنياً على كلمة محلية يصعب نطقها ، كان متأثراً بالنوفيل فاغ [ الموجة الجديدة ] وفاز بجائزة الفهد الذهبي في مهرجان لوكارنو السنمائي .
رويز وأقرانه المخرجين ميغيل ليتين ، آلدو فرانسيا وهيلفيو سوتو شكّلوا " موجة جديدة " شيلية قصيرة ، في فترة رئاسة سلفادور اللينده . فلم رويز " كولونيا بينال " (مستعمرة العقوبات ، 1970)، هو نسخة ساخرة مرّة من قصة كافكا، يدور حول التعذيب ودكتاتورية العسكر ، فكان مؤذناً بما سيحدث لاحقاً في شيلي . في عامي 1971- 72 ، عمِلَ رويز مستشاراً في الحزب الاشتراكي في تحالف اللينده ، لكنه أُجبر على الهرب من البلاد أثناء الانقلاب العسكري عام 1973 . آخر فلم أخرجه قبل رحيله كان " بالوميتا بلانكا " ( حمامة بيضاء صغيرة ، 1973 ) ، مقتبس عن رواية يمينية . (( من الواضح أني أردت تقديم نوع من القراءة النقدية للرواية ، من أجل تدميرها بمعنى من المعاني ، )) قال (( بعد أن تولّى بينوشيت السلطة ، توقفت السينما لفترة طويلة)).
" ديالوغوس ايكسيليادوس" (حوارات المنفى ، 1975) ، أول فلم لرويز صوِّر في فرنسا، كان فيلماً واطئ الميزانية شبه وثائقي يدور حول المنفيين الشيليين في باريس، وملهم من مسرحية بروتولت برخت " أحاديث لاجئ " . ولم يستغرق الأمر أكثر من ثلاث سنوات حتى أصبح أثير الطليعة الفرنسية مع فيلمه " ايبوتيس دو تابلو فولي " (تنويم مغناطيسي للوحة مسروقة ، 1978 ) . في هذا الفيلم ، جامع فن يقود رجل ، يجري مقابلة معه ولانراه على الشاشة، حول ست لوحات بريشة فردريك تورنير في محاولة لحل غموض فقدان اللوحة السابعة . تفكّر رويز الآسر في إمكانات وحدود الجانب التصويري في السينما يعني أيضاً قصة بوليسية مع مفتاح الجريمة وحلها.
  واصل رويز إستكشاف سلسلة من الإمكانات القصصية مع " ليه تروا كورون دي ماتيلوت " ( ثلاث تيجان للبحّار ، 1982 ) و " لا فيل ديه بيرات " (مدينة القراصنة ، 1988) . الأول ، خيال سوريالي هذياني يتضمّن قاتل طفل، وفتاة حالمة قد تكون أمه ، وقرصان يحتجزها سجينة على جزيرة صخرية، وعلاقات سفاح القربى، وإخصاء واغتصاب . في الثاني ــ الأول له الذي عُرِض مسرحياً خارج فرنسا ــ طالب ، بعد إقترافه جريمة قتل ، قانع بأن يقضي الليلة يستمع الى حكايات بحّار سكران عن المواخير ، ومرافئ أمريكا اللاتينية ، وسفينة طاقمها من الأشباح .
هذه الأفلام قادت بالطبع الى فلم رويز " جزيرة الكنز " ( 1985 )، ترجمة فريدة لرواية روبرت لويس ستيفنسون ، يلعب فيه ملفل بوبو دور جيم هاوكنز ، الذي مثل في دزينة من الأفلام مع رويز . ثم إنتقل المخرج الى دراما كلاسيكية اسبانية مع فيلم " الحياة حلم " ( 1986) ، حيث يعود ثوري شيلي سرّاً الى وطنه الأم ، متذكراً أنه كان قبل عشر سنوات يحفظ عن ظهر قلب أسماء ألف وخمسمائة عضو في حركة أنتي- جونتا . تدمَج في الفيلم بعضاً من المشاهد في دراما لبدرو كالديرون دي لاباركا كان أخرجها رويز للمسرح في افنيون .
" القارب الذهبي " ( 1990 )، كان أول فلم له يُنتج في الولايات المتحدة. وبمساعدة ممثلين من جماعة      " ووستر غروب " ، وأدوار ضيوف شرف للمخرجيَن جيم جارموش وباربيت شرويدر ، فتح رويز عينه المذهلة على تفاعلات مجموعة من الشخصيات في نيويورك ، حيث يبدو العنف طريقة المخاطبة الوحيدة بين الناس .
أثناء ذلك الوقت ، بعد أن كان رويز يخرج معظم أفلامه بالموارد الضئيلة التي تحت تصرفه ، مُنح ميزانيات اكبر لأستخدام نجوم أكبر . لفيلم " لويل كي منت " ( ظلام في منتصف النهار ، 1992 )، واحد من أفلامه العديدة الذي صوَّر في البرتغال، استخدم كاميرا آريفلكس 535 ، التي كان يطلق عليها وصف " رولز- رويس الكاميرات " . وكما شرح قائلاً : (( كنت أعمل سابقاً مع كاميرات 16 ملم ، ثم أشتغل على اللقطات بما يماثل تقريباً الاديوغرامات [ الصور التي تمثل أو ترمز الى فكرة ] مع قطعتين أو ثلاث من المعلومات لكل كادر)) في الفيلم ، الذي اعتبره رويز لايبعد كثيراً عن مونتي بايثون ، يلعب جون هارت كلا دوري الماركيز الشرير وصاحب مصنع أوصال إصطناعية .
في الكوميديا الميافيزيقية " جينيالوجي دان كريم " ( أصول جريمة ، 1997 )، تتخيل المحامية كاترين دينوف نفسها ضحية جريمة قتل على يد شاب كانت تدافع عنه . بعد ذلك تظهر دينوف في دور اوديت في " لو تمب ريتروفي "، الترجمة الأمينة لرويز عام 1999 لرواية بروست " الزمن المستعاد " فيلم "كوميدي دو لينوسنس " ( كوميديا البراءة ، 2000 ) بطلته ايزابيل اوبّير في دور إمرأة يخبرها إبنها البالغ عشرة أعوام بأنه يحمل إسماً آخر وله أم أخرى ــ استكشاف آخر لواقعيات متوازية .
في ذلك الحين ، كان رويز ينجز ثلاثة أفلام بالمعدّل كل سنة ، منوّعاً بين فيلم الفيديو وفلم 35 ملم ، بين الرخيص التكلفة والغالي . " رابسوديا شيلينا " ( لحن شيليّ ، 2002 ) ، كان استكشافاً شخصياً لوطنه الأم ، استخدم فيه كاميرا ديجتال بإسلوب صارم ومع هذا هازل . هذه الشيلي- الحلم عُرضت من خلال أعين ثلاثة رحّالة ، بينما الراوي الشيلي ( رويز ) يعيد اكتشاف البلد الغريب الذي هو مسقط رأسه . كان هناك دائما احساس بأن رويز ظلّ صانع الأفلام المنفي الذي يبحث عن وطن ، سواءً في فرنسا ، البرتغال أو حتى شيلي . واحد من اكثر مشاريعه طموحاً ، كان فلم " ميستيريوس دي ليسباو " (غموض لشبونة ، 2010)، المبني على رواية ايبيزودية للكاتب البرتغالي من القرن التاسع عشر كاميلو كاستيلو برانكو . السرد الملتوي والمتقلّب لهذا الفلم الذي يبلغ طوله أربع ساعات ونصف ينبسط عبْر ثلاثة أجيال وعدّة بلدان ، تسيطر عليها كلها كاميرا رويز الديجتال الفيّاضة . حينها ، ساد الاعتقاد أن رويز ، الذي كان مسرفاً في الكحول والتدخين لعدّة سنوات ، سوف لن يقيّض له اتمام تحفته الفنية ، لكن عملية أُجريت له للعلاج من سرطان الكبد أطالت من عمره قليلاً . وذلك أيضاً أتاح له وقتاً كافياً لتصوير " لا نوجه دي انفرينتا " ( ليلة في الجبهة ) ، المقتبس عن عمل هرمان دل سولار ، في البلد الذي ولد فيه والذي لم يغادره حقاً بروحه . زوجة المخرج ، فاليريا سارميانتو ، التي قامت بمونتاج العديد من أفلامه ، كانت له عوناً كبيراً في صراعه من أجل الحياة.
عن صحيفة الغارديان



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون